|
في الأسبوع الماضي نعت الصحافة السعودية فقيدها العملاق السيد هشام علي حافظ الذي
توفي عن عمر يناهز السبعين عاماً, ولم أعرفه شخصياً إلا من خلال رسائله الالكترونية
التي كان يرسلها إلى مجموعة كبيرة من الكتاب والمثقفين, وكان - رحمه الله – قد
خصّني ببعض رسائله المشجعة لمنهجي المعتدل في الكتابة خاصة مقالاتي ذات العلاقة
بالمرأة والإرهاب؛ لذا فبمجرد سماعي لخبر وفاته اتصلت هاتفياً بقريبته رئيسة القسم
النسائي لنادي المدينة الأدبي السيدة أمل زاهد التي أعتز بصداقتها وبصداقة أخيها
الكاتب والناقد أنس زاهد, وبعد أن عزّيت أمل سألتها عن أحوال أنس لعلمي بالرابط
الوثيق بينه وبين المرحوم فأخبرتني بحزنه العميق, فاتصلت به لأقدّم واجب العزاء,
لكن هاتفه المحمول كان مغلقاً طوال الوقت وعندما رنّ أخيراً لم يجبني فاحترمت
أحزانه واكتفيت بإرسال رسالة قصيرة فيها بعض كلمات تعزية لا تغني من ألم ولا تمنع
من حزن؛ وفي اليوم التالي وصلتني من أنس رثائية كتبها في السيد حافظ ضمّخها بكثير
من لوعات فؤاده وآهات حزنه مما يُشعر قارئها بحالة اليتم التي يعيشها بعد فقدان
أباه الروحي وعرّابه الأثير.
أنا أعلم تماماً مدى عمق الفاجعة عندما نفقد شخصاً ذا
بصمة مؤثرة في حياتنا؛ وكوني أنا الأخرى أعيش في حالة
فقد مؤقت لا تخلو من بعض الشجن, فقد آثرت أن أحدّث
القراء عن خبراتي الشخصية مع فاجعة الموت, وذلك خير من
أن يُفجع بعض المحبين بغياب مقالتي للأسبوع الثالث على
التوالي, شاكرة لكل من سأل عن سبب غيابي ومطمئنة إياهم
أني على عهدي في الالتزام بالكتابة في صحيفتهم المفضلة
"الوطن", راجية أن يجد القراء في هذه الخبرات بعض
الفائدة والفرادة, وهي على التوالي ذكرياتي مع وفاة
أبي وأخي وأخيراً والدتي رحمهم الله وجميع أموات
المؤمنين.
كنت في السابعة عشرة من عمري عندما توفي والدي البالغ
من العمر سبعين عاماً بعد معاناة عشر سنوات من مرض
قلبي, وكان للفارق الزمني بيني وبينه أثر كبير في
افتراق الأجيال فقد كان بعض من يطرق بابنا في طفولتي
يسألني إن كان جدي موجوداً ظانين أني حفيدة أبي, ولكن
هذا الفارق كان في صالحي فقد كانت تربية أبي شديدة مع
إخوتي الكبار بينما رخى لنا الحبل – نسبياً- نحن
الصغار وأقصد بنحن: أنا وأخي الذي يكبرني بعامين والذي
يصغرني بعامين, ومع ذلك فإن شخصيته الصلبة كانت هي
المسيطرة إلا أني لا أنسى دموعه يوم أخبرته بحصولي على
الدرجة الأولى في الشهادة الإعدادية إذ خرّ - رحمه
الله - شكراً لله وهو يبكي, وبعد عامين فقط كنت أنا
التي تبكيه؛ ومما أذكره أني بدأت أقرأ عليه سورة الرعد
بمجرد أن دخل في النزع الأخير, بينما خرجت والدتي
وأخواتي كلهن لعدم قدرتهن على تحمل الموقف, ووقفت أنا
ممسكة بيده اليمنى وأحد إخوتي يقف أمامي ممسكاً بيده
اليسرى, وأخ آخر يتلمّس أقدامه ليرى برودتها التي تدل
على بدء خروج الروح من الجسد, ورغم هدوء أعصابي وقتها
فإنه بمجرد أن صعدت روحه إلى بارئها لم أشعر بنفسي إلا
وأنا خارج الغرفة وأريد أن أصيح: "لا" بصوت عال, ولكن
الله حماني من الاعتراض على قدره فقد شعرت وقتها
بمخلوقات لطيفة تحيطني وتهدئني وتذكرت تلك الآية
الكريمة في سورة الرعد التي كنت قد قرأتها للتوّ:(له
معقبات من بين يديه ومن خلفه يحفظونه من أمر الله)؛
فعاد لي توازني, وساعدني إيماني في تخطي تلك الأزمة
بسرعة, وإن كانت حياتي اختلفت بعد وفاة والدي لافتقادي
لشخصيته القوية المساندة التي كانت حافزاً لي على
التفوق, فحصلت على معدل عال في الشهادة الثانوية دون
درجة مميزة؛ ومع ذلك فإن حزني على والدي لم يكن الحزن
الأشد في حياتي رغم أنه الأول.
جاءت وفاة أخي صالح رحمه الله بعد تسع سنوات تقريباً
من وفاة أبي, ولم يكن يتجاوز الثالثة والأربعين من
العمر, وكان أقرب إخوتي لي رغم أنه يكبرني بسبعة عشر
عاماً, فأنا أكاد أكون أنموذجه الأنثوي, إلا أنه أوتي
من الحِلم فطرة وطبعاً ما لم أنله إلا مجاهدة
واكتساباً, وكان يعمل - رحمه الله - في بلد خليجي,
بينما أخي الذي يكبره بخمسة أعوام يعمل في بلد خليجي
آخر, وكانا صديقين بقدر ما هما أخوان, ولذلك اختصني
أخي الكبير - دون أهلي- بنبأ إصابة صالح بسرطان الرئة
مفسراً تصرفه بأني طبيبة ويمكنني بحكم دراستي أن أتحمل
هذا النبأ المؤلم, وما علم أخي أن الطبيب لا يستطيع أن
يكون مجرداً من العواطف مع من يحب ويؤثر, ومع ذلك وكي
لا أخيب ظنه كتمت أحزاني ولجأت إلى إيماني وصلاتي
فغمرت سجادتها بدموعي أثناء السجود لأتضرع لخالقي أن
يرحم صالح من آلام السرطان التي برّحت به فيخلّصه
منها, وبعد شهرين استجيب دعائي لكن بانتقال صالح إلى
جوار رب العالمين في فرنسا حيث كان يتلقى العلاج؛ وكان
للخبر وقع الصاعقة على أهلي, وأعانني الله على تمالك
أعصابي مرة أخرى, لكني لا أنسى ذلك المطر الغزيز الذي
هطلت به السماء ولم تستطع أن تبتلعه الأرض يوم وفاة
صالح مما جعلني أخمّن أن السماء والأرض تبكيه فقد كان
اسماً على مسمى, ومات بمرض لا شفاء له لأن السرطان
الذي أصابه كان من النوع الخبيث جداً وانتقل إلى عظم
الترقوة بسبب انتشاره السريع في الدم, وفي الحديث
الشريف أن ميت الطاعون شهيد, وفي حديث آخر:(إذا مات
الغريب بكت عليه السماء والأرض)؛ وما زلت أعتقد أن موت
صالح كان قاصمة بكل معنى الكلمة خاصة لأمي تلك المرأة
الصابرة؛ وعقب وفاته أصابتني آلام في الركبتين كنت
أشعر معهما أن سيفاً يبتر ساقيّ أسفلهما, واستمرت لمدة
خمسة أيام كنت مضطرة بعدها أن أعود إلى عملي متجاوزة
أحزاني, وكطبيبة مستجدة كنت أشغل وقتها منصب رئيسة
مركز صحي في الريف حيث جمال الطبيعة وبساطة الحياة,
وفي أول يوم لعودتي للعمل بعد وفاة أخي أحضر أحد
الفلاحين بندقية لصيد العصافير إذ كنت قد أخبرته
بهوايتي في الرمي وتمكني من إصابة الهدف دون أي خطأ,
فقد علّمني صالح ذلك من صغري كما علّمني القراءة
والكتابة, ولكني عندما أمسكت بندقية ذلك الفلاح
ووجهتها نحو هدف ثابت – وليس بطائر ولا بمتحرك – شعرت
بارتجاف يدي وزوغان بصري, وعلمت وقتها أن تجاوزي للحزن
لم يكن إلا ظاهرياً, فكيف لي أن أمسك بندقية وأتمكّن
من نسيان الذي علّمني الإمساك بها ولما يمض على وفاته
سوى عدة أيام فقط؟ عندما عدت من الريف إلى مدينتي بعد
انتهاء دوامي عصراً ونزلت من الباص كنت فاقدة لتوازني
تماماً ولم أعرف الشرق من الغرب ولولا أن ممرضة كانت
بجانبي اتكأت على كتفها لوقعت أرضاً فاقدة وعيي وليس
فقط توازني.
أما وفاة أمي رحمها الله فقد كانت عن عمر يناهز
الثمانين عاماً قضت السنوات العشرين الأخيرة منها في
البيت فلم تخرج منه إلا لضرورة, وكان كل عملها آنذاك
هو الاهتمام بأولادها وبناتها لدى زيارتها للاطمئنان
على صحتها, وفيما عدا ذلك فالقرآن دائماً بين راحتيها
وذكر الله لا يفارق شفتيها؛ ولم يقدّر لي الله سبحانه
أن أكون إلى جانبها أوان وفاتها, ولكني كنت أتابع
أخبار صحتها على الهاتف أولا بأول إلى أن جاءني الخبر
صباح الأحد في 11 سبتمبر الماضي, فتمالكت نفسي وأرسلت
ولديّ إلى المدرسة دون أن يبدو عليّ أي حزن, وبعدها
صليت عليها صلاة الغائب, وأمسكت بالقرآن لأتلو وردي
اليومي فإذا فيه آيات جميلة عن الملائكة وتبشيرها
للمؤمنين, فاتصلت بأختي وطلبت منها أن تضع سماعة
الهاتف قرب أذن أمي لأودّعها بتلك الآيات, وعندما عاد
ابني الكبير من المدرسة وذكرت له وفاة جدته عانقني
وقبلني وأبدى إعجابه برباطة جأشي, وهو لا يعلم أن آثار
السنين العشرين الواقعة بين وفاة خاله وجدته قد ساهمت
برسوخ تلك الميزة في شخصيتي؛ وفي اليوم التالي ذهبت
إلى مكة لأداء عمرة بالنيابة عن أمي بعد أن حصلت على
إجازة ثلاثة أيام عدت إلى العمل بعدها ودموعي تغسل
وجنتيّ غصباً عني؛ ثم لا بد أن تمضي دورة الحياة فالحي
أبقى من الميت لذا كفكفت دمعي ونظرت في أمور مرضاي,
لكن حزني على أمي لم يخفّ أواره إلا بعد رؤيتي لها في
حلم وكأنها قادمة إلى منزلي بعد أدائها العمرة وفي نفس
الوقت تستعجل الذهاب إلى بيتها وأنا أتوسل إليها لتبقى
عندي بعض الوقت, ولكنها لم تُلقِ بالا إلى توسلاتي
واتجهت إلى النافذة فاتحة ذراعيها وكأنها تريد
الطيران, فأتيتها من خلفها وبدأت أقبل يديها وذراعيها
وظهرها بحنان ورقة وأغسل ثوبها بدموعي ومع كل قبلة كنت
أقول"اللهم اغفر لأمي.. اللهم ارحم أمي" حتى استيقظت
على نواحي؛ ووقتها فقط أدركت مدى حزني على والدتي, وإن
كان ذلك الحلم بمثابة بشارة أن أمي قد نالها ثواب
العمرة التي أديتها عنها.
هذا شيء من أحزاني على أمواتي قصصته على القراء
الأعزاء ليجدوا فيها عزاء على من فقدوا من أحبائهم فقد
قال عليه الصلاة والسلام:(أحبب من شئت فإنك مفارقه),
وما أعلمه يقينا أنه من دون الإيمان بالحياة الآخرة
فإن الحياة الدنيا تبقى ذات معنى تافه لا تستحق معه
الاحتفاء بأفراحها ولا الحزن لأتراحها.
الوطن
السعودية 6/3/2006 |