الصفحة الرئيسية
  
في النهوض والتغيير (إبحار ضد التيار) من الدانمارك.. رسالة عازفة على جروح نازفة
 
 
 

وصلتني رسالة من الدكتور عماد الدين عايش المقيم في الدانمرك يقول فيها:(أكتب إليك بخصوص تلك الرسوم التي تم نشرها بإحدى الصحف الدنمركية والتي حملت معان مسيئة للإسلام والمسلمين. كنت أتمعن فيما حدث مع متابعتي للأمر منذ بدئه وشعوري بالامتعاض عند نشرها لعلمي بما تحمله من معان سلبية تجاه ديننا العظيم ونبينا الرحيم اللذين لم يسلما من سوء فهمهم وتطاول لسانهم. ولكن أود أن أتوقف عند رد فعل المسلمين والذين لم يأخذوا الأمر بالحكمة الكافية والفهم الحقيقي لديننا وللواقع هنا في الغرب. هذه الرسوم لم تنشر بقصد الإساءة ولكن كما أشار الناشر وقتها لدعم حرية الناس في التعبير عن مكنونات أنفسهم بحرية، ومع معرفتي أن ذلك يجب أن يكون بشيء من الأدب، لكن أذكر أيضا أن هؤلاء لم يقصدوا الإساءة بقدر ما عبروا عن فهمهم للإسلام! نعم هذه هي صورة الإسلام في أذهانهم! إرهاب..تفجيرات..واضطهاد للمرأة! وما إلى ذلك مما تعرفون. ورأيي أن الأَوْلى كان محاولة تصحيح الفهم الخاطئ لا طلب اعتذار وإظهار شديد الغضب الذي لن يغير من فهمهم بل يدعم تلك الصورة السلبية بان المسلمين يعتمدون العنف والإكراه لفرض آرائهم على البشرية! وهنا أتساءل: ألم يرشد رب العزة نبيه أن يتلطف بالمشركين حتى يسمعوا كلام الله! لأن كثيرا منهم لم يسمعه مباشرة من مصدره وإنما عداؤه معتمد على ما يسمعه من الآخرين؟ ألم يكن النبي صلى الله عليه وسلم يصبر على أذى المنافقين حتى لا تستغل شدته معهم إعلاميا ضد الإسلام؟!).

هذه الرسالة تحثني على الكتابة في ما كنت قد تجاهلته عمداً من ردود الفعل التي عمّت أغلب البلاد العربية, وتجاهلي لها كان بسبب الحزن الذي غرقت به الأسبوع الماضي لحال هذه الأمة التي لا تفتأ تحوّل مكتسباتها إلى خسائر إذ يعمل بعض المتنفّذين فيها على توجيه الضربة القاضية لجهود غيرهم وكأنهم يريدون لفكرة الغربي عن المسلمين "الهمج" أن تزداد رسوخاً؛ فنحن لا نتقن لغة الحوار ولا نعرف إلا ردود الأفعال, ولكن أي ردود أفعال؟ وعمن تصدر؟ للأسف الشديد إنها لا تصدر عن الغوغاء إلا بعد أن يأخذوا الضوء الأخضر ممن يُدعون علماء دين؛ وقد رأينا عجباً في مهرجان خطابي ضمّ بعض المشايخ, وكنت أكنّ تقديراً خاصاً لأفراد منهم, لكن كيف استخف بعضهم الطرب بصيحات "الله أكبر" التي دوّت في أركان المسجد؟ لماذا لم يتجرأ أحد من هؤلاء العلماء أن يهدئ الانفعالات الجاثمة بعد صلاة الجمعة لدرجة بدا معها أنه لا يحبذ التهدئة؟ أمسك أحد المشايخ بالميكرفون ووجدها فرصة ليستعرض كل ما في قاموسه من مفردات الكراهية لـ "الغرب الحاقد" و"الصليبية الكافرة" وكلما طنّت في أذنه صيحة "الله أكبر" استمرأها ورقص لها؛ فبدا كأنه يصفّي حسابه مع خصم قديم. ثم استلم الميكرفون شيخ آخر أبدى رأيه في المؤامرة الصهيونية الكامنة وراء رسوم الكاريكاتير المسيئة للرسول عليه الصلاة والسلام, مع أن هذا الشيخ منذ عدة شهور فقط كان يضع يده في يد حاخام إسرائيلي في مؤتمر لحوار الأديان, ولا اعتراض على مصافحة شيخ لرجل دين يهودي أو حتى إسرائيلي فربما يصلح الدين ما أفسدته السياسة, لكن الاعتراض على التناقض بين التشنيع على الصهيونية في نفس الوقت الذي نهرول فيه باتجاه إسرائيل تحت مسمى حوار أديان؛ أفليست إسرائيل هي الوريث الشرعي للصهيونية؟ لقد تورّط هذا الشيخ في أحد الموقفين أو كليهما, فخضع لسياسة الدولة التي يقيم فيها فساهم في حوار الأديان لكنه رأى نفسه مجبراً على التصالح مع "شلة" المشايخ الذين لم يستوعبوا متغيرات العصر, ولم يفهموا إلى الآن الفرق بين حالتَيْ الاستضعاف والتمكين لدى المسلمين؛ وكدلالة على غياب هذا الفهم ما دعا إليه شيخ آخر من إهدار دم رسام الكاريكاتير الدانمركي, مع أن هناك 12 رساماً, ومع أن النبي عليه الصلاة والسلام لم يهدر دم أحد ممن شتمه أو آذاه وهو في مكة, بعكس بعض الموقف التي اتخذها بعد تأسيس الدولة المسلمة في المدينة, فإذا كان هذا الفرق بين الموقفين المكي والمدني يغيب عن جلّ علمائنا الكرام فيسارعون إلى "حي على الجهاد" في أي وقت داعبت خيالَهم ذكرياتُ طفولتهم ومراهقتهم أيام الجهاد ضد الاستعمار لبلادهم, ثم يُسقطون تلك الخيالات على الواقع المعاش, فماذا نسمي ذلك الشغب؟ هل هو النكوص باتجاه الطفولة أم مراهقة جديدة؟!

تظاهرت المراهقة بالآراء الداعية إلى المقاطعة العشوائية, والسؤال ليس فقط كيف نحمّل الوكيل المحلي بضاعةً اشتراها قبل الأزمة بل أيضاً كيف نحمّل الغربيين وزر بعض أبنائهم في الوقت الذي نطلب منهم ألا يحاكموا كلّ المسلمين بذنب ابن لادن وجماعته؟ دعا شيخ المشايخ إلى مقاطعة البضائع الأوربية كلها, وهذا نِعم الرأي إن صح منا العزم, ولكن هل نقاطع الطعام والشراب فحسب أم نقاطع الأدوية والأجهزة والسيارات والطيارات؟ وهل هم أغبياء ليبيعونا ما نريد فقط؟! وهل من الحكمة مقاطعة قارة بأكملها؟ وهل بإمكاننا مقاطعة الغرب كله ونحن على ما نحن عليه من التبعية الاقتصادية والثقافية والسياسية؟ وتتابعت حركات المراهقة بإشعال الحرائق في سفارات الدانمرك في بعض البلاد التي استيقظ حبها لرسول الله عليه الصلاة والسلام فجأة, ولم يكن أحد يعلم أن لديها رأياً عاماً حراً لأنها تساق دوماً إلى المظاهرات بسياط الجلادين والمخابرات, حيث جرّدت تلك الدول ساكنيها من كل قدرة كلامية وكرامة بشرية وروح إنسانية فكيف يعترض من نزع لسانه من حلقه منذ مدة طويلة؟ وتلاها مظاهرات "النخوة" من بلد حارب سنة الرسول عليه الصلاة والسلام بعد أن أنكرها زعيمه! ثم مظاهرات في بلاد توضع النساء العاريات في "الفترينات" لبيع اللحم البشري باليوم والليلة! وأعقبها مظاهرات دعت إلى إقامة الخلافة الإسلامية وقتل الكفار الغربيين, وأين؟! في البلاد التي آوت المسلمين من خوف وأطعمتهم من جوع؛ تلك البلاد التي شبهها العقلاء ببلاد النجاشي, فاعتبروها بلاد هجرة رغم أنها لا تدين بالإسلام لكن لأنهم استطاعوا أن يعلنوا إسلامهم ويقيموا شعائرهم علناً في الوقت الذي حاربت حكوماتهم كل من يرخي لحيته وكل من تغطي شعرها وكل من قال لا إله إلا الله. ثم تلا ذلك مظاهرات في الجنوب الغربي والجنوب الشرقي من الكرة الأرضية, عبّر فيها بعضهم أن "جيش محمد سوف يعود", ولكن أي محمد هذا الذي يدّعون أنهم يدافعون عنه؟ أهو الذي يتسربل بالزي الأخضر؟ أم الذي يسيل في المناسبات دمه الأحمر؟ أم الذي يذبح غيره من المسلمين باسم الجهاد؟ أم هو الخاص بتلك الفرقة الناجية التي يمثلونها هم فقط وإن سكتوا عن المشاركين الآن في التظاهر فهو نوع من الصمت المؤقت؛ ثم لكم محمدكم ولنا محمدنا.. لكم الولاء والبراء والأصحاب, ولنا الإمامة والولاية والآل و.......؟

وبعد أن سالت الدماء يطلّ علينا شيخ المشايخ ليوضح أنه قصد بكلماته فقط إشعال نار الغضب في الصدور, دون أن يعلم أنها ستلهب الحرائق في أمكنة كثيرة, فكل ما كان يدعو إليه هو الغضب العاقل, ونحن بدورنا نسأل: ما الفرق بين الغضب العاقل الذي يطالب به والفوضى المنظمة التي تتبناها سياسة أمريكا؟ وإذا تساءل بعضنا وقتها: كيف للفوضى أن تكون منظمة, فإننا يجب أن نتساءل هنا أيضاً: كيف يكون الغضب عاقلا؟ وكيف يصدر هذا من شيخ جليل يعلم أن القاضي الغضبان لا ينفذ حكمه لأن الغضب هو انفعال يعمي العيون ويخيب الظنون؟ والله أقولها وبحرقة قلب: قد خيبتم الظنون يا شيوخنا في كل مرة رغم كل القدرات العقلية التي منحكم الله إياها, فأرجوكم افهموا الواقع أولا قبل أن تدعوا إلى الغضب العاقل أو المجنون ثم لا تجدوا حيلة ولا وسيلة إلا التبرؤ من دماء الأبرياء التي سالت, لأنها قد تأتي سائلة ربها القصاص منكم يوم القيامة!

إن محمداً عليه الصلاة والسلام ليس حكراً على المسلمين بل هو رسول رحمة للبشرية جمعاء, ولو كنا قريبين حقاً من هذا النبي العظيم لامتزج حبه بلحمنا ودمنا, ولكنّا خير تلامذة لخير معلم, ولنشرنا إسلام الرحمة والمحبة, ولكانت دعوتنا منذ البداية لترشيد الغضب والانفعال, وهي الدعوة التي تبناها مركز دراسات إسلامي في الإمارات مؤخراً:(لا يمكن لأحد أن يشكك في حقنا كمسلمين في التعبير عن غضبنا واستيائنا البالغ من تفشي موجة الإساءة للإسلام والمسلمين ولكن لا أحد يقبل أيضا أن نقابل هذه التصرفات الحمقاء بأخرى مماثلة لأن الغضب الأهوج يمكن أن يسيء إلى قضيتنا العادلة ويشوه صورة الإسلام والمسلمين ويمنح ناشري هذه الرسوم الوقحة مبررا مجانيا لتسويق رؤاهم الضالة والمضللة بين شعوب العالم الغربي ما يمنح خدمة مجانية للمتطرفين ويوفر لهم أجواء مثالية لإثارة عواطف المسلمين الذين يتحركون من منطلقات وبواعث غيرة حقيقية على ديننا ورسولنا الكريم عليه الصلاة والسلام)؛ وأتمنى ألا تذهب هذه الدعوة أدراج الرياح كما في كل مرة.

الوطن السعودية بتاريخ 13/2/2006

 

   
 

     

حقوق الطبع محفوظة لموقع د. ليلى الأحدب © 2005 تصميم وتطوير موقع الثريا |