الصفحة الرئيسية
  
في النهوض والتغيير (إبحار ضد التيار) الحج بين الفقه الميسّر والقوانين الحازمة
 
 
 

في كل عام تتكرر مأساة موت عدد من الحجاج وغالباً ما يكون ذلك بسبب التزاحم والتدافع, مما يُفقد الحج الحكمة التي يتفرّد بها عن سائر العبادات والشعائر ألا وهي اجتماع المسلمين بعدد هائل في مكان واحد وشعورهم بالتآخي والتراحم, إذ يتحوّل الحج لدى بعض الحجاج إلى فرصة تعلو فيها الأنانية وتطفح فيها الأثرة, وقد جرّبت ذلك بنفسي عندما حججت حجة الفريضة منذ عدة سنوات فقد كدت أفارق الحياة بسبب بعض الحجاج الأفارقة الذين يحتار المرء في نسبهم هل هو إلى حامٍ لسوادهم أم إلى عادٍ لطول قامتهم أم أنهم من آكلي اللحم البشري البعيدين عن الحضارة والذين لم يهذّب الإسلام نفوسهم؛ وليعذرني الإخوة القراء الذين يعود نسبهم إلى أصل أفريقي فأنا أعلم أن تجاوز الإنسان لأخيه الإنسان لا علاقة له بجنس ولا بلون, لكني قصدت الاستشهاد بتجربتي في الأمر؛ ومن ضمن ما أذكره من تجاوزات هو إصرار أحد الحجاج في مجموعتنا على ألاّ نتحرك من مزدلفة إلا بعد الفجر وذلك لأن زوجته معه وتحج لأول مرة فيجب أن يكون حجها مطابقاً للسنة حسب رأيه, مع أن الرسول عليه الصلاة والسلام أذِن لزوجته سودة بنت زمعة رضي الله عنها أن تدفع من مزدلفة قبل الناس لكبر سنها وصعوبة حركتها, ولما رأت عائشة رضي الله عنها الزحام تمنّت لو أنها استأذنت النبي عليه الصلاة والسلام كما فعلت سودة, مع أن كلا منهما كانت حجة الإسلام الأولى بالنسبة لها, وهكذا فقد كان ذلك الحاج سبباً في تعطّل موكبنا عن الوصول إلى منى ومن ثمّ تأخُّرنا في الرجم وخوضنا الزحف الأكبر, والذي لم أكرره مرة أخرى بل أنبت غيري في الرجم بعد ذلك؛ وأما التجاوز غير المقبول أبداً فهو أنه لدى عودتنا من الرجم في باص خاص بالنساء أخذنا السائق إلى مكة بدل أن يعود بنا إلى الخيام في منى, وكنا نظنّه قد ضلّ الطريق وخاصة أنه كان ينزل في كل بقالة ليسأل صاحبها عن شيء, ولكن عندما رأيناه ينتظر عند بقالة لانتهاء الصلاة عرفنا أنه يريد أن يشتري شيئاً لا يجده في منى ولا يجده إلا نادراً في مكة ألا وهو علبة السجائر!

الحج مشقة والقاعدة الفقهية تقول: المشقة تجلب التيسير, وفي هذا المعنى تصب دعوة سمو الأمير نايف بن عبد العزيز وزير الداخلية رئيس لجنة الحج العليا, العلماء في السعودية والعالم الإسلامي إلى استنباط الحلول الشرعية ليسهل على الحجاج الرمي بوقت أطول سواء كان قبل الزوال أو بعد الزوال, مؤكداً أن هذا الأمر "مهم جداً وواجب عليهم" وذلك للحفاظ على أرواح المسلمين؛ لذا فإن ما سآتي به هنا أغلبه فتاوى وآراء لعلماء دين وباحثين شرعيين تؤكد على ضرورة التيسير في الحج, ومن ذلك قول الشيخ يوسف القرضاوي في فتوى منذ ثلاثة أعوام:(ومع هذا العدد الكبير من القتلى لا زال كثير من العلماء يُفتون الناس بعدم جواز الرمي قبل الزوال بحال، مع أن النبي صلى الله عليه وسلم يَسَّر في أمر الحج، وما سُئِلَ عن أمر قُدِّم ولا أخِّر فيه، إلا قال: "افعل ولا حرج" والفقهاء سهَّلوا في أمر الرمي حتى أجازوا أن يجمع الحاجُّ الرَّمْيَ في اليوم الأخير، وأجازوا الإنابة فيه للعذر، وهو أمر يتم بعد التحلُّل النهائي من الإحرام. وقد أجاز الرميَ قبل الزوال ثلاثةٌ من الأئمة الكبار: فقيه المناسك عطاء، وفقيه اليمن طاووس، وكلاهما من أصحاب ابن عبَّاس، وأبو جعفر الباقر محمد بن علي بن الحسين من فقهاء آل البيت. ولو لم يَقُلْ فقيه بجواز ذلك لكان فقه الضرورات يُوجِبُ علينا التسهيل على عباد الله، وإجازة الرمي خلال الأربع والعشرين ساعة حتى لا نُعرِّض المسلمين للهلاك. وجزى الله الشيخ عبد الله بن زيد المحمود خيراً، فقد أفتى منذ أكثر من ثلث قرن بجواز الرمي قبل الزوال في رسالته "يُسْر الإسلام"). وللشيخ الدكتور مصطفى الزرقا فتوى مشابهة بحث فيها عموم الآراء الفقهية ثم قال:(وعليه يكون في الأيّام الأربعة كلّها مجال للرّمي من الصّباح قبل الزوال في مختلف الاجتهادات، ولو في غير يوم النّفر للمستعجِل وغيره؛ لأن في الرمي قبل الزوال تيسيراً كبيراً على الناس حتى على غير المستعجِل لأجل النفر، فإن الماكِث أيضاً قد يحتاج إلى التبكير في الرمي اجتناباً للزِّحام الشّديد في الحَرّ الشديد، ولا يخفَى أن المكلَّف عليه أن يتبع أحد المذاهب المُعتبرة أيّاً كان منها، ويتقبّل الله تعالى منه، فإن الدين يُسر بنصِّ الحديث الثابت). وأكثر الباحثين الشرعيين المعتدلين يفهمون الآية الكريمة: ((فمن تعجّل في يومين فلا إثم عليه ومن تأخر فلا إثم عليه)) على أنها تشريع من الله تعالى في أداء منسك رمي الجمار يحفظ الناس من الضرر؛ ولذلك يجوز التعجيل في رمي الجمار في أول يومين من أيام التشريق، لينقسم الناس إلى فريقين: فريق يقضي الرمي في يومين، وفريق يقضيه في ثلاثة أيام؛ ومن الحكمة تطبيق هذا التنوع في التشريع؛ وقد يصل هذا التطبيق إلى حد الوجوب إن ترتب على تركه ضرر، وفي هذا المقام يجوز تدخّل ولي الأمر لتقييد المباح إن كان جلباً لمصلحة أو دفعاً لمفسدة، فيمكن للسلطات أن تقسم الناس فتجعل للبعض يومين وللآخرين ثلاثة أيام؛ وبرأيي فإن هذا الفصل ممكن بالاتفاق مع سفارات المملكة في البلدان الإسلامية الأخرى بحيث تُعلم حملاتُ الحج القادمة من خارج المملكة الحجاجَ بأنهم سيتأخرون حتى اليوم الثالث في منى خاصة أنهم غالباً ما يبقون في مكة عدة أيام قبل أن يغادروا إلى بلادهم أو يتجهوا إلى المدينة المنورة؛ وكما يقول بعضهم فإن الله تعالى ما جعل الحج ليموت الناس فيه، خاصة أن الرمي واجب من واجبات الحج يُجبر بدم وليس ركناً من أركان الحج؛ كما أن تجنب الناس الجلوس على جوانب الطرق المؤدية إلى مكان رمي الجمار، وإن لم يرد في الشرع نهي عنه، فيجب القول بالنهي عنه في زماننا لما يترتب عليه من التزاحم والتدافع وفوات الأنفس.

ومسألة الافتراش في أي مكان خاص بالحجاج سواء كان في مكة أو منى أو غيرهما لا بد من معالجتها بحزم, فتجب معاقبة فاعليها بغرامة مالية أو بسحب الهوية أو الإقامة أو جواز السفر, أو أي عقوبات رادعة مماثلة, ونفس العقوبة يجب تطبيقها على من يذهب للحج مخالفاً للقوانين, ولا يكفي إرجاع المخالفين فقط بل لا بد من معاقبتهم على مخالفة القوانين, وإلا فإنهم سيكررون فعلتهم كل عام متباهين بأنهم في سنة كذا وكذا استطاعوا التزويغ عن أعين رجال الأمن, فكأنّ الأمر مسابقة للغش, مع أن الذهاب هو لأداء فرض عظيم من أركان الإسلام, ثم ما المانع مع تضخم أعداد الراغبين في الحج أن لا يسمح بتكرار الحج إلا مرة كل عشر سنوات, وليس كل خمس سنوات؟ الرسول عليه الصلاة والسلام لم يحج إلا مرة واحدة, وإلى الآن لا يستطيع الإنسان العاقل فهم نفسية هؤلاء الذين يرغبون بالحج كل عام على حساب عبيد الله الذين يحلمون بأداء هذه الفريضة ويأتون من كل فج عميق, وأنا شخصياً أعيد هذا الأمر إلى فهم خاطئ للدين ولا أعتبره تقرباً إلى الله, لأن القريب إلى الله يتمثّل بما فعله عبد الله بن المبارك رحمه الله عندما كان ذاهباً إلى الحج فتخلّف عن قافلته لسبب ما فرأى فتاة تبحث في القمامة والفضلات التي خلفها المسافرون, فلما سألها أخبرته أن نسبها يعود إلى آل البيت ولا يجوز لها سؤال الناس الصدقة, فلحق بالأمين على ماله وطلب منه أن يعطيها نفقة حجهم هذا العام على أنه خير من الحج, وعاد إلى بلده.

إن القرب إلى الله يكون برحمة عباده واحترام النظام للمساهمة في الحفاظ على أرواحهم, وإعطاء صورة حضارية عن الإسلام لغير المسلمين, وهذا ما يقع في جزء منه على كاهل المملكة العربية السعودية ولا ينكر الجهود التي تبذلها المملكة إلا حاقد أو جاهل, فهناك جيش من رجال الأمن مستنفر لخدمة الحجيج, لكن قسماً من هؤلاء لا يفهمون اللغة المهذبة التي يتعامل بها رجال الأمن فيقومون بدفعهم وكأنهم في قتال معهم, ومن المؤسف أن حادث التدافع نتج عنه وفيات بعض رجال الأمن وإصابة العديد منهم, لذا أعتقد أنه يجب السماح لرجال الأمن بالحزم مع المخالفين, فكما يقول المثل:"واحدة بواحدة والبادئ أظلم", وهؤلاء المخالفون هم ظالمون لأنفسهم فيجب أن يُمنعوا من ظلم غيرهم؛ وإذا كان من واجب المملكة تهيئة المشاعر المقدسة لاستقبال هذا العدد من الحجاج فإن من واجب البلاد الإسلامية الأخرى تهيئة مواطنيها للتعامل الحضاري مع غيرهم وتعليمهم معنى الحج وأنه ليس قشوراً وشكليات فقط بل جوهر ومضمون أيضاً.

الوطن السعودية 16/1/2006

 

   
 
 

     

حقوق الطبع محفوظة لموقع د. ليلى الأحدب © 2005 تصميم وتطوير موقع الثريا |