الصفحة الرئيسية
  
في النهوض والتغيير (إبحار ضد التيار) نحن والآخر.. أحلام النظرية ومعوِّقات التطبيق
 
 
 

وصلني من إدارة الإعلام في مركز الملك عبد العزيز للحوار الوطني رسالة تتضمن ما نتج عن اللقاء الوطني الخامس للحوار الفكري الذي كان بعنوان: "نحن والآخر.. رؤية وطنية للثقافات العالمية", يطلب مني مرسلها إلقاء الضوء على أهم النتائج؛ وأنا إذ تشرفني هذه الثقة الغالية ويسعدني تلبية هذه الرغبة المنطقية على أنه أقل ما يمكن تأديته كتحية شكرٍ للمركز والقائمين عليه وكاعترافٍ بجهودهم المبذولة, فإني أسمح لنفسي بعرض رؤيتي الخاصة وذلك للمساهمة في تجسير الهوة الكائنة بين الفكر المجرد والتطبيق الواقعي, لأن الأفكار النظرية يلّفها بعض الغموض كما أن التطبيق يحوطه كثير من العوائق, ودور المثقف لا يتوقف عند تهيئة العقول للتغلّب على معوِّقات التطور والتغيير, بل يكمن أيضاً في الكشف عن غموض النظرية ومثاليتها ليتمّ صبّها في قوالب أكثر واقعية؛ ومن هنا فإن ما أطرحه ليس حلولاً جاهزة بل قد يكون أغلبه تساؤلات مشروعة تبحث عن إجابات واقعية, علماً بأن المساحة المخصصة للمقالة لن تسمح لي إلا بتناول ما جاء تحت بند المنطلقات العامة – وهو الأهم برأيي لأنه حجر الأساس- الموضوعة بين قوسين والمتضمنة لما يلي:

منطلقات إنسانية:(1-وحدة الجنس البشري. 2-الكرامة الإنسانية. 3- القيم الخلقية. 4-جلب المصالح ودرء المفاسد. 5-التعارف والتواصل والتعاون على الحق ونفع البشرية).

إذا توقفنا عند هذه المنطلقات فلا بد أننا جميعاً نعترف بوحدة الجنس البشري للمؤمن والكافر وغيرهما, لكن العائق الموجود هنا هو أننا لسنا جميعاً نعتقد بالكرامة الإنسانية للكافر أو المخالف, بل إن بعض المتشددين يرى أن الكافر يجب أن يدعى إلى الإسلام فإن لم يستجب فليس له إلا القتل, ومنهم من يرى أن دعوة الكافر كانت في العهد النبوي المكي أما في العهد المدني وما بعده فليس هناك وسيلة للحوار مع الكافر إلا الجهاد القتالي, ومن المعلوم أن هذه الفكرة هي إحدى أهم أدبيات القاعدة ومن يعزّزونها فكراً بأساليب واضحة مكشوفة أحياناً وبأساليب مقنعة ومخفيّة أحياناً أخرى, فعلى من تقع مهمة تغيير هذه الأيديولوجيات التي لا تستلذ إلا بجزّ الأعناق وقطع الرؤوس وإراقة الدماء؟ كذلك فإن وضع القيم الخلقية ضمن المنطلقات الإنسانية يؤكد على أن هذه القيم  هي مشترك إنساني يمكن الوصول إليه باستعمال العقل الناضج والفطرة السليمة وقد دعت إليها الأديان السماوية وحضّت عليها, ومن هنا فلا يحقّ لنا أن نستعلي على غيرنا ونظن بأننا شعب الله المختار رغم أننا في الحقيقة شعب الله المحتار على رأي أحد رسامي الكاريكاتير, وهو الوصف المناسب للشعوب العربية عامة وليس للسعوديين فحسب وإن كانوا هم المعنيين أكثر من غيرهم بالتخلي عن هذه النظرة الفوقية تجاه الآخرين, وذلك بهدف تحسين صورة المجتمع المسلم وترغيب غير المسلمين بالإسلام, وهذا الفهم وحده هو الذي يساعد على التحقق بالمنطلق الإنساني الأخير المذكور وهو التعارف والتواصل مع الآخرين على اختلاف أجناسهم وأديانهم وطوائفهم ومذاهبهم.

منطلقات شرعية:وتتضمن (المعاني الإسلامية للتعامل مع الآخر بما فيها:1- الولاء وهو رابطة حب وتناصر نتبادلها مع المسلمين على اختلاف مذاهبهم وفقا للثوابت الشرعية في القرآن الكريم والسنة النبوية. 2- البراء وهو الابتعاد عما يتناقض مع الإسلام وعدم التعاون مع أهله عليه ولا يعني ذلك التعدي على حقوقهم أو عدم التعاون معهم في القضايا العادلة. 3- الجهاد وهو بذل الجهد في تحقيق الخير ودفع الشر علما بأن الأصل في علاقة المسلمين بغيرهم هي السلم وأما الحرب فهي حالة طارئة لرد العدوان. 4- الدعوة هي لزيادة تبصير المسلمين بدينهم ولبيان ما فيه من قيم إنسانية لغير المسلمين, 5-الجدال بالتي هي أحسن والتعاون على البر والتقوى لتحقيق المصالح الإنسانية من خلال منظمات أو اتفاقيات بين الدول والشعوب).

إذا تأملنا في هذه المنطلقات الشرعية نجد أنها كافية ووافية كمّاً لا كيفاً لأنها بحاجة إلى توضيح أكثر  لتساهم كأساس نظري لفهم جماعي موحّد؛ على سبيل المثال لا نجد إلى الآن تحديداً واضحاً لمفهوم الثوابت الشرعية رغم أنها بسهولة هي أركان الإيمان الستة وأركان الإسلام الخمسة إضافة إلى الأخلاق والقيم المستمدة من النصوص قطعية الثبوت قطعية الدلالة, وكشاهد على هذه الضبابية في تحديد ماهية الثوابت دعوة الشيخ سلمان العودة في برنامجه "الحياة كلمة" إلى إنقاص مساحة الثوابت, وبالطبع هو يقصد الثوابت المتعارف عليها فقهياً – خاصة في المملكة- وليس شرعياً, فكثير من الفقهاء يعتبر تحريم الموسيقى من الثوابت وكذلك تحريم خروج المرأة من بيتها أو إظهارها لوجهها وكفيّها وغير ذلك كثير؛ أما مفهوم البراء فهو لا يعني الابتعاد فقط بل هو الانفصال والفراق الذي لا عودة بعده لأي لقاء مع الآخر ما دام على موقفه الذي جعلنا نبرأ منه, وموقف الفصل والقطع غير ممكن وغير مقبول منطقياً وواقعياً إلا مع الآخر المحارب, وليس مع أي مخالف ولو كان كافراً, وهنا يتبين أن معنى البراء ملتبَس لدى كثيرين لذلك من الواجب أن نكون أكثر شجاعة ونعرِّفه بأنه البراء من الكافر المحارب فقط مما يعني عدم إمكانية وجود أي تعاون مع محارب إلا في فترات الهدنة والصلح؛ وهنا نصل إلى مفهوم الجهاد كما ورد أعلاه وأنه لدفع العدوان عن المسلمين, فنرى أن مفهوم الجهاد ليس واقعياً أيضاً فكثير من المسلمين يتعرضون للعدوان ولا نستطيع أن نردّه عنهم ليس بسبب أن دار الإسلام مقسّمة إلى دور إسلام فحسب, بل لأن بعض دور الإسلام هي معاقل لمحاربة الإسلام ومعتقلات للإسلاميين, بينما بعض دور الإسلام تحكمها اتفاقيات ومصالح تتعارض مع مصالح الدور الأخرى, ثم لنفرض أن إحدى دور الإسلام تعرّضت لعدوان – العراق مثالا - فهل الجهاد واجب على أهل البلد حتى لو لم يكن التمكين للمسلمين؟ ذكرت في بعض مقالاتي أمثلة على تعذر الجهاد مثل تصرف خالد بن الوليد في معركة مؤتة وكيف انسحب بالجيش عائداً إلى المدينة وكيف لقبه الناس بالفرّار أما الرسول عليه الصلاة والسلام فلقبه بالكرّار, وأمثلة أخرى كثيرة موثّقة بفتوى للعزّ بن عبد السلام رحمه الله وهو المعروف بمواقفه البطولية ضد الاستبداد الداخلي ومع ذلك فقد كان ضد مواجهة الغازي الخارجي إذا لم يكن المسلمون متأكدين من النّكال به وردعه وصدّه, فهل ما زال مفهوم الجهاد قائماً والأمة متفرقة وأهل كل بلد ليسوا على قلب رجل واحد – فلسطين مثالا- ومن السهولة بمكان لأعدائهم أن يستعملوا سياسة "فرق تسد" سواء كانت أدواتها الطائفية أو الحزبية أو العرقية أو غير ذلك؟ وهل ما زال الجهاد القتالي هو المفهوم الأول لكلمة الجهاد في زمن شوَّهت فيه العمليات الإرهابية وجهه المقدس؟ هل نقتنع أن الإصلاح أولوية قبل حمل السلاح؟

منطلقات وطنية: وهنا تتكرر بعض المعاني السابقة على أنها تأكيد لحالة المسلمين إذا انطبقت على السعوديين, وأتوقف عند الفقرة التي تصفهم بأنهم (يؤمنون بالتنوع الداخلي مذهبيا وفكريا وثقافيا واجتماعيا سنة إلهية كونية وأنه يمثل منطلقا في التعامل مع الآخر ولا يجوز استخدامه لخرق الوحدة الوطنية)؛ والحقيقة أن هذه الفقرة من أجمل الفقرات وأكثرها تعبيراً عما يجب أن يكون عليه حال السعوديين, إذ ليس من العقل الوقوف ضد سنة الله في التنوع والاختلاف, ولكن للأسف ما تزال فئة كبيرة ترى أن المختلف مذهبياً هو كافر والسيف حدّه, والمختلف فكرياً هو آبق وينبغي جلده, والمختلف اجتماعياً هو خارج عن السرب ويجب صيده, لذلك لا يسعني أن أقول عن هذه الفقرة إلا إنها حلم جميل, أرجو أن ينطبق عليها قول سومرست موم: (الحقائق تبدأ بالأحلام)..

كي تتحول هذه النظريات والأحلام إلى واقع وحقيقة لا بد من اشتراك المخلصين كلهم وتوحّدهم منطلقات وغايات ولو اختلفت الأساليب والأدوات, ومنهم السياسي بقراراته وقوانينه والمثقف برؤاه وتصوراته والتربوي بطرائقه ووسائله, وفي القمّة يأتي دور وزارة التربية والتعليم التي يقع على عاتقها أصعب مهمة وهي بناء عقول الجيل القادم بمناهج حديثة تفتح آفاقاً رحبة على العلوم المختلفة دون أن تلغي الاهتمام بالقيم الدينية الإنسانية كحب الحياة في سبيل الله وليس فقط الموت في سبيل الله ونشر ثقافة البناء لا الهدم؛ (ومطلب التغيير في المناهج التعليمية مطلب تقتضيه التجربة البشرية غير المعصومة تطلعاً للأمثل ونشداناً للكمال واستجابة لمقتضيات العصر المتغيرة, فليس يستنكر أن تراجع المناهج التعليمية الإسلامية أو تنقّح أو تعدّل بما يكفل لها حسن الأداء والتوزيع المناسب للمواد مع مراعاة المستوى العام للطلاب وواقع المجتمعات الإسلامية لأن الجمود على منهاج تعليمي واحد لفترة طويلة من الزمن دليل على قلة الاستفادة من التجارب وعلى قصور في إدراك أهميتها) وكل ما جاء بين قوسين ليس قولي ولا قول د. حمزة المزيني ولا غيرنا من "العلمانيين" – كما يلقّبنا الغلاة والمتشددون – بل هو كلام الأمين العام لرابطة العالم الإسلامي الدكتور عبد الله بن عبد المحسن التركي في افتتاح مؤتمر مكة السادس يوم الخميس الماضي؛ فجزاه الله خيراً هو ومن كان سبب كتابتي هذه المقالة على أمل قبول ما جاء فيها بأريحية وسعة صدر وهمة وعزيمة.

 الوطن السعودية 9/1/2006

 

   
 

     

حقوق الطبع محفوظة لموقع د. ليلى الأحدب © 2005 تصميم وتطوير موقع الثريا |