الصفحة الرئيسية
  
في النهوض والتغيير (إبحار ضد التيار) أولادنا أكبادنا.. من يربيهم؟ ومن يحميهم؟
 
 
 

نعم ، إن ما نجده اليوم من توحّش وقساوة وجرائم وانحرافات .. ما هي إلا نتائج تربويات سقيمة وانحرافات سايكلوجية خطيرة ومشروعات أيديولوجية لا تعرف إلا العنف  وخطايا اجتماعية لا تعرف إلا الجنوح والفساد .. لقد اختلطت المفاهيم وتوحّش المجتمع واغترب عن إنسانيته .. لقد وقفنا على أنواع من قتل الطفولة البريئة بكل وحشية وعهر ..

بهذه الكلمات الصادقة ابتدأ الدكتور سيار الجميل مقالة له حول أهمية رعاية الطفولة وضرورة الاهتمام بهذه المرحلة التأسيسية من حياة الإنسان؛ ويضرب المثل بما رآه من اهتمام العالم المتقدم بالطفولة الذي يدرك بأن لا مستقبل إلا من خلال بناء الطفولة وخصوصا للمرحلة الابتدائية وما قبلها، فيقول:(إن ما أجده على طرفي الباسيفيك بين كندا واليابان – مثلا - من مشروعات متطورة جدا للطفولة ، تجعلني أقول لنفسي: وأين الرعاية للطفولة العربية وانتشالها من واقعها؟).

لا ريب أن كل مهتم بالثقافة والتربية يتساءل عن هذا الواقع الذي نرى أطفالنا يعيشون فيه, فمن يحميهم من الإعلام الذي تغذيهم بعض قنواته بالسطحية وطلب المتعة وثقافة الاستهلاك بينما تنفخ قنواته الأخرى فيهم روح التشدد وحب الموت والتدمير وثقافة الانتحار؟ من يحميهم من مناهج هزيلة رغم ضخامتها ومعلمين غير تربويين رغم شهاداتهم التي يحملونها؟ من يحميهم من خطب المساجد التي استهلكت نفسها عبر التخويف من قيام الساعة والأعور الدجال والفتنة بالمرأة دون خلق مرادفات تُوازن الخوف بالأمل والرهبة بالمحبة وثقافة المشاركة بين الجنسين ضمن الأطر الشرعية والفطرة السليمة؟ من يحميهم من الشارع؟ بل من يحميهم من الأسرة؟!

لنستعرض أهم أخبار الطفولة في مجتمعنا الذي نتحمل كلنا عبء النهوض به علماً بأن هذه الأخبار ليست إلا غيضا من فيض:

تعرضت طفلة في السادسة من عمرها تدرس بالصف الأول الابتدائي لتعذيب جسدي وحشي بشع أثار ردود أفعال عنيفة في الأوساط التربوية ومجتمع الطائف؛ وبرزت القصة للعلن عندما حضرت الطالبة (رهف) إلى مدرستها والانهيار والانكسار باديان عليها من جراء التعذيب والضرب المبرح والحروق على كفيها ويديها........  تلى هذا الخبر خبر مماثل عن عدة طفلات تعرضن لضرب مبرح في الأسرة سواء على يد الأب أو زوجة الأب ليكون آخر أخبار العنف الأسري هذا الخبر الصادم: لقيت طفلة في الشهر الخامس من عمرها مصرعها مساء أول من أمس مخلفة آثارا مروعة من العنف الذي تنوع بين العض والضرب والوخز إضافة إلى كسور في عظام الصدر؛ وتحوم الشبهات حول والدة الطفلة المريضة نفسيا، التي أبلغت عن وفاتها مدعية أنها ذهبت لتأدية الصلاة بعد أن وضعت ابنتها على السرير قبل أن تعود لتجد الطفلة قد سقطت منه وفارقت الحياة.. ونفى تقرير المعاينة المبدئية لجثمان الطفلة أي احتمال لتعرضها لكل تلك الكدمات جراء سقوطها من السرير، إذ إن عظام الصدر لدى الأطفال تتميز بالمرونة التي تحميها من الانكسار في حال سقوطهم، الأمر الذي لا يتوقع معه وفاة الطفلة جراء سقوطها..

أما العنف الموجه من الأطفال لبعضهم بعضا فإن أخباره كذلك مثيرة للعجب والحيرة والتساؤل, فهذا طفل مصري بعمر 13 سنة يقتل ابنة الجيران بعمر 5 سنوات لأنها تصر دائما على إزعاجه أثناء اللعب, وقد مضى على هذه الجريمة عام كامل تقريبا والطفل ينتظر حكم القصاص الذي أدانته المنظمات الحقوقية؛ ومثله طفل سعودي في نفس العمر قتل صديقه أثناء مشاجرة بينهما؛ وتتمة أخبار العنف المسلط من المجتمع على الأطفال هو الخبر الذي نشرته الوطن يوم الخميس الماضي عن تعرض طفل بعمر 13 سنة للخطف في مدينة الرياض من قبل شابين بعمر 24 و25 سنة قاما بفعل فاحشة اللواط معه قسرا وإعادته إلى منزله بعد ذلك حيث استطاع أن يخبر والده الذي أعلم الشرطة والتي قامت بدورها بسرعة فتوصلت إلى الجانيين اللذين تعرف عليهما الطفل, وهذا الخبر مع الأخبار السابقة يفجّر تساؤلا حول قيمة تضخم المناهج التعليمية الدينية بالفقه والتوحيد بينما تفتقر إلى الينابيع الأخلاقية, وهو السؤال نفسه الذي يطرح عن أهمية منابر المساجد وخطب الجمعة المحملة بأسلوب الوعظ والتحذير والتخدير والتي باتت لا تروي عطش الشباب ولا تساهم في إلقاء الضوء على مشكلاته ناهيك عن محاولة إيجاد حلول لها, وبالطبع فإن تساؤلات كهذه ستثير سخط السلبيين والنائمين الذين سيبدؤون بالدفاع عن المجتمع المثالي الملائكي النائم الحالم, وهو ما نريده لعل كلمة تكون بمثابة حجر يحرك المياه الراكدة في مستنقعات التربية الآسنة, لأن هذه الأخبار مرفوضة فعلا في بلد لا يشبه البلاد الأخرى من حيث اهتمامه بالدين ومن حيث وجود خمسة وخمسين ألف مسجد فيه ومن حيث وجود قنوات إعلامية تصدر فيه معتزة بتوشحها بالدين وهو الأمر الممنوع في البلاد العربية الأخرى - ودليل ذلك أن قناة المجد أرادت أن تبث باللغة الانكليزية من بلد مثل مصر حيث أن التكلفة الإعلامية أقل مما هي عليه في المملكة فلم تجد من يرحب بها هناك - لذلك فإن الخلل ليس على صعيد الكم الذي يقدَّم فحسب ولكنه أيضا على صعيد الكيف, ولا ننس العنف التربوي في المدارس على سبيل المثال ذلك الفيلم الذي انتشر وهو يصور معلما يضرب تلميذا بشريط معدني, والعجب بعد ذلك أن نسمع تبرير أحد الأكاديميين لجوء بعض المدرسين إلى الضرب كوسيلة تعليمية وتربوية مع بعض الطلبة، بعد استنفاد كل الطرق والأساليب في حل المشكلة، ولذا يجب تذكيره بهدي الرسول عليه الصلاة والسلام الذي لم يضرب بيده امرأة ولا خادما ولا شيئا إلا أن يكون جهادا في سبيل الله, ومن هنا فإن دعوة هذا الأكاديمي ينبغي ألا تلقى صدى القبول, فالضرب أسلوب تربوي فاشل في هذا العصر خاصة في المدارس, ويجب أن تمنع أي إهانة للطفل سواء بالكلام أو التصرفات لأننا نريد جيلا يحترم نفسه ويقدّر ذاته ويقبل الآخرين ويسامحهم, وإذا كان لا بد من الضرب فيجب أن يكون في البيت فقط ولأشد الأسباب ضراوة إذ إن قبله أساليب تربوية كثيرة مثل الكلام والحوار والحبس في الغرفة لبضع ساعات والهجر لعدة أيام لا تتجاوز الثلاثة أيام, وكل ذلك حسب العمر والوعي والقدرة النفسية للناشئ والخطأ الذي ارتكبه, والقاعدة الأساسية التربوية التي يجب أن تكون نبراسا لنا في تعاملنا مع أطفالنا أن أهم ما نمنحه لهم بعد الإيمان بالله هو الثقة بالنفس.

في حوار الدكتور صالح بن حميد رئيس مجلس الشورى لصحيفة الوطن ذكر أمورا هامة منها أن كل ما كان صلاحه أكيدا ولا يتنافى مع ثابت شرعي فلا مانع من الأخذ به, وبرأيي فإن أهم ما ثبت صلاحه هو الاهتمام بالطفولة خاصة أن في سيرة المصطفى عليه الصلاة والسلام ما يكاد يكون سبقا تربويا حضاريا, من أمثلة ذلك ما رواه أنس رضي الله عنه فقال: كَانَ النَّبِي عليه الصلاة والسلام أَحْسَنَ النَّاسِ خُلُقاً وَكَانَ لِي أَخٌ يُقَالُ لَهُ أَبُو عُمَيْرٍ أَحْسِبُهُ فَطِيماً وَكَانَ إِذَا جَاءَ قَالَ: يَا أَبَا عُمَيْرٍ مَا فَعَلَ النُّغَيْرُ؟ وصنف البخاري بابا في كتاب الأدب سماه: باب رحمة الولد وتقبيله ومعانقته؛ ومن الأحاديث الأخرى حمله لأمامة بنت زينب في الصلاة وإعطاؤه الفرصة للحسن أو الحسين ليعتليا ظهره وهو ساجد يصلي بالناس, وتركه المنبر ليحملهما وهم يتعثران في ثوب أحمر, ومجه الماء في وجه أحد أبناء الصحابة كمداعبة منه عليه الصلاة والسلام, وإعطاؤه الثمر لأصغر القوم, وتركه صبية صغيرة تلعب بخاتم النبوة, وإهداؤه إياها للخميصة السوداء وكلامه معها بلهجتها التي اكتسبتها  عندما كانت في الحبشة, وتشجيعه صويحبات عائشة للدخول واللعب معها, وعنها رضي الله عنها قالت:(رأيتُ النبي عليه الصلاة والسلام يَستُرُني بردائه، وأنا أنظرُ إلى الحَبَشةِ يَلعبون في المسجد، حتىٰ أكونَ أنا التي أسأَمُ. فاقدُروا قدْرَ الجارية الحديثةِ السِّنّ، الحريصةِ على اللهو)؛ وأمره للحسن أو الحسين برمي التمرة من فمه وقوله له:(كخ.. كخ.. أما علمت أنا لا نأكل الصدقة) فها هو يأمره ويبرر له أوامره ليعتقد بهذه القيم منذ الطفولة فتساهم في تشكيل شخصيته دون أن تكون عبئا عليه.

وأختم هذه المقالة بفقرة من مقالة الدكتور الجميل لأهميتها:(لابد من إعادة التفكير في معالجات جذرية في بناء مناهج جديدة، وتشكيل جمعيات مختصة وترسيخ الوعي الحضاري واعتبار الدين الإسلامي دين محبة وسلام وتسامح وحضارة وأخوة والعناية بالحياة الدنيا وجماليات الخالق الأعظم من خلال العمل والعلم وانفتاح على العالمين بعيدا عن جعل الدين مشروعا للقتل والذبح وزرع الكراهية والاحقاد .. لابد من تأسيس منظمات اجتماعية لرعاية الطفولة والأمومة والشباب وأن تبدأ حكوماتنا العربية قاطبة على إعادة التفكير والتخطيط في تحديث كل أساليب التربية وفسح المجال لتصحيح الأخطاء وتشريع جملة من القوانين الخاصة لرعاية الطفولة وتنقية الإعلاميات العربية من كل الشوائب وفسح المجال أمام منظمات المجتمع المدني العربي لتأخذ دورها ناهيكم عن جعل التجارب الإيجابية العربية مثلا للتطوير).

الوطن السعودية 19/12/2005

 

   
 

     

حقوق الطبع محفوظة لموقع د. ليلى الأحدب © 2005 تصميم وتطوير موقع الثريا |