لأول مرة في عمري الذي لا يقلّ كثيراً عن عمر
الشيخ عائض
القرني, يؤثّر بي شيء من إنتاجه الفكري, ولا أقول
هذا انتقاصاً من قيمة عائض القرني
بل أعزو السبب إلى تكويني النفسي وتنشئتي وتجاربي
في الحياة التي جعلتني لا أتأثر
إلا بما يصدر عن معاناة حقيقية للشخص بغضّ النظر
عن دينه ومعتقده ومكانته وعلمه
وفلسفته في الحياة؛ ويبدو لي أن قصيدة "القرار
الأخير" التي أبدعها عائض تنضح
بالمعاناة وتفوح بالصدق, وليسمح لي بالتخلي عن
اللقب عند ذكري لاسمه لأني أودّ أن
يكون كلامي أيضاً صادراً من القلب بدون مجاملات أو
تحسينات لفظية لعلّه يقع موقعه
في قلب الشيخ الذي أتمنى -كما تمنى الأستاذ جمال
خاشقجي في مقالته الأخيرة- أن
يتحوّل - وبشكل ثابت - إلى خط الاعتدال وأن يكون
له قصب السبق في هذه السُّنة
الحميدة فيكون له أجره وأجر من اتبعه, خاصة أن
هيمنة المعتدلين برؤيتهم الإيجابية
والمتوازنة بين الدنيا والدين تجعل المتشددين
ينسحبون من المعركة في نهاية
المطاف.
ومن أجل بعض القراء الذين لم يقدّر لهم الاطلاع
على رائعة عائض أذكر
أنها تتألف من أكثر من سبعين بيتاً من الشعر تبدأ
بالحنين إلى مسقط الرأس ومربع
الطفولة, ثم مقارنة بين (بلقرن) وبين البلاد
الأخرى بما فيها أجمل مدن العالم فتحوز
المعشوقة على كل الإعجاب, لأنها كانت خلواً من كل
مظاهر الحضارة الصاخبة بينما هي
ممتلئة بالأصحاب ذوي القلوب الصافية كالزلال, أما
اليوم فإن الشاعر يفتقد هذه
القلوب الصادقة الصديقة والتي تبدّلت أو تبدّل
أصحابها, حتى إنه هو نفسه تبدّل
ودليل ذلك قوله:(واليومَ أموالُنا باتتْ تؤرِّقُنا
هماً وأولادُنا بالغمِّ تؤذينا),
ولكن أكثر ما يؤرقه هو عدم رضا أحد عنه فالغالبية
تدخل في نواياه فوراً لتحكم عليه
(وإن
همسنا بحبٍّ في مجالِسنا قالوا: يدبِّر أعمالاً
لتردينا/ وإن لبسنا بشوتاً
عرَّضوا سفهاً بأننا نزدهي فيها مرائينا/ وإن
تقشَّف منا صادقٌ ورِعٌ قالوا:
يخادِعُنا عمْداً ويغوينا/ إذا صمتنا أقضَّ الصمتُ
مضجعَهم وإن نطقنا شربنا كأسَنا
طينا) أما سبب معاناته الأكيدة فهو ممن كانوا بحكم
المربّين والناصحين له وباتوا
اليوم لا يعجبهم شيء من أمره رغم أنه كان حريصاً
على تنفيذ نصائحهم ووصاياهم:(إذا
أجبْنا على الجوالِ أمطَرَنا بالسبِّ مَنْ كان
نغليه ويغلينا/ وإن أبينا أتتنا من
رسائله مثل السعيرِ على الرمضاء تشوينا/ تفرّدوا
بخطايانا وأشغلَهُم عن ذكرِ
سُوئِهُمُ المُرْدي مساوينا/ ويفرحون إذا زل
النعال بنا ويهزؤون بمن يروي معالينا/
ولا يرون سوى أغلاطِنا أبداً فنقدُهُمْ صارَ في
أهوائهم دينا/ وشتْمُهُمْ هو محضُ
النصحِ عندهمُ وردُّنا هو زورٌ من مغاوينا/
لحومُهُم عندنا مسمومةٌ أبدًا ولحمُنا
صارَ تحت النقدِ سردينا) ورغم أنه يذكر عدم رضا
الحداثيين والسياسيين عنه في بيت
واحد لكل فئة لكنه يعود إلى الأصدقاء الذين
تحوّلوا إلى أعداء فيقول:(شكراً لكم
أيها الأعداءُ فابتهجوا صارت عداوتُكُم تينًا
وزيتونا/ علَّمتمونا طِلابَ المجدِ
فانطلقتْ بنا المطامحُ تهدينا وتُعلينا), وعندما
سئل عائض في مقابلة مع صحيفة الشرق
الأوسط عمن يقصد بالأعداء قال بكل صراحة: عدوك
صاحب مهنتك!
هذا كلام صادق وحقيقي
فالتنافس يكون على أشده بين أصحاب المهنة الواحدة,
وكثيرون من أبناء المهنة الواحدة
يمقتون الإنسان الناجح في مهنته فلا يجدون طريقةً
للدفاع عن وجودهم إلا بتسفيه
نجاحه والانتقاص من قيمة إنتاجه, ناسين أن رغيف
الخبز يكفي اثنين وأن الله قسّم
للناس أرزاقهم وأن لكل مجتهد نصيبا وأن القمّة تسع
فريقاً من المبدعين؛ لكن السؤال
الإشكالي هنا: متى كانت الدعوة إلى الله مهنة؟ هذه
العبارة التي نطق بها عائض تكاد
تكون أثقل في ميزان الإبداع والصدق من القصيدة
نفسها, فلقد وضع يده على مقتل الدعوة
إلى الله - ربما دون قصد منه - وهو عندما تتحوّل
إلى مهنة فتصبح صعيداً للتنافس,
ولو كان تنافساً شريفاً بشرف الغاية لما كان حال
المسلمين على ما هم عليه, لكن
عندما لا يرى الداعية إلى الله إلا نفسه
قائلا:(أنا خير منه), فإن الغرور هو أول
الطريق للسقوط, وهذا أول درس تعلّمه آدم من خطأ
إبليس, فتاب إلى ربه في حين نزّه
إبليس نفسه عن الذنب فعزاه إلى رب العالمين
فقال:(بما أغويتن).
ما الذي يحمي
الداعية إذن من حظوظ النفس والمباهاة بالعمل
والعُجب والكِبر الداخلي؟ إنه العزلة
عن الناس, وليس الاعتزال النهائي كما قد يُفهم من
قصيدة عائض, فبدون هذه العزلة لا
يمكن لقوى التجبّر والطغيان في النفس البشرية أن
تتصاغر لتصبح كالحشرة المتحوّلة
إلى جزء صغير ضمن الحجر الكريم الشفاف, والذي أصله
سائل تصلّب تحت ضغط بيئي معين
فتحوّل إلى جوهرة تحصر بين طبقاتها حشرة ميتة
لكنها لا تقلّل من قيمة الحجر الكريم
بل هي الدلالة الأعمق على صفائه وقِدمه وأصالته,
وعلى إبهاره للناس.
يذكّرني
عائض بأحد شخصين: أحدهما ينتسب إلى نفس قبيلة عائض
ألا وهو أويس القرني رضي الله
عنه, وله قصة مذكورة في الحديث الصحيح عن عمر بن
الخطاب رضي الله عنه عن النبي عليه
الصلاة والسلام:(( يَأْتِي عَلَيْكُمْ أُوَيْسُ
بْنُ عَامِرٍ مَعَ أَمْدَادِ أَهْلِ
الْيَمَنِ مِنْ مُرَادٍ، ثُمَّ مِنْ قَرَنٍ. كَانَ
بِهِ بَرَصٌ فَبَرِأَ مِنْهُ
إِلاَّ مَوْضِعَ دِرْهَمٍ, لَهُ وَالِدَةٌ هُوَ
بِهَا بَرٌّ, لَوْ أَقْسَمَ عَلَى
اللّهِ لأَبَرَّهُ, فَإِنِ اسْتَطَعْتَ أَنْ
يَسْتَغْفِرَ لَكَ فَافْعَلْ) فهو خير
التابعين كما في حديث آخر, لكنه كان حريصاً على
الاختفاء والبعد عن الناس فعندما
عرض عليه عمر أن يوصي به عامل الكوفة حيث يقصد
أويس رفض قائلاً:(أكون في غبراء
الناس أحب إلي) وعندما فطن الناس لكرامته وأن الله
لا يردّ له دعاءً ولا استغفاراً
لأحد انطلق على وجهه وآثر أن يكون من الأتقياء
الأخفياء؛ لكن إن كان أويس قد فضّل
العزلة الدائمة فهو ما لم يفعله أبو حامد الغزالي
الذي اشتهر بعلمه ودروسه وقدرته
على الصد والرد على كل خصومه, ولكنه عندما بلغ
الثامنة والثلاثين من العمر شعر
بنوبة من الاكتئاب لم يخرجه منها إلا بعده عن
الناس حيث اعتزل في مئذنة الجامع
الأموي بدمشق دون أن يعرفه أحد, واختفى تسع سنوات
من الحياة العامة ولما عاد كان
أنقى وأصفى وأرقّ جوهراً وأشدّ تأثيراً وأكثر
إبداعاً, ويحكى أن محيي الدين بن عربي
لاقاه ذات مرة في عزلته وهو في البريّة ويحمل بيده
ركوة لا يملك غيرها فسأله عن
حاله ولم ترك التدريس والتعليم والشهرة والجاه
فقال:(تركت هوى ليلى وسعدى بمنزل..
وعدت إلى محبوب أول منزل/ ونادت بي الأشواق مهلا
فهذه.. منازل من تهوى رويدك فانزل/
نقل فؤادك حيث شئت من الهوى.. ما الحب إلا للحبيب
الأول) وعندما عاد الغزالي إلى
ربه حق العودة منحه العلم اللدني الذي ذُكر في
القرآن عند وصف الخضر عليه
السلام:(وعلّمناه من لدنا علما), ومن ثم عاد إلى
حيث كان يدرّس ليكون عَلَماً من
أعلام الفكر الإسلامي وقد كتب تجربته في كتابه
الرائع(
المنقذ من الضلال).
نحن
نحتاج في هذا العصر إلى العالم العامل المخلص,
وأعتقد أن ما زاد في حسد حساد عائض
اتصافه بميزات ضرورية للداعية العصري وهي العلم
الشرعي والأسلوب السهل وسرعة
البداهة وحضور النكتة, لكن مشكلة عائض هي في تسرعه
أحياناً بالحكم على أمر ثم تسرعه
بالتراجع عنه, وقد انتقدته شخصياً في مقالتين لي
سواء بالنسبة لرأيه في قيادة
المرأة للسيارة وأنه لا يوجد مانع شرعي ثم تراجعه
في اليوم التالي, وكذلك بالنسبة
لعودته عما صرّح به في فيلم المخرجة هيفاء المنصور
من أن وجه المرأة ليس عورة وعلّل
تراجعه وقتها بالضغوط التي تعرّض لها ليغيّر
أقواله, وفي قصيدته هذه يعبر عن ذلك
فيقول:(قلنا لهم هذه الأشياءُ حلَّلَها أبو حنيفة
بل سُقنا البراهينا/ قالوا: خرقتَ
لنا الإجماعَ في شُبَهٍ مِن رأيِك الفجِّ
بالنكراءِ تأتينا), وكل هذا يبين لنا أن
مشكلة عائض هي في مسايرته للآراء المتشددة, بينما
هو رجل يحب الاعتدال ويميل إلى
تحبيب الناس بالدين عن طريق التيسير لا التعسير
والتبشير لا التنفير, وهذه هي سنة
المصطفى عليه الصلاة والسلام فلم لا نساند شيخنا
الكريم؟
يا شيخنا الفاضل: باسمي
واسم كثيرين من محبي هذا الدين العظيم, نأمل أنك
ستأخذ وقتك وتعتزل الناس لكن ليس
تسع سنوات, فما ذهب من العمر أقلّ مما بقي, والأمر
أعجل من هذا, كما قال الصادق
المصدوق, فلتكن عزلتك تسعة شهور على الأكثر,
كالحمل سيدي, فيه معاناة من البداية
للنهاية, وَحْم وإقياء ونفور من أقرب الناس, وقد
يصاحبه نزف وألم ووهن, وأخيراً
تأتي مرحلة المخاض ليولد الطفل بهيجاً سالماً
معافىً بإذن الله.
راجع أفكارك
الماضية كلها وبدّل منها ما تراه لم يعد مناسباً
لحاضرنا واستعن بالله ليرزقك
البصيرة لتستشرف الأفضل لمستقبل المملكة والمسلمين
والبشرية كلها, وتذكّر يا شيخنا
الفاضل قول الشهيد المطهري:(ربّ كتاب متناسب مع
عصر من العصور ومنسجم مع مستواه
الفكري كان وسيلة في حينه لهداية الناس ثم أضحى في
وقت لاحق سببا لضلالهم)؛ ومن أشد
الكتب ضلالة هي الكتب التي تفرّق المسلمين شيعاً
وطوائف, ولقد رأينا الملك عبد الله
بن عبد العزيز ممسكاً بيد الرئيس الإيراني, ليكون
ذلك دلالةً على ضرورة الوحدة
والتآلف بين المسلمين؛ وليس للأمة حافز على تجاوز
الخطوب والمدلهمات مثل الرؤساء
المحنّكين والفقهاء المستنيرين.
الوطن السعودية 12/12/2005