الصفحة الرئيسية
  
في النهوض والتغيير (إبحار ضد التيار) لماذا الهجوم على الإسلام ورسوله؟
 
 
 

منذ عدة أيام وصلتني على هاتفي المحمول رسالة قصيرة مجهولة المصدر تحوي عبارة (قاطعوا المنتجات الدنماركية), والسبب - على ما أعتقد - هو قيام صحيفة دنماركية بنشر 12 رسما كاريكاتوريا يهزأ بالنبي محمد عليه الصلاة والسلام, وقد أوردت أول البارحة صحيفة الوطن خبرا مفاده أن رئيس الوزراء الدنماركي اندرز فوغ راسموسن أدان التهديدات التي صدرت في باكستان ضد واضعي الرسوم الكاريكاتورية عن النبي محمد صلى الله عليه وسلم واصفا - التهديدات- بأنها مثيرة للقلق وغير مقبولة, ونقلت "الوطن" أنه شدد على "حق كل شخص في التعبير عن رأيه بحرية في الإطار الذي يحدده القانون، من دون أن يخشى التعرض لعمل إرهابي" وأشار إلى أن أجهزة الاستخبارات في الشرطة الدنماركية تجري تقييما لهذه التهديدات؛ وكانت صحيفة باكستانية في 15 نوفمبر قد نشرت هذه التهديدات نقلا عن مسؤول في قسم الشباب في حزب الجماعة الإسلامية عرض خلال تظاهرة عامة مكافأة بقيمة500000 روبية (7150 يورو) لكل من يقتل أحد هؤلاء الرسامين, نفت الجماعة الإسلامية بشدة وجود مثل هذه التهديدات, وقال المتحدث باسم الحزب:(لأمر لا معنى له بتاتا ولا أساس له فنحن لا نؤمن بالعنف ولا نتبع هذا النوع من السياسة، لأننا في بلد ديموقراطي).

سواء كانت هذه التهديدات صحيحة أو نفيها هو الصحيح فإن هذا الخبر يذكرنا بمصير المخرج الهولندي حفيد الرسام العالمي فان جوخ الذي أخرج فيلما أساء إلى الإسلام والمسلمين وقد ذُكر وقتها أن كاتبة السيناريو هي نائبة البرلمان الهولندي صومالية الأصل التي تحقد على الإسلام نتيجة نظرتها إليه على أنه دين يميز بين الرجل والمرأة, وبالطبع فإن هذه الرؤية تكونت لديها نتيجة ممارسات متخلفة يقوم بها المسلمون في بلدها الأصلي وغيره من البلاد الإسلامية أو نتيجة أفكار خاطئة ينشرها بعض من ينسبون أنفسهم إلى العلم الديني وتهيئ لتلك الممارسات, وقد تكون رؤيتها أيضا ناجمة عن خلفية نفسية خاصة موجودة لديها, وقد علمنا أنها لا تزال مختبئة إلى الآن خشية أن يكون مصيرها مصير المخرج الذي استدرجته لإخراج فيلم تعيس كذلك الفيلم؛ وهذا الخبر من هولندا وذلك الخبر من الدنمارك يثيران لدينا بعض التساؤلات حول الحرية الغربية, لأننا نخشى أنها إذا استمرت بهذا الشكل الأخرق فإنها ستزيد من ردود الفعل الحمقاء, وبذلك نعود دائما إلى المربع الأول: من المسؤول عن الفعل العنيف؟ هل هو الذي تفوّه- أو رسم أو أخرج ...إلخ- بما يعتبر إهانة لمقدسات المسلمين وهو ما يُعدّ عنفا فكريا ضدهم؟ أم إنه الذي قام بقتل صاحب الرؤية الحاقدة على الإسلام وهو ما يُعتبر عنفا جسديا؟ فقد تساءلنا وتساءل كثيرون: من المسؤول عن قتل المخرج: هل هو النائبة الصومالية التي حقدت على الإسلام أم المخرج الغربي الذي استهوته فكرة التهجم على الإسلام أم القاتل المغربي الذي أراد - من وجهة نظره الخاصة- الدفاع عن الإسلام؟

لا شك أننا ندين العنف الجسدي كما أدانه رئيس الوزراء الدنماركي, لكننا أيضا ندين العنف اللفظي أو العنف الفكري أو العنف الثقافي أيا كان شكله, فنحن مثلا عندما نحارب الإرهاب, لا ندين فقط الإرهابيين القتلة, ولكننا دائما ندين المؤدلجين لهم, أي الإرهابيين الفكريين, ودافعنا هو الحفر عن جذور الإرهاب وكشفها؛ وقياسا على ذلك وكما يقول المثل: (من ساواك بنفسه فما ظلمك) لا بد أن ندين هؤلاء الرسامين الذين لم يجدوا شيئا لإضحاك الناس في بلادهم سوى شخصية رسول الله عليه الصلاة والسلام متجاهلين ما لهذه الشخصية من قداسة في نفوس المسلمين, وهم بذلك يساهمون بشكل غير مباشر في إذكاء نار الإرهاب الجسدي المرتدة عليهم نتيجة إرهابهم اللفظي أو الفني؛ فأي مسلم مسالم إلى أبعد الحدود وكارهٍ للإرهاب والعنف لا يمكنه أن يحتمل شخصا يسيء إلى أحب خلق الله إليه ألا وهو رسول الله صلى الله عليه وسلم, بحجة أنه حر, دون أن يؤدي عدم الاحتمال هذا إلى الكراهية لحد القتل عند الجميع بالطبع, لكننا نحن المسلمين جميعا نعلم أنه لا يكمل إيماننا ما لم يكن الله ورسوله أحب إلينا من أنفسنا وأولادنا والناس أجمعين, فهل يعلم رئيس الوزراء الدنماركي أي مستنقع تخوضه الحرية الغربية المزعومة عندما يتم التهجم على شخص رسول الله صلى الله عليه وسلم؟

هذه مشكلة الحرية المطروحة من قبل الغرب إنه يحق لك أن تقول ما تشاء, فالسؤال الذي يطرحه أي عاقل دون أن يكون مراده الدفاع عمن هدد بقتل الرسامين: إذا كان يحق لك أن تقول ما تشاء, فلم لا يحق لك أن تفعل ما تشاء؟ بالطبع فإن الحرية الغربية تسمح لك أيضا أن تفعل ما تشاء فتشرب الخمر كما تشاء وتزني كما تشاء لكن لا يحق لك أن تقتل كما تشاء, فهم يظنون أن شرب الخمر حرية فردية, والزنى كذلك, ولكنك بالقتل تتعدى على حق الحياة لشخص آخر, هكذا فقط يرون الأمور من منظار هواهم الفردي دون أن يكون منظار العقل, فما دمت تشرب الخمر دون أن يؤثر على عملك وأسرتك وما دمت تزني دون أن يكون اغتصابا, فلا بأس بما تفعله, ولكنهم ينسون أن الإنسان ككائن بشري ليس خاضعا لقيم الرياضيات بأن الواحد من الناس لا يشبه الواحد الآخر من الناس, لأن الناس ليسوا أعدادا لا تشعر ولا تقوم بالفعل ولا برد الفعل, بل هناك من يشرب كأس خمر فيسكر ويغيب عن الوعي كليا أو جزئيا وهناك من يشرب لترا أو لترين أو أكثر دون أن يتأثر, وهناك من يستطيع منع نفسه من شرب الخمر متى شاء, وهناك من تهيئه نفسه للإدمان بمجرد شرب كأس كل ليلة لمدة أسبوع, وهكذا أيضا بالنسبة لمن يريد أن يشبع رغباته الجنسية بالممارسة خارج الزواج, ولسنا هنا في معرض ما سببته كل هذه الحريات في المجتمعات الغربية من تفسخ عائلي وانحدار بشري, ويكفي برأيي إباحة الشذوذ الجنسي لنستدل على مدى الانحدار الذي تقود إليه الحرية الفردية, فالحيوانات لا تقبل مستوى كهذا المستوى من الانحطاط.

هذه الحرية الفردية التي تطغى على مصلحة المجتمع نفسه هي إشكالية رهيبة للحرية, ولذلك يحاول الغرب المتقدم أن يسن لها قوانين تحد من آثارها الضارة, خاصة في موضوع الأقليات ومعتنقي الديانات الأخرى غير الديانة السائدة, ولا شك أن المسلمين وإن كانوا أقلية في الدنمارك لكنهم يشكلون أكثر من سدس البشر حاليا, كما أن المحبين لرسول الله عليه الصلاة والسلام كثيرون وهم يرفضون حرية كهذه الحرية التي يبررها رئيس الوزراء الدنماركي, وإن كانت ردود فعلهم تجاه هذه الإساءة تختلف من مسلم لآخر, فأنا ربما أشعر بمجرد سخط على هؤلاء الرسامين لكن غيري قد يحقد عليهم ويوصل هذا الحقد إلى غيره الذي يكون لديه القدرة على القتل, وقد يؤدلج شخص آخر لشخص آخر أن ينحرهم وينتحر على أن ذلك كله في سبيل الله؛ لذلك فمن الواجب التذكير بأبسط قواعد الحرية وهي أنها تنتهي عندما تبدأ حرية الآخرين, وإذا كانت الدول الغربية علمانية حقا, بمعنى أن الدين لا دخل له في المجتمع ولا السياسة وأن من حق كل فرد أن يتبع الدين الذي يرغب به, فإن القانون الذي يتكلم عنه رئيس الوزراء إذا لم يقم على احترام جميع الديانات والمذاهب والمعتقدات, فإنه قانون فاشل, ويؤدي إلى منع التعايش بين الثقافات ويؤجج صراع الحضارات, فهل يريد رئيس الوزراء أن يرى هذه النتائج؟

هنا علينا أن نذكر شيئا عن الناحية الحضارية في دين الإسلام والتي لا شك تخفى على رئيس الوزراء الدنماركي وأمثاله, بأن ديننا يعلمنا احترام مقدسات الآخرين حتى لو كانت أوثانا وأصناما, ففي الآية الكريمة: (ولا تسبوا الذين يدعون من دون الله فيسبوا الله عدوا بغير علم, كذلك زينا لكل أمة عملهم ثم إلى ربهم مرجعهم فينبئهم بما كانوا يعملون) فهذه الآية تجعلنا نحترم كل عقائد الآخرين فلا نشن حربا كلامية عليهم ولا على مقدساتهم؛ ومع ذلك فالمشكلة أوسع بكثير من مجرد رسم كاريكاتوري أو إخراج فيلم أو كتابة مقالة لأننا كمثقفين تجمعنا الإنسانية وندين جميعا للبشرية بالأخوة سواء كنا مسلمين أم غير مسلمين كما قال علي رضي الله عنه لأحد عماله: (الناس أحد اثنين: إما أخ لك في الإسلام أو نظير لك في الخلق), من واجبنا أن نفعل شيئا لرشدها وليس لتغييب وعيها, وللأسف فإن هذه الحرب الكلامية موجودة على الطرفين, وإلى الآن يوجد بيننا من يرفض تسمية "الآخر" لغير المسلم, ويوجب استبدالها بكلمة الكافر, مع أن كل آخر يرانا نحن كافرين, فالمسيحي يرى أن المسلم كافر واليهودي يرى أن غير اليهودي كافر, ولكن لا يمكن أن يتم التعايش بينهم إذا كان كل منهم سينادي الآخر بهذا اللفظ (كافر), وبالطبع لا يعني هذا وحدة الأديان كما قد يرغب بعض المتشددين أن يفهم, فلا مانع أن نعلّم أولادنا في سن مناسبة الفرق بين الأديان بل من الواجب أن نحصنهم ضد ما نراه نحن كفرا, لكن تعليمنا هذا يجب ألا يشمل أي سخرية بالديانات الأخرى أو تحريض ضد معتنقيها, لأن من سنة الله في أرضه اختلاف الناس ألوانا وأجناسا وديانات, ومن الحماقة مخالفة أي سنة من سنن الله, ولا ريب أن التهجم على معتقدات الآخرين والاستهزاء بمقدساتهم حماقة أكيدة.

الوطن السعودية 5/12/2005

 

   
 

     

حقوق الطبع محفوظة لموقع د. ليلى الأحدب © 2005 تصميم وتطوير موقع الثريا |