|
في خبر قديم حول حجم الإنفاق على الشاي في المملكة العربية السعودية زاد الرقم عن
مليار ونصف ريال سنويا, فإذا قدّرنا أن ما ينفق على القهوة هو رقم مماثل وأضفنا
إليه ما ينفق على المشروبات الساخنة الأخرى والمرطبات المختلفة من بيبسي وكولا وما
شابه, ربما لبلغ الرقم خمسة مليارات ريال أو زاد؛ وقد يصبح الرقم غير ذي أهمية إذا
قسمناه على عدد السكان من مواطنين ومقيمين, لكن إذا تذكّرنا أن هذا المبلغ يُنفق
على مشروبات ضررها أكبر من نفعها, وأن خمسة مليارات ريال تكفي لإطعام مليار فقير في
يوم واحد أو لإطعام ثلاثة ملايين فقير لمدة عام هجري كامل؛ لاقتصدنا في هذه
المصروفات التي لا مبرر لها والتي سيسألنا الله عنها.
هذا الرقم أعاد إلى ذاكرتي إحصائية جرت في تركيا وتبين
أن حجم ما يرمى في القمامة من الخبز سنوياً يكاد يصل
إلى رقم مماثل, لكن العادات الاجتماعية السيئة
كالإسراف والتبذير ليست موضوعنا اليوم, بل هو العادات
الصحية السيئة وآثارها على الفرد والمجتمع؛ فالشاي
والقهوة هما مشروبان منشّطان ولا ضرر منهما إذا ما
توخّى الفرد الاعتدال بحيث لا تزيد نسبة شرب الشاي أو
القهوة عن ثلاثة فناجين من الحجم المتوسط للأولى أو
ثلاثة فناجين من الحجم الصغير للأخرى, مع الأخذ بعين
الاعتبار أن الشاي الأخضر أقل ضررا من الشاي الأحمر -
يجدر التنبيه إلى وجود مبالغة دعائية في فوائد الشاي
الأخضر- كذلك فإن القهوة السعودية أقل ضرراً من القهوة
التركية حيث أن تركيز الكافئين في فنجان قهوة سعودية
أقلّ من تركيزه في فنجان قهوة تركية وهذا الأخير بدوره
يقل تركيز الكافئين فيه عن فنجان قهوة نسكافيه أو
أكسبريسو أو ما شابه.
الكافئين والشايين هي المواد المنبهة في القهوة
والشاي, وأي زيادة عن الحد المذكور تعرّض القلب
لازدياد ضرباته وقد تؤدي إلى ما يسمى بخوارج الانقباض
وهي انقباض عضلة القلب بشكل غير نظامي, كما أن الشايين
بحدّ ذاته يمنع امتصاص الحديد في الأطعمة لذلك تجب
مراعاة عدم تناول الشاي إلا بعد ساعتين من الوجبة, ومن
الملاحظ أن فقر الدم منتشر بشدة في المملكة خاصة بين
النساء ونادراً ما تراجعني امرأة في العيادة يزيد خضاب
الدم (الهيموغلوبين) عن 12؛ كما أن فرط التنبيه الناجم
عن القهوة والشاي يؤدي إلى الأرق وقد تكون "قهوة ما
بعد العصر" سبباً للأرق بعد النوم أي الاستيقاظ بعد
نوم ساعتين أو أو ثلاثة مع شعور بالإنهاك دون القدرة
على متابعة النوم. ومن الحالات النادرة التي رأيتها في
أثناء دراستي الطبية حالة شاب لا يتجاوز عمره الثانية
والعشرين يعمل في السنترال لشركة كبيرة ودوامه ليلي
دائماً وكان يعاني من ارتفاع ضغط مجهول السبب,
وتحاليله كلها طبيعية ولا تدل على وجود أي مرض؛ ولكن
صورة الأشعة المقطعية أظهرت ورماً صغيراً على غدة
الكظر الواقعة فوق الكلية اليسرى كان هو سبب ارتفاع
الضغط أما سبب نشوء الورم فهو شرب الشاب للشاي والقهوة
بكميات كبيرة وهو ما كان يفعله ذلك الشاب ليستطيع
البقاء مستيقظاً طوال فترة دوامه الليلي.
مع ذلك ما أجمل الشاي والقهوة إذا ما قورنت بغيرها من
المشروبات وخاصة تلك المسماة مشروبات "روحية" وبما
أنها غير منتشرة بفضل الله بالمملكة فلندع الحديث عنها
إلى نهاية المقالة ولنذكر التدخين, فقد أوردت صحيفة
الوطن خبراً حديثاً مفاده أن مدير جمعية مكافحة
التدخين بالمنطقة
الشرقية أوضح أن التدخين يتسبب في
خسائر مادية كبيرة لمستهلكيه
وللقطاع الحكومي والجهاز الصحي بشكل
خاص، مبيّناً أن السعودية تنفق على التبغ سنوياً
ما يقدّر بنحو 636 مليون ريال، مشيراً
إلى أن 32% من المدخنين في السعودية هم من
الطلاب و35% من منسوبي القطاع الصحي،
و10% من النساء؛ ؛ محذراً في الوقت نفسه الفتيات من
التدخين مشيراً إلى أنه ليس له علاقة برشاقتهن، كما
يعتقد الكثير منهن خطأ؛ وعند هذا الحد من الخبر لا بد
من التوقف لبعض التعليق, فرقم الإنفاق على التبغ يمكن
أن يطعم نصف مليون جائع سنوياً أيضا؛ بل إن سعر علبة
الدخان الواحدة يطعم مسكيناً يومياً بحسب معيشة البلاد
الفقيرة؛ وإذا كان للشاي والقهوة بعض الفائدة فإنه من
المعلوم صحياً أن فوائد التدخين لا تقارن أبدا بمضاره,
فالنيكوتين الموجود في التبغ هو مادة سامة للخلايا
ومسرطنة لجميع الأجهزة فلا يتوقف ضرره عند حدوث
سرطانات الفم والجهاز التنفسي العلوي بل يتعداه لإحداث
سرطانات في الجهاز البولي وغدة البروستات عند الذكور,
وأما عند الإناث فتزيد نسبة تأثرهن بالنيكوتين وترتفع
نسبة إصابة المدخنات بسرطان الثديين أو سرطان عنق
الرحم أو غيرهما؛ ومن الغريب توقّع بعض الفتيات أن
التدخين يساهم في الحفاظ على الرشاقة وهذا دليل على
غياب المفهوم الصحيح للرشاقة من أذهانهن إذ برأيهن
أنها تتمثل في النحافة كون التدخين يقلّل من الشهية
للأكل, لكن النيكوتين أيضاً يقلل من نسبة ارتباط
الأكسجين بالكريات الحمر ويزيد في إنقاص نصف حياة
الكرية الحمراء؛ والأخطر من ذلك كله ترافق التدخين مع
الحمل فهو يؤدي إلى ولادة جنين ناقص الوزن أو حتى
ولادته قبل الأوان مع ما في ذلك من مخاطر على الأم
والوليد؛ وأما الجزء الأهم في الخبر فهو أن العيادة
ساهمت في إقلاع 30 شاباً في المنطقة عن التدخين خلال
شهر ونصف تقريباً, وذلك بمجهود طبيبين فقط؛ وهنا يتضح
أن الدعم المادي لجمعيات كهذه الجمعية له أولوية في
الأعمال الخيرية؛ ومن الجدير بالذكر أن جمعية مكافحة
التدخين في الشرقية تعتزم رفع دعوى تعويض على مقاهي
النارجيلة (الشيشة) بسبب الأضرار الصحية التي تنجم
عنها واحتجاج المتنزهين على رائحة التدخين المنبعثة
منها, ولا مانع أن نضيف هنا معلومة صحية وهي أن غير
المدخن يدفع ثمن خطأ المدخن في مكان عام فيستنشقُ ما
يعادل عشر السيجارة على الأقل مع أنه لم يدخنها.
رغم الضرر الكبير لكل ما ذكر فإنه لا يصل إلى درجة
المخدرات والكحول؛ ومن الواضح أن هذين البلاءين في
ازدياد رغم كل الجهود التي تقوم بها الهيئات الحكومية
والأهلية مشكورة وعلى رأسها وزارة الداخلية ورجال
الأمن؛ لكن التوعية تحتاج جهداً أكبر, ومنذ أكثر من
سنة ذكرت في مقالة لي قصة تاجر المخدرات التائب جزاع
بن مزعل الرويلي؛ وأنه يطمع في العفو والصفح عنه من
قبل الدولة خاصة مع نشاطه في دعوة المروجين ومستعملي
المخدرات وتحذيرهم من طريق الهاوية؛ وتمنيت عندها أن
تتم مساعدته للاندماج بالمجتمع وحفظ كرامته من خلال
وظيفة تمنعه من التفكير بسلوك السبل المحرمة مرة أخرى
ولعلها تكون وظيفة مساعد متجول لمرشد طلابي وهي فكرة
مأخوذة من الغرب حيث تنطبق الحكمة (العاقل من اتعظ
بغيره) فيتعظ الطلاب في المدارس والجامعات فلا يعيدوا
تجربته الكارثية.
منذ عدة أيام دخلت عيادتي امرأة هي إحدى المريضات
اللواتي لا يراجعن إلا عند الضرورة القصوى وهي امرأة
تغلب عليها الطيبة ولهجتها أقرب إلى البداوة؛ فسلمت
علي وسألتني إن كان لدي بعض الوقت لمساعدتها في حل
مشكلتها مع ابنها؛ وقالت لي عبارة لم أستطع معها إلا
أن أترك كل ما في يدي من عمل لألتفت بكليّتي
إليها:(ليس لي بعد الله إلا أنت)؛ ثم أكملت أنها
رأتني في برنامج "أعمالها" على قناة الإخبارية بمعية
بناتها اللواتي أشرن عليها بعرض مشكلة أخيهن عليّ, وهي
تتلخص بأنه يدخن ولا يصلي؛ وأنه فاشل في دراسته
الجامعية؛ والأشد ألماً من هذا كله أنه يأتي إلى البيت
مترنحاً كل ليلة تحت تأثير الكحول؛ وذرفت الأم دمعتين
كبيرتين شاركتها فيهما رغماً عني؛ لأني أقدّر ماذا
يعني أن ترى الأم ابنها على هذه الحال خاصة في بيئة
تُمنع فيها أم الخبائث ولم تُجلب إليها مع الاستعمار
كما حصل في البلاد العربية الأخرى. تمالكت نفسي وغالبت
انفعال الأسى لأخبر الأم أن هذا الشاب بحاجة إلى مصحة
للعلاج من الإدمان على الكحول, فأخبرتني بدورها أن
أباه وأخاه الأكبر ساقوه إلى المصحة مقيّداً؛ وهناك تم
إعطاؤه إبرة ووصف له بعض الأدوية ورفضوا إدخاله بحجة
أن لديهم حالات أشد وأفتك؛ فوعدت الأم خيرا وطلبت منها
أن تذهب إلى بيتها وتتصل بي بعد الظهر لأرى كيف يمكنني
مساعدتها؛ وبمجرد أن خرجت اتصلت هاتفياً بالمصحة لأسأل
عن زميل كان يعمل فيها ولكن الأرقام الثلاثة التي
اتصلت عليها كانت مشغولة دائماً, وقدّرت أن لديهم
ضغطاً حقيقياً لكنه ليس سبباً أن يتركوا حالة يمكن
علاجه حتى تصبح حالة ميؤوساً منها؛ واتصلت عدة مرات
بجمعية مكافحة التدخين والمخدرات لأسال عن شخص أعرفه
يعمل هناك فلم يردّ أحد, وربما كان دخول وقت صلاة
الظهر هو السبب؛ ولم يكن بإمكاني تأجيل الموضوع خاصة
أن صورة الأم الطيبة دامعة العينين وصورة الأب ذي
اللحية البيضاء لم تفارقا مخيلتي؛ فاتصلت بشخص أعلم أن
بإمكانه المساعدة لإدخال الشاب ومعالجته؛ ووعدني أن
يأخذ الموضوع كأنه موضوعه الشخصي؛ وفي البيت حدثت
ولديّ بمعاناة هذه الأم؛ ثم وجدتني بدون شعور بين أذان
المغرب والإقامة أرفع صوتي بالدعاء لله باسم هذه الأم
أن يفرّج كربها ويردّ ولدها؛ فليس أصعب من أن نربّي
أولادنا على الخير والبر ليأتي الشيطان وأعوانه
فيسلبوا عقولهم وأموالهم فيخسروا دنياهم وآخرتهم.
الوطن
السعودية 28/11/2005 |