|
كان غريباً جداً أن تطلق فضائية الجزيرة على كارثة الحادي عشر من سبتمبر بمجرد
حدوثها تسمية (أولى حروب القرن), إذ لا يدخل اختطاف الطائرات ولا نسف برجي مركز
التجارة العالمي ولا مبنى وزارة الدفاع الأمريكية تحت مسمى الحرب الذي يُطلق عادة
على التقاء جيوش الأعداء في معركة أو عدة معارك كما قد يُطلق على غزو بلد لبلد
واحتلاله أو على أي شكل من أشكال تهديد دولة لسلام وأمن دولة أخرى؛ ولا أدري إن
كانت الجزيرة قد اقتبست التسمية من محطة غربية أم لا, لكن هذه التسمية تناسب الوضع
الذي يعيشه العالم كله من حيث فقدان الأمان وموت كثير من الأبرياء الذين ليسوا إلا
حطباً في أتون هذه المعركة المتقدة بين طرفين هلاميين, وسبب هلاميتهما هو عدم
القدرة على تحديدهما والإمساك بهما من جهة وانتشارهما بشكل عولمي من جهة أخرى, لذلك
فهي حرب عالمية بامتياز.
قد يقول قائل: إن الطرف الأول هو أمريكا, ولكن
الاعتراض على هذا القول واضح بافتراق السياسة
الأمريكية عن رغبة جزء لا يستهان به من الشعب
الأمريكي, والحرب التي تَشُنها الولايات المتحدة
الأمريكية أو تُشَّن عليها يحترق فيها الشعب الأمريكي
قبل غيره, سواء كانت على الأرض الأمريكية أو خارجها,
كضحايا 11 سبتمبر وأهالي القتلى من الجنود الأمريكيين
الذين لم يكونوا يتوقعون لأولادهم أن يموتوا بعيداً
عنهم في حرب لا تنصر القيم الأمريكية في الحرية
والعدالة وحقوق الإنسان بل على العكس حملت الموت
للإنسان العراقي والدمار للحضارة التي قامت على أرض
الرافدين لآلاف السنين, وهكذا فإن غالبية الشعب
الأمريكي يدفع ثمن أخطاء ساسة البيت الأبيض كما يدفع
غالبية الشعب العراقي ثمن خطايا صدام لعقود خلت.
على الطرف الآخر لهذه الحرب الدائرة فإن سؤالا يرد: من
هم هؤلاء الإرهابيون؟ هل هو تنظيم القاعدة؟ إذا كان
الجواب بنعم, فالسؤال: أين هو هذا التنظيم؟ دُمِّرت
أفغانستان بكاملها ولم يعثر على أقطاب القاعدة, وإذا
كان أسامة بن لادن قد اختفى عن أنظارنا فإن أيمن
الظواهري ما زال يطلّ علينا بين الحين والآخر مهدداً
متوعداً بهيئته التي تذكِّر بقصة علي بابا والأربعين
حرامي, لكن إذا كان الظواهري هو علي بابا الحالي
فالأربعون حرامياً هم أربعون ألفاً في وقتنا هذا أو
أكثر, ولم يعد لهم مغارة واحدة, بل هم ينتشرون كأشباح
ليلية في كل مكان, ويختلطون بالناس متخذين الأشكال
المناسبة للزمان والمكان اللذين يتواجدان فيهما,
ويدمّرون ويفجرون وينتحرون أو ينحرون الناس ثم يختفون؛
وتقوم الأجهزة الأمنية بالدّهم وتوقيف المتهمين ويذهب
الصالح بالطالح؛ على سبيل المثال في جريمة اغتيال
الحريري أُوقف بعض الشباب الأستراليين ذوي الأصول
اللبنانية وجرى التحقيق معهم في أستراليا, وما ذلك إلا
لأنهم ملتحون, ولولا أنهم تلاميذ مفتي أستراليا الذي
دافع عنهم لشغفهم بالطريقة الصوفية وبعدهم عن كل ما
يمت للعنف بصلة لما عُرِف لهم قرار, وربما لو أُوقفوا
في إحدى الدول العربية المخابراتية لجاءت التهمة
مفصّلة على قياس المفتي نفسه؛ والمثال الآخر الذي يلوح
هنا هو ذلك الشاب الفلسطيني أحمد أبو عدس حيث ذُكر أنه
من سكان جدة سابقاً وعندما عاد إلى لبنان كان كل ذنبه
أنه أرخى لحيته واتجه نحو التدين ليكون هو الضحية
المناسبة لاتهامه باغتيال رجل شهم نبيل كالحريري.
في يوم الأربعاء الماضي والناس عائدون من إجازة فرحة
لعيد الفطر, وكثير منهم يؤجّل الأعراس لما بعد شهر
رمضان المبارك, كان في فندق راديسون عمان شابة اسمها
نادية العلمي تنتظر لحظة الفرح التي تنتظرها كل فتاة
لتزفّ إلى من اختارته واختارها ليكونا شريكي حياة,
ولكن يد الإرهاب القذرة اغتالت فرحتهما إذ كانت لهما
بالمرصاد ولأهلهما ولكل من أتى ليشاركهما هذه اللحظة
التي لا تتكرر إلا فيما ندر, ونادية وعريسها أشرف
الأخرس من أصول فلسطينية فهو من الخليل وهي من مدينة
القدس أي أنهما الأقدر على الشعور بمعاناة شعبهما
الفلسطيني وإيصالها للعالم أجمع, وبدت الثقافة العالية
للعريس من خلال لقاء تلفزيوني قصير فقد كان يتكلم
الإنكليزية بطلاقة ورباطة جأش نادرة في تلك المواقف
المحزنة حيث كان من بين الضحايا والدا العروسين اللذان
وقفا على مدخل القاعة لاستقبال المدعوين؛ ورفض العريس
الذي تحوّل عرسه إلى عزاء أن يكون الإسلام كما يقدمه
هؤلاء الإرهابيون على أنه دين القتل والتخريب وسفك
الدماء؛ وأما المخرج السوري العالمي مصطفى العقاد الذي
كان أول من انتبه لدور سلاح الإعلام عامة والسينما
خاصة في دعم قضايا العرب والمسلمين فأخرج فيلميه
الرائعين (الرسالة) و(عمر المختار أسد الصحراء), فقد
كان على موعد مع ابنته التي قدمت من بيروت لحضور حفل
زفاف في فندق غراند حياة, لكنه كان أيضا على موعد مع
الموت هناك, حيث تُوفيت ابنته الشابة على الفور ثم ما
لبث أن لحق بها داخل العناية المركزة؛ ومن الضحايا
أيضا الطفلة تولين التي انتهت حياة والدتها بعد أن
أنهت إرضاعها, وأدخلت المستشفى لإصابتها بكسور ورضوض
نتيجة الانفجار حيث وجدها والدها الطبيب بعد أن بحث
عنها كثيراً بين الجثث والقتلى وحملها ليواري جثة
شريكة عمره وحماه وحماته؛ وبين الضحايا شاب سعودي من
الذين اعتادوا أن يقضوا إجازاتهم في الأردن, وغيرهم من
جنسيات مختلفة عربية وغربية, فماذا جنى هؤلاء برأي أبي
مصعب الزرقاوي الذي تبنى العملية مفتخراً بأن من نفذها
أربعة عراقيين بينهما امرأة؟
المشكلة في الحقيقة معقدة الأطراف, فهي ليست مقصورة
على الفهم المشوّه للدين لدى الزرقاوي وأمثاله, لكنها
تستمد بقاءها من قدرة هؤلاء على تجنيد الشباب الغرّ
المتهور, فهناك تربة مهيئة في نفوس هؤلاء الشباب,
الذين يرون أمام أعينهم الانفصال السياسي بين الحكومات
وشعوبها دون أن يستطيعوا بحث عوامل نشوئه وفهم
تداعياته, فما يجري يخالف إرادة الشعوب التي لا ترغب
بالخضوع لسياسة لا تهتم بقيمها ولا بثقافتها الأصيلة؛
ولكن هذه الشعوب نفسها يغيب عن بالها وقوعها هي ذاتها
في الفصام الاجتماعي الذي يسود المجتمعات العربية بين
الفئات الداعية إلى العلمانية والتغريب وبين الفئات
المنادية بالمحافظة والتقليد, فأين المفر والمخرج من
هذا التناقض؟
من أطراف المشكلة أيضا الفقهاء المعاصرون الذين لم
نسمع صوتهم قوياً موحداً تجاه الهجمات الإرهابية
ورفضها في العالم أجمع, على سبيل المثال ندد الحزب
الإسلامي العراقي وهيئة الوقف السني باعتداءات الأردن,
وهذا شيء جيد, وقد أتى استنكار هيئة علماء المسلمين في
العراق متأخرا لكننا لم نسمع استنكارا مماثلا لها على
جميع العمليات الإرهابية في العراق؛ بل لم نسمع أي أي
صدى لاتحاد علماء المسلمين الذي انعقدت دورته الأخيرة
في فندق خمس نجوم في بيروت, أي أن هذا الفندق يمكن أن
يكون مستهدفاً في المستقبل حسب قناعات الزرقاوي الذي
رأى أن فنادق الأردن الثلاثة هذه قد أصبحت مرتعاً
آمناً للقوات المحتلة التي تقودها الولايات المتحدة في
العراق أو موئلا للمطبِّعين مع إسرائيل, وإذ نذكر دور
العلماء فذلك لأنهم ملح الأمة, وإذا فسد الملح فمن
يصلح الأمة؟ والسؤال: هل أشار اتحاد علماء المسلمين
إلى أن زيارة عمرو موسى وهو الأمين العام للجامعة
العربية للعراق تعني أن العراق بلد عربي مسلم لا يجوز
فيه القتل الجماعي أو الخروج على الحاكم مثله مثل أي
بلد عربي آخر؟ وهل فهم أولئك الفقهاء أن الإرهاب في
بلادهم والبلاد العربية الأخرى لن يتوقف ما دام الدم
العراقي البريء يسيل رخيصاً بين قوات أمريكية تتحجج
بإيواء المدنيين للإرهابيين وبين الإرهابيين الفعليين
الذين سينقلبون يوماً ما على كل من يرفض انتهاج
أسلوبهم بما فيهم هؤلاء الشيوخ والفقهاء؟
إن أياً منا يمكن أن يكون متواجداً في أي لحظة في أي
فندق أو أي شارع أو أي وسيلة مواصلات, إلا إذا أراد
الإرهابيون أن يسجنوا الناس في البيوت أو يخرجوهم معهم
إلى الكهوف, وقد أخبرني أحد معارفي في عمان أن الفنادق
والمطاعم في اليوم التالي للتفجيرات خلت من الزبائن,
وهو نفس المشهد الذي يحصل في تل أبيب بعد أي عملية
فدائية تستهدف المدنيين, وهذا يدل على أن الإرهابيين
قد وضعوا كل الناس الآخرين في سلة واحدة, فمن ليس معنا
فهو ضدنا, تماما مثلما قال الرئيس الأمريكي بعد أحداث
11 سبتمبر حيث أشار إلى أنها قسمت العالم إلى معسكرين
معسكر للخير وآخر للشر بينما اختار ابن لادن تسمية
فسطاط الإيمان وفسطاط الكفر؛ والحقيقة أن كل من يقتل
الأبرياء هو شرير وكل من يفجّر الآمنين هو كافر, إلى
أي فسطاط انتمى أو في أي معسكر انبطح؛ وإذا كان المثل
يقول: (من أجل الورد يسقى العُلّيق) وهو الشوك, فلماذا
يقطع هؤلاء الإرهابيون الورد بذنب الشوك؟ ولم لا تقتلع
أمريكا - وهي سيدة العالم- الأشواك فقط إذا كانت تريد
للورود أن تحيا في جنة الحرية وفردوس العدالة؟
الوطن
السعودية 14/11/2005
|