|
في صفحة نقاشات لعدد الوطن تاريخ 24/10/2005 كتب أحد الإخوة القراء تعليقاً على
مقالتي (الحاجة قصيرة) وذكر أني أنقصت من حديث رسول الله عليه الصلاة والسلام إذ
أوردت الحديث كما يلي:((إذا استأذنت امرأة أحدكم فلا يمنعها)) ويهمني أن يعلم
القراء الكرام أني لم أنقص شيئا من الحديث, ويمكن الرجوع إليه في فتح الباري بشرح
صحيح البخاري كتاب الأذان برقم 873 وهي رواية مسدَّد عن يزيد بن زريع عن معمر عن
الزهري عن سالم بن عبد الله عن أبيه عن النبي صلى الله عليه وسلم؛ كذلك فقد أورد
الأخ القارئ حديثاً فيه قصة امرأة سافر زوجها ولم يأذن لها بزيارة أبيها الذي كان
على فراش الموت, ولذلك لم يوافق الرسول عليه الصلاة والسلام على خروجها لترى أباها
قبل موته, وأرجع القارئ الرواية إلى ابن بطة في كتابه أحكام النساء دون أن يذكر من
أخرج الحديث, والسبب أن هذه القصة لم يذكرها أي كتاب سنة محترم وإنما هي قصة
يتوارثها بعض الرجال جيلا بعد جيل ليبرروا استبدادهم بالنساء, ومن الواضح غياب
الجانب الإنساني فيها ككثير من الأحاديث الموضوعة أو الضعيفة التي تقلّل من مكانة
المرأة على عكس ما كان هدي النبي عليه الصلاة والسلام مع النساء في عهده؛ وقد
تعرضتُ لبعض تلك الأحاديث في مقالات سابقة, وهنا مزيد منها للتنبيه عليها بعد أن
استدل المانعون لمشاركة المرأة السياسية بها على أن المرأة ليست أهلا للمشاورة, ومن
ذلك: (شاوروهن وخالفوهن) وما روي عن عائشة مرفوعا:(طاعة النساء ندامة) وحديث: (هلكت
الرجال حين أطاعت النساء) وما روي عن عمر رضي الله عنه:(خالفوا النساء فإن في
خلافهن بركة), ومثله ما روي عن أنس مرفوعا:(لا يفعلن أحدكم أمرا حتى يستشير فإن لم
يجد من يستشيره فليستشر امرأة ثم ليخالفها فإن في خلافها بركة)؛ وقد ناقش كتاب
"المرأة والولايات العامة في السياسة الشرعية" الاستدلال بهذه الأحاديث من قبل
المجيزين لمشاركة المرأة كما يلي:
أ- في هذه الأحاديث وأمثالها يقول الشيخ ناصر الدين
الألباني:(وأما حديث: شاوروهن وخالفوهن) فلا أصل له
مرفوعا, وقال صاحب تحفة الأحوذي:(قال صاحب مجمع البحار
في كتابه تذكرة الموضوعات: لم أره مرفوعا) فالحديث لا
أصل له كما يقول الدكتور يوسف القرضاوي
ب – والمروي عن عائشة: طاعة النساء ندامة, قال صاحب
تحفة الأحوذي أنه ضعيف, وقال الألباني: موضوع, وقال
الصنعاني: حديث عائشة موضوع.
ج – وحديث: هلكت الرجال.. قال الألباني: إنه ضعيف, رغم
تصحيح الحاكم وموافقة الذهبي له, وقال: هذا ذهول منه,
فقد ذكر الذهبي في ترجمة بكار في "الميزان" قال ابن
معين: ليس بشيء, وقال ابن عدي: هو من جملة الضعفاء؛ ثم
إن معناه ليس صحيحا على إطلاقه بدليل استشارة أم سلمة
رضي الله عنها.
د – والمروي عن عمر رضي الله عنه: خالفوا النساء.. قال
الألباني: ضعيف, وفي سنده عيسى: ضعيف جدا, وهو أيضا
منقطع, وقد استدرك عليه أيضا ما جاء في القرآن عن ابنة
شعيب في أمر موسى عليهما السلام, ولذا قال صاحب الفتح
في تعليقه على مشاورة أم سلمة:(وفيه فضل المشورة وجواز
مشورة المرأة الفاضلة.).
وعلى الضفة الأخرى المواجهة للضفة التي يقف عليها
المغالون في الدين, تقف فئة أنكرت السنة جملة وتفصيلا
وطالبت بالاعتماد على القرآن فقط ولذلك سموا
بالقرآنيين, وهؤلاء لا جدوى من النقاش معهم لأن الطفل
الصغير يمكنه أن يوجّه لهم هذا السؤال: كيف نعرف
الأحكام التي لا يوجد فيها تفصيل كعدد ركعات الصلاة
ومواقيتها وأنواع الزكاة ونصابها؟ ورغم كل جهودهم
الموبوءة للتخلي عن السنة النبوية فإن الباحثين
المسلمين يمضون قُدما في دراساتهم انطلاقا منها,
ومن الثابت أن هذه الدراسات
تعد بمثابة صلة الوصل بين الأصالة والمعاصرة مما يتيح
للمسلم فهم العالم وترويضه والشهادة عليه بالإسلام,
وهو إنجاز بلا نظير لدى الديانات الأخرى التي نجحت
الحداثة في تفتيتها واستيعابها وتهمشيها, ودفعتها في
طريق التحلل والاندثار؛ وإن كان لا يغيب عن
المتبصر بأحوال الأمة الإسلامية أن أحد أسباب ظهور
هؤلاء الأفاقين هو قصور الفقه التقليدي عن استيعاب
المشكلات والأوضاع الحديثة التي يجب دراستها دراسة
اجتهادية بجدّ وإخلاص، وهي تدخل بدون ريب في صميم
واجباتنا وحياتنا الإسلامية.
جدير بالذكر أن من أهم الكتب التي ردت الشبهات حول
السنة النبوية كتاب "السنة ومكانتها في التشريع
الإسلامي" للشيخ الدكتور مصطفى السباعي إذ يقول
فيه:(وإذا كان كتاب الله الكريم متضمنا للقواعد العامة
في التشريع وللأحكام الكلية في الغالب, فإن السنة
الكريمة عنيت بشرح هذه القواعد وتثبيت تلك النظم
وتفريع الجزئيات على الكليات, مما يعرفه كل من درس
السنة دراسة وافية, ومن ثم لم يكن للمجتهدين من علماء
الإسلام مندوحة من الاعتماد على السنة, واللجوء إليها
والعناية بها والاسترشاد بأحكامها المنصوصة على أحكام
الحوادث الطارئة. ولقد تعرضت السنة في القديم لهجمات
بعض الفرق الإسلامية الخارجة على سنن الحق لشبهات لم
تجد في نفوس أتباعها ما يدفعها, كما تعرضت في العصر
الحاضر لهجمات بعض المستشرقين من دعاة التبشير
والاستعمار, ابتغاء الفتنة وابتغاء هدم هذا الركن
المتين من أركان التشريع الإسلامي الوارف الظلال
وتابعهم على ذلك بعض المؤلفين من أبناء أمتنا, اغترارا
بما يضفيه أولئك المستشرقون على بحوثهم من زخارف علمية
لا تثبت أمام النقد العلمي النزيه أو اندفاعا وراء
ميول نفسية وشبهات فكرية لم يحاولوا تمحيصها على ضوء
ما بين أيديهم من تراث السلف وبحوث العلماء الراسخين,
فصادف رأي المستشرقين في السنة هوى كامنا في نفوس
هؤلاء فضربوا على الوتر وغنوا بذلك الحداء).
ولا يفوتنا أن نذكر أن في السنة القولية والفعلية ما
هو ليس للتشريع كأن يكون صادراً عن الجبلّة, وما صدر
عن العادة, وما صدر عن تجربة البيئة وخبرتها, وما جاء
بطريق الاتفاق لا القصد, وخصوصا بالنظر إلى أفعاله
عليه الصلاة والسلام, ولذا رأى المحققون من علماء
الأصول أنها لا تدل على أكثر من الإباحة أو المشروعية,
إلا إذا ظهر فيها قصد القربة إلى الله تعالى؛ ومن أفضل
من بحث هذا الأمر بالتفصيل الشيخ الدكتور يوسف
القرضاوي في كتابه "السنة مصدرا للمعرفة والحضارة"؛
ومع ذلك فإن ننسى لا ننسى رأي المفكر النمساوي المسلم
محمد أسد "ليوبولد فايس" في كتابه القيم "الإسلام على
مفترق الطرق" من أن الأخذ بالسنة في العادات والتقاليد
هو سبب هام في اجتماع المسلمين وتوحيدهم, لأن السنة
النبوية ليست توضيحا للقرآن وتفسيرا له فحسب, بل هي
الجامع الثقافي للمسلمين كما أن القرآن هو الجامع
العقيدي لهم.
وفي النهاية لا بد من الإشادة بالجهود المبذولة لحماية
السنة النبوية من المترصدين بها سواء كانوا من
المغالين في الدين والذين اعتمدوا أحاديث لم تثبت
صحتها فنفّروا الناس من هذا الدين العظيم أو كانوا من
الذين ينكرون السنة النبوية فيدعون
لفهم القرآن على حسب مزاج بعض الأشخاص الذين يلبسون
قبعة الحداثة ويحبسون أنفاسهم بربطة عنقها رغم أن منهم
من يضع على رأسه عمة العالم ويلبس قفطانه؛ ويأتي في
مقدمة هذه الجهود المباركة جائزة الأمير نايف بن عبد
العزيز آل سعود العالمية للسنة النبوية والدراسات
الإسلامية المعاصرة, وقد حققت الأمانة العامة للجائزة
العديد من الإنجازات المتتالية بفضل الله سبحانه
وتعالى ثم بفضل عناية راعي الجائزة وتوجيهاته بأن تكون
الجائزة مركزاً دعوياً عالمياً ينطلق من عاصمة الإسلام
الأولى؛ علماً بأنها كانت جائزة واحدة ثم أصبحت ثلاث
جوائز تضم جائزة نايف بن عبد العزيز آل سعود للسنة
النبوية والدراسات الإسلامية المعاصرة, وجائزة الأمير
نايف بن عبد العزيز آل سعود التقديرية لخدمة السنة
النبوية، ومسابقة الأمير نايف بن عبد العزيز لحفظ
الحديث النبوي، وهذه الجائزة الأخيرة تستهدف الناشئة
والشباب، وذلك انطلاقا من إيمان سموه بأهمية العناية
بالناشئة والشباب ودورهم في المجتمع، وتهدف المسابقة
إلى ربط الناشئة والشباب بحديث رسول الله صلى الله
عليه وسلم حفظاً وعناية وتطبيقاً، كما تهدف إلى شحذ
هممهم وشغل أوقاتهم، وتنمية روح المنافسة الشريفة
بينهم؛ وتعد هذه المسابقة من المسابقات الرائدة
والمتميزة في موضوعها وأسلوبها وجوائزها, كما أن
للجائزة ثلاثة مستويات حسب المرحلة الدراسية التي
ينتسب إليها الطالب, وأهم ضوابط شروط الأحاديث
المختارة أن تكون من كتب السنة المعتمدة وأن يراعى عند
اختيار أحاديث كل مستوى من مستويات المسابقة أن تتناسب
مع المراحل العمرية للمتسابقين, وكم يتمنى المرء أن
يراعى في الأحاديث المختارة أيضا واقع المسلمين الحالي
والموضوعات التي ليس فيها أي خلاف واضح بين فقهاء
المسلمين كي لا يتم اتباع المتشابه من السنة النبوية
فيتم تجييره لتكريس الفرقة بين المسلمين أو جلب أنظار
أعداء الإسلام إلى ما كان له ظرف تاريخي خاص, وهو
الأمر نفسه الذي نتمنى أن نراه في مناهج التعليم.
الوطن
السعودية 7/11/2005
|