|
عنوان
الكاريكاتير: "30 يوم بعيد عنكم".
يظهر فيه شخصان يرتديان البدلة
الغربية وربطة
العنق وأحدهما يبدو ذيله وقدماه بشكل
حوافر المعيز على أنه إبليس فيقول
للآخر:
نريدكم أن تبيضوا وجهنا في رمضان هذه
السنة.. نريد العالم الإسلامي يهزّ
هزّ طول
اليوم؛ فيجيبه الآخر الذي أشير إليه
على أنه مدير إحدى القنوات العربية:
أبشر يا
طويل العمر.. ما رح نقصر أبدا.. إحنا
مجهزين 100 مسلسل 500 أغنية وبرامج
فكاهية
وبرامج أكل وطبخ.. ألعاب ومسابقات
وسهرات رمضانية.. يعني في غيابك لا
تحمل هم الأمة
إحنا قدها.
يحمل هذا الرسم الكاريكاتيري جزءاً
كبيراً من الحقيقة، فالفضائيات
-
وبشكل عام - ساهمت في تحويل شهر رمضان
من شهر للتنافس على فعل الخير وسمو
الإنسان
وتطوره الروحي ونموه الوجداني وتضافره
الاجتماعي وتماسكه الإنساني إلى شهر
تتنافس
فيه السطحية على أذهان المشاهدين،
والغثائية على أوقاتهم، والهزال على
نفوسهم؛ وقد
تكوّنت هذه الرؤية النقدية لدى عديدين
عبر سنين متتالية، بعد أن لم تعد
تسعفهم
أوقاتهم الغنية ولا تشجّعهم ملكاتهم
الفكرية على متابعة هذا السخف الذي
يعرض باسم
الفكاهة تارة وتحت مسمى الإثارة
التاريخية تارة أخرى أو مصطلح النقد
تارة ثالثة؛
وغالبا ما يكون للتجربة الشخصية على
مسرح الحياة والمعاناة الناجمة عنها
أثر كبير
في رفض أي عمل تلفزيوني يحمل من
الادعائية والتزوير أكبر مما يحمل من
الصدق
والتنوير.
لا بد من استثناء بعض حلقات مسلسل طاش
ما طاش من هذا التعميم خصوصاً
تلك الحلقات التي تحوي نقداً صادقاً
للواقع الأليم مثل حلقة "سلطة
الجماهير" وحلقة
"الثقة
العمياء" وغيرها من الحلقات التي لم
تبثها القناة السعودية الأولى دون سبب
معلوم في زمن سقوط الحواجز الإعلامية؛
وذلك لأن كثيرين كانوا يفضلون
السعودية
الأولى لأن مما يعاب على القنوات
الأخرى التي عرضت المسلسل هو
"مسلسلات" الإعلانات
التجارية التي تسبق المسلسل وتقسمه
أجزاء مجزأة وتقصم ظهره وتبعثر جهد
طاقم العمل،
ناهيك عن أن الأهل كثيراً ما يرغبون
بمشاهدة نقد التشدد والغلو في الدين
وهو ما
حوته الحلقات الأخيرة من المسلسل دون
أن يرى أولادهم وبناتهم حركات الذين
"كلهم
حركات" وإيحاءات من فتيات وشبابات
الإعلانات؛ ومع احترامنا لكل الجهود
الإعلامية
الموجودة على الساحة السعودية، لكن لا
يجب أن يحوز نقدنا للتشدد مساحة أكبر
من
نقدنا للتفلت فكلاهما ضد الفطرة
السليمة وكلاهما مؤذٍ للنفس والمجتمع.
مع ذلك
يبقى لطاش ما طاش جماهيريته الواسعة
التي توجب على فريق العمل الانتباه
إلى كثير من
الأخطاء التي وجّهها بعض الكتّاب
لتلافيها في السنوات القادمة؛ علماً
بأن المسلسل
يحوز على اهتمام الإخوة العرب لا
السعوديين فحسب سواء كانوا مقيمين في
المملكة أم
خارجها لما فيه من نقد لظواهر غير
مرغوبة موجودة في كل المجتمعات
العربية تقريباً؛
وهذه كما أنها ميزة للمسلسل لكنها
أيضاً تشكّل نقطة صعوبة أمام الفريق
الذي يجب
عليه أن يرضي شرائح متنوعة من
المتعاملين معه، على اختلاف ثقافاتهم
وأعمارهم، وبما
أن نسبة كبيرة من المتابعين هم من
الأطفال والمراهقين فربما ينبغي على
الأهل شرح
بعض المشاهد التي قد لا يفهمها
الناشئون ولكنهم ما من شك سيواجهونها
مستقبلا؛ وقد
يكون من واجب الممثلين القديرين ناصر
القصبي وعبدالله السدحان والمخرج
المخضرم
عبدالخالق الغانم أن يهتموا أكثر
بالخلطات الكوميدية التي تفضلها فئة
الناشئين
والشباب، ولا مانع من المعالجة الجادة
لكن دون التخلي عن روح الفكاهة
والدعابة التي
تجذب الجميع، ولو كانت الحلقات كلها
قفشات ودعابات - كما طلب بعضهم - لما
أوصل
المسلسل رسالته الناقدة لبعض الظواهر
السيئة أو المخيفة كظاهرة التدين
المغشوش
وتجنيد الشباب للإرهاب تحت مسمى
الجهاد؛ واقتراحي لحلّ هذه المعضلة هو
أن يشترك
القصبي والسدحان بكتابة الحلقات
دائماً حيث إن روحهما الفكاهية
الساخرة ستنتشر في
أوصال المسلسل وتخفّف من وقع الصرامة
والجدية؛ على سبيل المثال كان
بالإمكان إعطاء
فكرة "سلطة الجماهير" لموضوع آخر حيث
إن سلطة الجماهير لا تشمل فقط موضوع
الجهاد بل
تشمل مواضيع شتى تؤدي إلى تلبّس بعض
المشايخ بثوب مختلف لما هم عليه في
الحقيقة، من
ذلك أن بعضهم يتابع مسلسل طاش ما طاش
لكنه لا يصرّح بذلك لأن المسلسل برأي
بعض
المتشددين حرام فلا يريد هؤلاء
"البعض" أن يخسروا مريديهم وجماهيرهم؛
وفي مقابل ذلك
يمكن معالجة ظاهرة تجنيد الشباب من
خلال عرض مأزق يقع به أحد المشايخ
نتيجة حثّه
للشباب على الجهاد فإذا بابنه أول
المستجيبين لهذا النداء دون أن يأخذ
حتى موافقة
والده لأنه جهاد دفع كما تعلّم، وهذه
الحادثة قد عانى منها أحد المشايخ
حقيقة وكانت
درساً لا ينسى له ولغيره.
من المسلسلات التي خيّبت أمل الكثيرين
مسلسل "الحور
العين"، ومع أن الحلقات أو المقاطع
التي رأيتها لا تتجاوز عدد أصابع اليد
الواحدة
فإنه من الممكن القول إن ما يقدمه
المخرج "نجدت أنزور" منذ ظهوره بمسلسل
الكواسر أو
الجوارح ليس أكثر من فانتازيا ليس لها
أي عمق حقيقي، وذلك لما فيه من مزج
الواقع
بالتاريخ على طريقة المسلسل الكرتوني
"فلينستون" الخاص بالأطفال والذي
يستعمل فيه
أهل ذلك العصر القديم الكمبيوتر
وأدوات التكنولوجيا الحديثة بطريقة
مضحكة ومشوهة
للحقيقة، وهكذا فإن مسسلسلات أنزور
السابقة كانت رؤية خيالية لتاريخ قديم
غابت عنا
تفاصيله فأُعيدت صياغتها بشكل أقرب
إلى الصور الحالية وذلك من حيث اللغة
المستعملة
أو الثياب أو الديكور أو الموسيقى
التصويرية مما جعل الشكلانية تطغى على
المضمون،
وهذه الخطيئة لم يكن أنزور المخرج
الوحيد الذي وقع فيها بل سبقه مخرج
أكثر منه
قرباً إلى الشهرة والعالمية وهو يوسف
شاهين في فيلمه "المهاجر" حيث استخدم
الممثلون
اللهجة المصرية العامة مما قلّل من
قيمة الفيلم التاريخية عدا انتقادات
أخرى ليس
هنا مجال بسطها؛ وبالنسبة لمسلسل
الحور العين فيبدو تسطيح العمل الفني
واضحاً حيث
إن حياة المقيمين في المجمّع داخل
المملكة العربية السعودية لم تكن سوى
صورة طبق
الأصل عن حياتهم في مجتمعاتهم الأصلية
مع أن البون شاسع بين الواقع ورؤية
المخرج،
لأن كثيراً من المقيمين في الواقع لا
يشعرون أنهم يعيشون تفاصيل الحياة
الطبيعية
ذات المذاق المختلف عن حياتهم
الاصطناعية في المجمعات السكنية في
السعودية، ولذا
فإن لهم همومهم المختلفة عما صوّره
المسلسل؛ عدا أنه من الفداحة الكبرى
أن تجري
أحداث مسلسل اشتق اسمه من أدبيات
الحركات الجهادية في بلد عانى من هذه
الحركات ما
لم يعانه بلد آخر دون أن تتم معالجة
هذه الأدبيات بشكل يجعل الحبكة
الميلودرامية
أكثر جذباً للمشاهد السعودي والذي
توقّع أن يرى أبعاداً أعمق تعيد للفن
دوره الهادف
في نقد ظاهرة اجتماعية خطيرة كظاهرة
الإرهاب المتوشّح بلبوس الدين.
بعيداً عن
المسلسلات والبرامج المنوّعة في
الفضائيات فإن رمضان يشكل موسماً لبعض
الدعاة
لتكثيف حضورهم الإعلامي، وهو أمر لا
يشكّك أحد بضرورته وأهميته، وبما أن
المساحة
المتبقية لن تتسع لنقد جميع الظواهر
السلبية في الأداء الدعوي فأكتفي بذكر
ظاهرة
الاستسهال لدى بعض الدعاة الذين
يقدمون صوراً تراثية عن الدين لا
تتماشى مع الواقع
الحالي للمسلمين، على سبيل المثال بدء
أحد الدعاة برنامجه عن الرسول عليه
الصلاة
والسلام بوصف الرسول ووجهه وأسنانه
وشعره بطريقة فيها من المبالغات ما
فيها وكأن
همّ المسلمين اليوم هو التدقيق بأوصاف
نبيهم الكريم، مع أن هذا لم يكن إلا
ترفاً
فكرياً مترافقاً مع فترة زمنية مؤهبة
لذلك. أما السمة العامة لغالبية دعاة
الفضائيات فهي الازدواجية، إذ نرى
أحدهم يطالب المسلمين بالاجتهاد
والتجديد ليتناسب
الفقه مع الواقع بينما رسالته في
الدكتوراة ليست إلا مثالاً على فقه
الخيال، ويحكي
لنا داعية آخر عن إقناعه للغربيات
بالإسلام من خلال عرض مكانة المرأة في
الإسلام
بينما هو نفسه يضرب الصفح عن أي
مشاركة للمرأة في المجتمع، وفي قناة
أخرى يحلّ
اثنان من الدعاة ضيفين على قناة تبثّ
من الغرب، فيقعان في فخ الازدواجية
دون أن
يشعرا إذ يتصل أحد المشاهدين فينكر
على مدير الحوار الموسيقى التي يضعها
كمقدمة
للبرنامج، فيحاول المحاور أن يشرح له
الاختلاف الفقهي في موضوع الموسيقى
لكن
الشيخين الضيفين اللذين لا يريدان أن
تنحسر نجوميتهما في بلدهما يتفقان مع
المتصل
على المذيع ويشكرانه على إنكاره
للمنكر، وكأن المذيع ورّط الشيخين
"المسكينين"
اللذين لم يدر بخلدهما أبداً أن كل
برنامج يجب أن يسبق بمقدمة موسيقية،
وإلا فلماذا
لم يشترطا زوال المنكر قبل أن يغمرا
بطلّتهما "المتميزة" شاشة القناة؟ هذه
القناة
ليس لديها القدرة على استضافة أحد ما
لم يتكفّل بمصاريف سفره وإقامته في
البلد الذي
تصدر عنه، فإذا كان المال أو الجمال
هما العاملان الرئيسيان في جعل الممثل
نجماً في
كثير من الأحيان فقد أثبت بعض دعاة
الفضائيات أنهم ليسوا أفضل من
الممثلين
دائماً.
الوطن السعودية 31/10/2005 |