|
هذا السؤال مقتبس من عنوان الحلقة الأخيرة لبرنامج استفتاء على الهواء في قناة
العربية, حيث كانت نتيجة الاستفتاء بنسبة 75% من المشاركين صوّتوا بلا, ونسبة 25%
صوتوا بنعم, وكان ضيف الحلقة الكاتب الصحفي فارس بن حزام, ومع تقدير تميزه بمقالاته
عن تنظيم القاعدة وشؤون الإرهاب, ولكنه في هذا اللقاء أخطأ في ثلاثة أمور:
الخطأ الأول: اقتراحه تغيير مسمى الإرهاب إلى مصطلح
العنف, لأن كلمة الإرهاب مشتقة من كلمة يرهب وترهبون
وهذه الكلمة الأخيرة وردت في القرآن بقوله
تعالى:(ترهبون به عدو الله وعدوكم) واقتراحه هذا ينبع
من تفهمه لحساسية غالبية العرب والمسلمين الذين يرون
أن إرهاب أعداء الله من صميم الدين؛ وخطأ الضيف هنا
يشمل المصطلح والمفهوم معاً؛ فمن حيث المصطلح نجد أن
الإرهاب هو العنف المصحوب بتخويف الآمنين وترويعهم
بالسلاح, ففي لسان العرب كلمة رَهْب - بتسكين الهاء -
تعني النصل الرقيق من السهام؛ ورَهِب - بكسر الهاء -
خاف, وترهَّب غيره: إذا توعده, والرهْبة: الخوف
والفزع, وأرهبه ورهّبه واسترهبه: أخافه وفزّعه؛ أما
العنف فهو الـخُرْقُ بالأَمر وقلَّة الرِّفْق به،
وهكذا فإن الإرهاب أخطر بكثير من العنف, لأنه يترافق
باستعمال السلاح وتخويف الناس, بينما يقتصر العنف على
الأسلوب أو الفكرة دون أن يصل إلى تخويف الغير
وإفزاعهم؛ أما من جهة المفهوم فإن الضيف يدرك أن
الأعمال الإرهابية عمّت العالمين الغربي والإسلامي,
ورفضُ كلمة الإرهاب لأن لها معنى متأصلا في القرآن فيه
موافقة ضمنية على أن الإرهابيين ينطلقون من منطلقات
قرآنية سليمة وفي هذا تبرير لأفعالهم الشائنة, وهو ما
لم يقصده الضيف بالتأكيد ولكنه أخطأ التعبير.
الخطأ الثاني: تفاؤل الضيف بأن الحرب على الإرهاب
ستنتهي خلال سنتين أو ثلاثة واستشهد بالمعالجة الأمنية
الجيدة وإحباط كثير من العمليات الهجومية القاعدية,
بينما هي في الواقع حرب طويلة الأمد ما دامت المعالجات
تعتمد على المجابهات الأمنية دون أن تنال بجدية من
الجذور الثقافية والفكرية والفقهية للإرهاب, ودون أن
تعترف البشرية جميعا بأخطائها سواء على المستوى
السياسي في العالم الغربي الذي باتت توجهاته مختلفة عن
تطلعات غالبية الشعب, كرئيس أمريكا ورئيس وزراء
بريطانيا اللذين فقدا الكثير من شعبيتهما بعد غزو
العراق؛ أو سواء على مستوى أغلب القيادات السياسية في
العالم العربي والتي تبدو إلى الآن كأنها في واد
وشعوبها في واد آخر, فهي لا تعبر عن طموحات الشعوب ولا
تهتم بمعاناتها ولا تحترم مشاعرها بدليل الفساد
المنتشر في أغلب البلاد العربية, وهذا ما ذهب إليه بعض
المتصلين بالبرنامج وعبر عنه بالظلم, فعندما تضيع حقوق
المواطن كيف له أن يشعر بمواطنته وانتمائه لهذا البلد؟
ومما يدل أيضا على طول أمد هذه الحرب الكونية التي
يذهب فيها الناس الأبرياء ضحية تراكمات الأخطاء هو
وجود أمثال محمد صديق خان في المملكة المتحدة, فهذا
الرجل ذو الثلاثين عاما والمتزوج والأب لطفلة والذي
يتمتع بالجنسية البريطانية منذ مولده مما يجعله مندمجا
- ولو ظاهريا - مع سكان المنطقة التي يعيش فيها حيث
يعمل معلما في حضانة أطفال, كل هذا لم يمنعه من القيام
بخيانة لا تليق بمن يتعامل مع الطفولة البريئة ناهيك
أن تليق بمسلم مؤمن ففي الحديث الشريف:(المسلم من سلم
المسلمون من لسانه ويده, والمؤمن من أمنه الناس على
أموالهم وأنفسهم), ولا يصح أن نكذب على أنفسنا بل يجب
أن نعترف أنه بدا مقنعا ومؤثرا مما يعني اقتناعه التام
بما يفعله وصدقه مع نفسه لدرجة أن بعض البريطانيين
تفهّم دوافعه وعذَره؛ وليس بالضروري أن يكون صدق المرء
دليلا على صوابه, ومثال صدّيق يتكرر في كل بلد أوربي,
وهناك بين المسلمين أنفسهم في الغرب من يؤيد الإرهاب
الذي يقوم به تنظيم القاعدة بل ويرى في أسامة بن لادن
بطلا أسطوريا, كما يوجد بيننا في البلاد العربية أيضا
من يتبنون وجهة النظر نفسها, والدليل أيضا من قناة
العربية في حلقة لبرنامج استفتاء على الهواء حول تسليم
أي إرهابي إلى السلطات فكانت النسبة 65% بالموافقة
ونسبة 35% بالرفض, وهذا يعني أن النسبة الأخيرة
متعاطفة مع الإرهابيين أو مؤيدة أو تغض الطرف عنهم أو
تعذرهم؛ على سبيل المثال الداعية الإصلاحي السعودي
الذي استضافه البرنامج وقتها واقترح تغيير صيغة السؤال
لأن في وصف الإرهابي جرح لمشاعر الإرهابيين؛ وبالطبع
فإننا نأخذ كلامه على المحمل الحسن وأنه لا يقصد تبرير
الأعمال الإرهابية إذ التفسير يختلف عن التبرير.
الخطأ الثالث: أظهر البرنامج نتيجة استفتاء سابق دار
حول ابن لادن أيضا وهل كان وحده وراء عمليات 11/9
فكانت النسبة 80% موافقة و20% رفضاً؛ لكن الضيف رأى في
هذه النسبة الأخيرة دعما لنظرية المؤامرة التي تلقي
التهمة على الآخرين وتبرئ ابن لادن من تلك الكارثة,
وكان رأي الضيف أنه ما دام ابن لادن قد اعترف بها فليس
بعد الاعتراف ذنب, وهذا الرأي ذهبت إليه في مقالة
سابقة, لكن كلنا يذكر أن ابن لادن خرج أول مرة ينكر
قيام تنظيمه بهذه العملية, ثم خرج في مرة تالية بعد
شهر أو أكثر يعلن تبنيه لهذه العملية, دون أن تختلف
الظروف بالنسبة له أو لتنظيمه أي دون وجود أي مبرر
لهذا الإنكار الذي تلاه الاعتراف, وسبب هذا التناقض
برأيي أن ابن لادن لم يكن يعلم بالعملية أصلا وإلا
فلماذا ينكرها وهي مجال فخر له؟ ولا يعني هذا الكلام
أن تنظيمه لم يخطط لتلك الكارثة بإيحاء من جهة ما, كما
أنه لا يعني تبرئة ابن لادن الذي يظن مؤيدوه أنه أرغم
أنف أمريكا, إضافة إلى الخلل الفقهي لدى بعضهم الذين
يرون أن ابن لادن اجتهد فأخطأ فله أجر؛ وسبب الخلل أن
الاجتهاد لا يكون في الدماء فهي محرمة بالقرآن والسنة
إلا بالحق, ولا اجتهاد في أصل الأحكام الشرعية التي من
مقاصدها الحفاظ على الكليات الخمس وهي الدين والدم
والمال والعقل والعرض, عدا أن الجهاد له أركان وشروط
غير محققة أصلا في اتجاهات ابن لادن القتالية.
وهذا يجعلنا نأتي على ذكر مؤتمر الإرهاب الذي أقيم في
شرم الشيخ برعاية قناة اقرأ وشارك فيه كثير من الفقهاء
المعاصرين لإظهار تقصير المعالجة الفقهية لجذور
الإرهاب, فقد اجترحوا ثلاثة أخطاء أيضا: أولها أنهم
وإن لم يختلفوا على مصطلح الإرهاب ولم يقترحوا تغييره
- رغم أن بعضهم كان قد دعا سابقا إلى تسميات أخرى
كالإرجاف - فإن هؤلاء الفقهاء لم يصلوا إلى نتيجة
واكتفوا بتكرار نفس الكلام والدعوة لعدم ترويع الآمنين
دون أن يحددوا من هم الآمنون؟ هل هم فقط المسلمون
والمقيمون الأجانب في بلاد المسلمين أم أن كل الشعوب
الغربية هي مستأمنة أيضا وذلك لوجود معاهدات بين الدول
العربية والإسلامية وبين الدول الغربية بما فيها تلك
التي جاءت إلى العراق كأمريكا وبريطانيا وغيرهما؟
وثانيها: إن هؤلاء الفقهاء لم يتعرضوا إلى ما يحدث في
العراق هل هو جهاد أم لا, وذلك لأن قسما كبيرا منهم
أعلن سابقا في بيان أصدره اتحاد علماء المسلمين أن
جزءا مما يحصل في العراق هو مقاومة مشروعة ويجب
التفريق بينها وبين الإرهاب, وكان الأجدر بهم أن
يوجهوا العراقيين إلى طرق المقاومة السلمية ما دامت
أفعال الزرقاوي وجماعته قد خلطت الأوراق حتى لم تُبقِ
للمقاومة الشريفة أي مكان, وما زلنا نسمع الخطب
العصماء لبعض المشايخ العراقيين الذين نحترم مشاعرهم,
ولكن أسلوبهم الخطابي الانفعالي لا يصب في مصلحة
العراق ولا العراقيين. والخطأ الثالث لهؤلاء الفقهاء
أنهم لم يغتنموا هذا المؤتمر ليعلنوا أن الغرب ليس دار
حرب, وأن مسميات دار الكفر ودار الإسلام لم يعد لها
معنى في عصر القرية الكونية الواحدة, ولذلك فإن اتهام
أي بلد بعداوة الله ليس مناسبا للعصر ولا يتفق مع
مصلحة الإسلام والمسلمين بل يؤصل لصراع الحضارات ونبذ
المسلمين في ديار الغرب, كما أنه يؤجج نار العداوة بين
الحكومات العربية وشعوبها بسبب المعاهدات الدولية
ويكرس انفصال الدول العربية بعضها عن بعض.
هذا الانفصال تبدى في مسارعة بعض الدول الخليجية
لإغاثة المنكوبين في إعصار كاترينا بمبالغ خيالية
تتراوح بين مائة مليون دولار ونصف مليار دولار-
والمبلغ الأخير يساوي الميزانية السنوية لبعض الدول
العربية- بينما لم تتعدَّ مساعدات الدول الأوربية
لأمريكا الخيام والأغذية والأدوية, ومع احترامنا لوجهة
النظر التي نصحت المملكة العربية السعودية أن تحذو حذو
الكويت وقطر في مساعدة أمريكا, لكن الأقرباء أولى
بالمعروف كما يقول القرآن, وهناك الذين تضرروا من
العواصف الممطرة التي حدثت في نهاية أبريل الماضي ببعض
أنحاء المملكة كجدة وغيرها وهدمت بيوتهم وغرقت
مستودعاتهم ومات أحباؤهم وإلى الآن لم يحصلوا على أي
تعويض من أي نوع كان. مع ذلك فإننا نرفض أسلوب الشماتة
بأمريكا والذي وسم خطاب بعض الدعاة الخالية قلوبهم من
الرحمة للبشرية؛ فلا عتب على العامة إذا كان هذا
الخطاب الحاقد يسري بينهم وهو أحد جذور الإرهاب
الفكرية المتغلغلة والتي تنتشر انتشار النار في الهشيم
عبر مواقع الانترنت التكفيرية والمتشددة والتي يتم
تجنيد الشباب المراهق عبرها لتنتج طلائع إرهابية جديدة
إلى ما لا نهاية.
الوطن
السعودية 12/9/2005 |