الصفحة الرئيسية
  
في النهوض والتغيير (إبحار ضد التيار) صور من المعاناة في المدارس والجامعات
 
 
 

من أجمل المقالات التي حوتها مجلة المعرفة في عددها الأخير مقالة (آباء المغسلة) المترجمة عن مجلة تايم, وقد عبرت تلك المقالة أجمل تعبير وأصدقه عن شكوى بعض المعلمين من الآباء والأمهات الذين يأتون بأولادهم إلى المدرسة في الصباح ويتوقعون أن يستلموهم في نهاية اليوم نظيفين ومهندمين و(مغلفين في أكياس بلاستيك)!! وتشير المقالة إلى بعض الحماقات التي يرتكبها الأبوان في سبيل الدفاع عن أبنائهم, والمثال الذي افتُتِحت به المقالة كان عن أم اتصلت بمدرّس ابنها في المرحلة الثانوية تعترض فيها على درجة جيد التي منحت لابنها, وكما يقول المرشد فقد ناقشت الأم كل نقطة في واجب ابنها وسرعان ما اتضح سبب انزعاجها الشديد من الدرجة إذ إنها هي من قام بأداء هذا الواجب وليس ابنها.

المقالة بشكل عام حوت وجهة نظر المعلمين والمعلمات بالآباء والأمهات ونحن كآباء وكأمهات لا بدّ أن نعترف أننا نفعل هذا أحياناً؛ ولكن مقالتي هنا ستعبر عن وجهة نظر الآباء والأمهات بالمدارس والجامعات, وهي ليست معاناتي الشخصية وذلك لأني فقدت الأمل بالتعليم العام والخاص والعالمي بعد تجربة سيئة مع هذا كله, وما أنقله هنا ليس إلا مشكلات آباء وأمهات وطلاب وطالبات طلبوا إيصال أصواتهم إلى المسؤولين عبر هذه الصحيفة:

الرسالة الأولى وصلتني من أخ سوداني مقيم في المملكة وقد أرسلها قبل أن تغلق المدارس أبوابها وشغلتني عنها موضوعات أخرى لكني احتفظت بها وأرى الوقت مناسباً لنشرها ضمن مجموعة هذه الرسائل هنا إذ يقول: (أنا أحد أفراد الجالية السودانية وأقيم في المملكة منذ أكثر من 25 عاماً, أبنائي وبناتي معظمهم ولدوا هنا ودرسوا حتى المرحلة الثانوية؛ وكنت حتى وقت قريب أعتبر نفسي واحداً من أبناء هذا الشعب وليس ضيفاً حيث إنني أقمت هنا أكثر مما أقمت في بلدي ولكن التصرفات من بعض الجهلة سواء في العمل أو الشارع والمضايقات التي نتعرض لها جعلتني أغيّر هذا الرأي وأعتبر نفسي متطفلا وغريباً في هذه البلاد. ابني في الصف الأول المتوسط، في يوم من الأيام جاءني حزيناً لأن المعلم وصفه بأنه (صنع) و(عبد) و(أسود)! في اليوم الثاني ذهبت وقابلت مدير المدرسة وشرحت له الحكاية فما كان منه إلا أن قام بمدح المعلم المذكور واصفاً إياه بأنه من خيرة المدرسين فقلت له: إذا كان خيرة المدرسين يتلفظون بمثل هذه الألفاظ فلا يوجد هناك مدرسين أخيار؛ ثم جاء المعلم واعتذر بأعذار واهية مثل أنه لم يكن يقصد إبني بل كان يقصد الطالب الذي يجلس خلفه, فقلت له: أن تخرج هذه الكلمات من معلم سواء لابني أو لغيره فعلى التعليم السلام. اعتذر ووعد بعدم تكرار ذلك مرة أخرى. أول من أمس أثناء الحصة طلب تلميذ قلماً من ابني فناوله ابني القلم، عندها رآه المعلم وبدلاً من أن يوبخه جاء ونتف شعر ابني وترك بقعة فارغة في رأس ابني الذي أخذ يصرخ ويبكي وشعره في يد المعلم. اتصلنا في اليوم الثاني بالمدير الذي لم يصدق ما حصل إلا بعد أن رأى رأس ابني وطبعاً حاول مساعدة المعلم بالخروج من هذه المصيبة وطلب منه الاعتذار لابني واتصل المدير علينا ليبلغنا بخبر الاعتذار وطبعاً قال بأن هذا لن يتكرر مرة أخرى). لا تعليق إلا بأن نتذكر بلالاً الحبشي رضي الله عنه وأنه الوحيد الذي صعد على ظهر الكعبة للأذان يوم فتح مكة.

عائلة سعودية تراجعني في العيادة سلمني الأب فيها رسالة يحكي فيها عن معاناته التي تتكرر كل عام, فبمجرد أن تفتح المدارس أبوابها يبدأ أولياء الأمور باللهاث والجري وراء طلبات المدارس من دفاتر وأقلام إلخ مع ما يسببه هذا من ازدحام على المكتبات وكذلك المشكلات المرورية وغيرها, وهو يقترح على وزارة التربية والتعليم أن يتم التوجيه بإرفاق جميع الطلبات المدرسية للعام القادم من كل سنة مع الشهادات المسلَّمة في نهاية العام كي يكون لدى أولياء الأمور متسع من الوقت لشراء الطلبات المدرسية؛ وأنا بدوري أرى اقتراحه مناسباً أيضاً لتشغيل المكتبات بدل أن يجلس أصحابها فقط ليذبوا الذباب عن وجوههم في محلاتهم الفارغة طوال فصل الصيف.

عائلة سعودية أخرى نجح الولدان والبنت الكبرى في امتحانات الثانوية العامة, بحيث حاز الأول على معدل 87 والثاني على معدل 84 والثالثة على معدل 81 بعد تأثر معدلاتهم بامتحان الرياضيات المشؤوم, وبعد صدور نتائج القبول في الجامعات وجد الأول مكاناً في كلية العلوم, والآخر ما يزال ينتظر رحمة ربه أما الثالثة فقد أقفلت في وجهها جميع الأماكن وليس لديها إلا اللجوء إلى التعليم مدفوع الأجر؛ وهذه الفتاة متفوقة باللغة الانكليزية وسجلت اسمها في امتحانات القبول للكلية الصحية بجدة فنجحت في الامتحان التحصيلي وهو بمثابة اختبار القدرات ورسبت في المقابلة الشخصية مع أن ما طُرح عليها خلالها لم يتعد ثلاثة أسئلة؛ السؤال الأول: كيف تتصرفين إذا وجدت إنساناً مصاباً في الشارع؟ وكان جوابها كما يجيب أي عاقل أي أنها تتصرف حسب الحالة ثم فصّلت الفتاة في الأمر حسب ما تعلم, والسؤال الثاني: إذا تقدّم لك عريس غني ولكنه بشع فهل تقبلينه أو ترفضينه؟ فأجابت الفتاة أنها ترفضه, والسؤال الثالث: ما هو آخر خبر سياسي سمعت به؟ وبما أن الامتحان كان في الأسبوع التالي لخميس لندن الأسود فقد استحضرت الفتاة ذلك الخبر ليكون إجابة لهذا السؤال؛ ومع ذلك فقد رسبت وضاعت عليها فرصة الدراسة في الكلية الصحية؛ وبالطبع فإنها لا تعلم ما هي معايير القبول في المقابلة الشخصية, مثلاً هل لجمال الفتاة دور في الأمر حتى يتم سؤالها عن جمال العريس المتقدم لها؟ وما علاقة سؤال كهذا بكلية التمريض؟ ومن الذي يعدّ هذه الأسئلة "المتفرّدة" التي لا تعلم الفتاة ما هو أفضل جواب لها؟ هل تقول رأيها الشخصي أم أنّ عليها أن تدرس سيكولوجياً من تطرح الأسئلة لتجيبها بما يتفق مع مزاجها؟ هل هذه الأسئلة كمن يمد ساقه على غفلة من المتقدم ليعثر ويسقط إذا كان لا يحمل بعض الفيتامينات المنشطة لذهنية من يطرح أسئلة "متفوقة" كهذه الأسئلة؟ وهل يمكن معرفة شخصية الفتاة ونجاحها المستقبلي في مهنة صحية اعتماداً على ثلاثة أسئلة فقط؟ بالمناسبة فإنه من الغريب في طلبات التقديم للكليات أنها تختلف من كلية لأخرى, فبعض الكليات تكتفي بتقرير طبي عن حالة السمع والبصر لدى المتقدم لها, بينما تطلب الجهات الأخرى كشفاً صحياً شاملاً وتحاليل دم كاملة لتتأكد من سلامة الطلاب أو الطالبات الذين سيلتحقون بها, فما سبب هذا الاختلاف يا ترى؟ وإذا كان من المفيد الاطمئنان على سلامة الطلاب والطالبات فلم لا يعمّم النموذج الجيد على كل الكليات والجامعات؟

من الرسائل التي وصلتني أيضاً رسالة من أخت سعودية متزوجة من عربي ونجح ابنها في امتحان الثانوية العامة بنسبة عالية جداً كما تقول ولكن لم يتم قبوله في الفرع الذي يرغب به بسبب أنه غير سعودي, وقد ذكرتني قصتها بما نشرته الوطن في عددها بتاريخ 25/7/2005 من معاناة سيدة سعودية حاز ابنها المرتبة السادسة على المملكة ورغم ذلك فلم يُقبل في كلية الهندسة بحجة أنه غير سعودي بالرغم من وجود قرار حكومي يقضي بمعاملة أبناء السعوديات معاملة أمثالهم السعوديين؛ ولا مانع هنا من التذكير بأن الولد والبنت يميلان عادة إلى أهل الأم أكثر من أهل الأب, لذلك فمن الطبيعي أن يميل ابن المرأة السعودية إلى هذا البلد أكثر من ميله إلى أي بلد آخر, وعلى كل حال فإذا لم تشفع المحبة والميل فلا بد أن يشفع الذكاء والتفوق حيث أن الفائدة متبادلة بين الطرفين.

أما رسائل الطلاب والطالبات التي وصلتني فقد سبقني بعض الكتاب والكاتبات لإظهار معاناة طلاب الامتياز في كلية الطب لذلك أعتذر عن إعادتها هنا, لكن لا بد من لفت النظر إلى المشكلة الأكبر برأيي لأنها تعمّ جميع الخريجين والخريجات وليست كلية الطب فقط, وهي عدم توفر وظائف لتستوعبهم جميعاً بعد التخرج, كما قرأنا مثلاً عن وضع طبيبات الأسنان وقد يكون من الصعب على وزارة الصحة أن تؤمّن وظائف لجميعهن, لكن أعتقد أنه ليس صعباً مساعدتهن على افتتاح عياداتهن الخاصة أو الحكومية, وخاصة في الريف الذي يحتاجهن وبالطبع فإن تجربة المعلمات اللواتي يذهبن مع الفجر إلى الريف ويرجعن إلى بيوتهن مع المغرب ليست مشجعة لتكرارها مع الطبيبات, وقد ذكرت الحل في إحدى المقالات وهو توفير سكن ملائم للمعلمات العازبات في الأرياف القريبة من محافظاتهن, وبذلك تحفظ دماء كثير من المعلمات التي تراق على الطرقات ولا مانع أن يشمل السكن جناحاً خاصاً بالطبيبات وطبيبات الأسنان, , وبمجرد أن تتزوج إحداهن أو تمضي فترة معينة يتم نقلها إلى مكان أقرب أو إلى مكان إقامتها؛ وهي خبرة جيدة رغم صعوبتها كما أنها تساهم في حل مشكلة السعودة, وما ينطبق على الشابات ينطبق على الشباب, وعلى كل حال فهي أفضل من الجلوس بدون عمل بعد التخرج, لأن شعور الإنسان بقيمته لا تكون إلا عبر ما يقدمه للمجتمع من خدمات وعبر ما تقدمه الدولة له من وسائل تساعد على انتشاله من أوحال البطالة المملة والفراغ القاتل والحاجة المالية الملحة.

الوطن السعودية 1/8/2005

 

   
 

     

حقوق الطبع محفوظة لموقع د. ليلى الأحدب © 2005 تصميم وتطوير موقع الثريا |