|
كل ما يقع من أحداث عالمية تأتي نتائجه الآنية في غير صالح الإسلام والمسلمين, وكل
شيء من حولنا تقريباً ينبئ بأن الأمة العربية المسلمة لن تفيق من غفوتها ولن تقف
بعد كبوتها؛ خاصة وأن غالبية من يُفترض بهم أن يكونوا ضمير الأمة باتوا يفتقدون
جرأة التعبير عن هذا الضمير الحرّ إما خوفاً من بطش الحكومات المستبدة في بعض
البلاد أو خشيةً من صوت الغوغاء المعمَّمة والمجلْبَبة بالدين في بلاد أخرى أو
رهبةً من سيف الإرهاب الذي أصبح مُعوْلَماً بجدارة غير متناهية.
آخر المثقفين صمتاً بسبب تهديدات إرهابية كان الكاتب
المصري سيد القمني, ولقد اخترت وصفه بالكاتب مع إجزال
الشكر له لأني طالما بحثت عن معنى لكلمة (المفكر) في
قاموسنا العربي المتداول, فلم أجد لها معنى إلا بعد أن
استقال القمني من مهنة الكتابة؛ وإذا كان الدكتور علي
حرب لا يوافق على هذه الكلمة (المفكر) حيث أنها لا
يوجد لها مرادف في غير اللغة العربية, فأعتقد أن علي
حرب - بعد قرار الصمت للقمني - يوافق على أن المفكر
الحقيقي هو من لا يستطيع أن يستقيل من مهمّة التفكير؛
وفرق كبير بين المهنة والمهمة, ويبدو لي أن القمني لم
يكن سوى ممتهناً للكتابة, ولعلّه بعد أن استقال منها
يبحث عن مهنة أخرى للارتزاق!
من الأمور التي يرفضها علي حرب أيضاً وجود المثقف
الرسولي أي المثقف الذي يدّعي امتلاك الحقيقة المطلقة,
وهو ما ينبغي موافقته عليه لأننا لم نعد في زمن
الحقائق المطلقة بعد أن جاء الإسلام مؤكداً على الأسس
الكبرى لهذه الحقائق الممثّلة بالإيمان المجمل
والمفصّل, وإن كان ليس ثمة ما يمنع من التساؤل حول
المطلق اقتداءً بقول إبراهيم عليه السلام:(ولكن ليطمئن
قلبي), ومع ذلك فإن الإيمان بهذه الحقائق المطلقة لا
يبرِّر بحال أن نتوقف عن البحث - كما أذكر دائماً - عن
الحقائق النسبية المتغيرة المناسبة لكل زمان ومكان؛
وهذه هي مهمة المثقف الرسالي, لذا يجب أن ننتبه إلى
الفرق بين المثقف الرسولي والمثقف الرسالي, وهو المثقف
الذي يحمل رسالة تفعيل المجتمع من أجل تطويره من خلال
تساؤلاته المستمرة وانتقاداته البناءة, بحيث يمكن
اعتبار هذا المثقف كعجلة في عربة التغيير؛ وإذا كان
المثقف السياسي يستطيع أن يضع العربة على مسار التطور,
فإن مهمة المثقف الرسالي تتمثّل في دفعها للأمام مع
المحافظة على توازنها خشية السقوط في وَهْم التقدم وما
هو إلا الانحدار والتخلف؛ ولكن عندما يكون المثقف بدون
رسالة أساساً فهو ليس إلا دعيّ من الأدعياء, ويبدو لي
أن سيد القمني هكذا كان, لذا فقد أصاب الدكتور شاكر
النابلسي كبد الحقيقة عندما نعته بالمفكر
الجبان.(إيلاف 17/7/2005)
مبررات القمني كانت الخوف من تهديدات جماعة إرهابية في
مصر أعلنت غضبها عليه نتيجة كتاباته في مجلة روز
اليوسف, وقد أعلن أن آخرها كان خطاب تهديد وصله عبر
البريد الالكتروني يطلب منه أن يعلن توبته عن كتاباته
الكفرية خلال أسبوع, وإلا فإن مصيره سيكون كمصير فرج
فودة وغيره, ولما كان ابن فرج فودة لم يلقَ الدعم
الكافي من الدولة بعد مقتل والده, فإن القمني خشي على
أولاده سوء المصير, وفضّل أن يعلن صمته إلى الأبد
ليبقى له من العمر ما يكفي لرعاية من يستحق رعايته
(فلذات كبده) على حدّ قوله؛ وقد تتالت ردود الأفعال
على اختياره عبر مقالات متنوعة, فمن مؤيّد ومن معارض,
وليس لأحد أن يفرض رؤيته على القمني, ولكن من حقّ أي
مثقف يحمل مشعل التنوير لمجتمعه وأمته أن يقول رأيه في
هذا الأمر لأنه خطير جداً, فلو كان مجرد تراجع عن
الرأي بعد عثور القمني على آراء أكثر مصداقية, لوَجب
الترحيب بهذه المراجعة الضرورية لجلاء الصدأ عن
الأفكار نتيجة التقادم, لكن أن يأتي هذا التراجع نتيجة
ضغط وتهديد, فما الذي كان يتوقّعه القمني بعد أن دخل
منطقة التفكير المحرّمة؟
بالطبع فإن بعض آراء القمني تستحق أن يعود عنها لأجل
الله والحق كوجهة نظره عن الفتوحات الإسلامية أنها
غزو, وهذه الفكرة لا بد من معالجتها ولو بإيجاز في هذه
العجالة, إذ الإسلام كما يراه كل صاحب يقين وضمير حر
هو نور أنزله الله سبحانه لتستضيء به البشرية في ليلها
الحالك, ولذا يخطئ كل مثقف عندما يبحث عن حلول للأزمات
المتتالية التي وقعت بها الأمة العربية المسلمة منذ
زمن طويل فلا يجدها إلا في التخلي عن هذا الدين
العظيم, فكيف يمكن أن تقبل طروحاتِه الشعوبُ العربية
التي يشكّل الإسلام الجزء الأرقى والأنقى من وعيها
ولاوعيها ومن تاريخها وجغرافيتها؟ للإنصاف نذكر أنّ
عمر بن الخطاب رضي الله عنه طلب من واليه على مصر أن
يكفّ عن افتتاح البلاد غرباً, وذلك لأن عمر كان يخشى
من اتساع رقعة الدولة الإسلامية بحيث لا يصبح قادراً
على حمل المسؤولية وأداء الأمانة وهو المعروف بتقواه
وخشيته الشديدة من الله كما يظهر من قوله:(لو عثرت
بغلة في العراق لخشيت أن يسألني الله عنها)؛ ومع ذلك
استمرت الفتوحات الإسلامية بعد استشهاده حتى وصلت
الأندلس؛ ولسنا في معرض الإنكار على الفاتحين الذين
أتوا بعد عمر, إذ يكفي أن تلك الفتوحات لم تتصف بالبطش
بل كان ديدنها الرحمة, والشواهد كثيرة في هذا السياق
منها القول المشهور لغوستاف لوبون:(ما عرف التاريخ
فاتحاً أرحم من العرب) ومنها وصف
ويل ديورانت لدولة الأندلس
في قصة الفلسفة: (ازدهر اليهود في إسبانيا وجمعوا
الثروة، إلى أن قام فرديناند بإخراج المسلمين منها
نهائيا؛ وهنا فقد اليهود في
إسبانيا الحرية التي تمتعوا بها وعاشوا تحت ظلها تحت
حكم المسلمين المتساهل)
وكذلك ما ذكرته في كتابي "حوار الثقافات" من سؤال
فولتير للجنيّ الذي قاده ليرى جبال الجماجم الناجمة عن
مذابح التعصب الديني: هل يوجد غير اليهود والمسيحيين
من كان حماسهم الديني يتحول بحقارة إلى عصبية ورعب
وبطش؟ فيجيب الجني: تلطّخ المحمديون – هو اللقب الذي
يطلقه فولتير على المسلمين وقد نقلناه وإن كنا لا نتفق
معه فيه - بنفس الروح اللاإنسانية لكن بشكل نادر,
وعندما كان أحد يطلب منهم الأمان ويعطي الجزية فإنهم
يعفون ويسامحون؛ أما بالنسبة للأمم الأخرى فقد كان لا
يحقّ لأحد يخالفهم أن يبقى في العالم الذي طالما تحوّل
إلى حرب دينية واضحة.
وإذا كان القمني قد أخطأ في نظرته إلى الفتوحات
الإسلامية, فإنه لم يكن مخطئاً في رأيه حول الجهاد؛
لأن جهاد الدفع مفاده ردّ العدوان وهو ما تقرّه جميع
الشرائع والقوانين, وجهاد الطلب شُرع لتحرير الشعوب من
الامبراطوريات الظالمة ليكون للمرء الحرية الكاملة في
اختيار الدين الذي يريده دون إكراه؛ أما الآن فنحن في
عصر الانترنت وهي فتحٌ لمن يريد أن ينشر الإسلام
بطريقة سلمية حضارية, لذا فإن الحاجة ملحّة إلى إعادة
النظر في مفهوم الجهاد الذي لا يحقّ لمسلم أن ينكره
كفريضة مقدسة لكن دون إغفال تنوّعها فمن جهاد النفس
بالتربية والتزكية إلى جهاد المجتمع بالحكمة والموعظة
الحسنة إلى جهاد الحاكم بالقول اللين والتذكير الناصح,
وأما الجهاد القتالي فلا يمكن أن يوجَد قبل قيام
المجتمعات المسلمة على أسس صالحة من العدالة والحرية
والشفافية وهو ما يحتاج جهاداً بالمقاومة السلمية
نظرياً وعملياً حتى تخلو هذه المجتمعات من الظلم
والاستبداد والفساد؛ وأما أيديولوجيات السلفيين
الجهاديين الذين يرون أن العالم يجب أن يتحوّل بحدّ
السيف إلى الإسلام, فهي مخالفة تماماً لسيرة النبي
عليه الصلاة والسلام مع يهود المدينة ونصارى نجران
ومجوس البحرين ومخالفة أيضاُ لعمل السلف الصالح ومنهم
عمر الذي ألغى من الزكاة سهم المؤلفة قلوبهم وعندما
سُئل عن ذلك قال: (لقد أعزّ الله الإسلام فمن شاء
فليؤمن ومن شاء فليكفر) وعندما فُتحت البلاد في عهده
ترك للناس حرية البقاء على دينهم بما فيهم من يهود
ونصارى وصابئة ومجوس وغيرهم, يشهد بهذا كل مؤرخ منصف
كما يتضح من قول الدكتور
إدمون رباط:(من الممكن وبدون مبالغة القول بأن الفكرة
التي أدت إلى إنتاج السياسة الإنسانية-
الليبرالية- إذا جاز استعمال هذا المصطلح العصري، إنما
كانت ابتكارا عبقريا؛ وذلك لأنه للمرة الأولى في
التاريخ انطلقت دولة دينية في مبدئها، ودينية في سبب
وجودها،
ودينية في هدفها، ألا وهو نشر الإسلام من طريق الجهاد
بأشكاله المختلفة من عسكرية
ومُثُلية وتبشيرية، إلى الإقرار بأن من حق الشعوب
الخاضعة لسلطانهم
أن تحافظ على معتقداتها وتقاليدها وتراث حياتها؛ وذلك
في زمن كان يقضي المبدأ
السائد فيه بإكراه الرعايا على اعتناق دين ملوكهم)؛
وعودةً إلى القمني فإن عذره بالخوف على حياته وتفضيله
أن يتفرغ لأولاده مفهوم وإن كان غير مقبول, وذلك لأن
المثقف الرسالي, وهو عجلة في عربة التغيير كما أسلفنا,
لا يستطيع أن يقرر أيهما أغلى: ولده أم فكره فالأول من
صلبه وقلبه والآخر من وجدانه وعقله, ولأجلهما معاً
يحيا, وكلاهما يرعى ويربي ويطور ويستثمر, أما الموت
فلا يقرّره البشر لأنه بيد رب العزة القائل:(أينما
تكونوا يدرككم الموت ولو كنتم في بروج مشيدة), ولقد مر
بهذه الأزمة كثير من دعاة الإصلاح والتغيير عبر
التاريخ, ونتوقع أنها في قادم الأيام لن توفِّر أحداً
من الفقهاء المستنيرين أو المثقفين التنويرين أو حتى
السياسيين المصلحين, ولكن رغم أنها أزمة فهي جيدة
لمعرفة قدرة العجلة على التحمّل, وهل هي أصيلة أم
مزيفة مما جعلها تهترئ بسرعة!
الوطن
السعودية 25/7/2005 |