|
ما ينطبق على الإرهاب الذي أصبح يوصف بالإرهاب الإسلامي والذي يبرَّر بإعزاز
المسلمين وهو في الحقيقة يشوّه صورة الدين, ينطبق تماماً على فهم الحدود الشرعية
وتطبيقها بشكل منفّر من الدين, والأمر في الحالتين ناجم غالباً عن خلل في إدراك
المعاني الإنسانية لأحكام الجهاد والحدود, وقد تناولت تحوّل الجهاد إلى إرهاب في
مقالات عديدة سابقة, وسأخصص هذه المقالة للفهم الخاطئ لمعنى الحدود الشرعية وآليات
تطبيقها؛ فمع أن الحدود هي أساس عظيم في الشرع الإسلامي, لكنها كثيراً ما تصبح
سيفاً مسلطاً على رقاب الناس باسم الدين بدل أن تكون كما أراد رب العزة سبيل أمان
نفسي واستقرار أسري وسِلم اجتماعي؛ لذا فإن المشكلة ليست ناجمة عن وجود الحدود في
الدين الإسلامي كما يظن بعض المدافعين عن حقوق الإنسان في الغرب وأتباعهم لدينا, بل
عن فهم الواقع وإنزال الحكم الشرعي عليه وهي بذلك ناجمة عن خطأ في الفهم من جهة وعن
خلل في التطبيق من جهة أخرى.
الحكمة من إقامة الحدود هي تأديب الشخص الذي اجترحها
وكذلك كي يرعوي الأفراد الآخرون فلا يكررونها, وليست
الغاية منها التشهير بالمخطئ أو التقليل من شأنه؛
فكلنا نعلم كيف كان الرسول عليه الصلاة والسلام يتعامل
مع شارب الخمر إذ يقيم عليه حد الجلد ومع ذلك يعتبره
مسلماً محباً لله ورسوله, وقد أوردنا في مقالة سابقة
قوله عن ماعز رضي الله عنه, وهو قريب من قوله في حديث
الغامدية من صحيح مسلم: (فجاءت
الغامدية
فقالت: يا رسول الله
إني قد زنيت فطهرني, وإنه ردّها فلما كان الغد قالت:
يا رسول الله لِمَ تردني لعلك أن تردني كما رددت ماعزا
فوالله إني لحبلى, قال:(إما لا فاذهبي حتى تلدي) فلما
ولدت أتته بالصبي في خرقة, قالت: هذا قد ولدته
قال:(اذهبي فأرضعيه حتى تفطميه), فلما فطمته أتته
بالصبي في يده كسرة خبز فقالت: هذا يا نبي الله قد
فطمته وقد أكل الطعام فدفع الصبي إلى رجل من المسلمين
ثم أمر بها فحفر لها إلى صدرها وأمر الناس فرجموها
فيقبل خالد بن الوليد بحجر فرمى رأسها فتنضح الدم على
وجه خالد فسبها فسمع نبي الله سبه إياها فقال:(مهلا
يا خالد فوالذي نفسي بيده لقد تابت توبة لو تابها صاحب
مكس لغفر له) ثم أمر بها فصلى عليها ودفنت.
هذا الحديث يبين لنا مدى رحمة الرسول بهذه المرأة رغم
اقترافها الفاحشة, وهناك كثير من الأحاديث تظهر لنا
أنه لم يعاقب على فعل يكاد يقترب من الزنا, كالحديث من
صحيح مسلم أيضاً:
جاء رجل إلى النبي
فقال: يا رسول الله إني عالجت امرأة في أقصى المدينة
وإني أصبت منها ما دون أن أمسّها فأنا هذا فاقض فيّ ما
شئت, فقال له عمر: لقد سترك الله لو سترت نفسك, قال:
فلم يرد النبي شيئاً, فقام الرجل فانطلق فأتبعه النبي
رجلاً دعاه وتلا عليه هذه الآية:(وأقم
الصلاة طرفي النهار وزلفا من الليل
إن الحسنات يذهبن السيئات
ذلك ذكرى للذاكرين),
فقال رجل من القوم: يا نبي الله هذا له خاصة؟ قال:(بل
للناس كافة)
هنا تظهر لنا كيفية فهم عمر رضي الله عنه للأحكام
الشرعية, وهو الفهم الذي استمر عليه عمر في خلافته إذ
عطّل حد السرقة في عام الرمادة فألغى قطع يد السارق,
وعندما سرق غلمان لحاطب
بن أبي بلتعة بعيراً وذبحوه وأكلوه
قال:(يا حاطب قم
الساعة فابتع لربّ البعير بعيرين ببعيره) ففعل حاطب
وجُلدوا أسواطاً وأُرسلوا؛ أي طلب عمر
من حاطب أن يفتدي فعلتهم بإعطاء صاحب البعير بعيرين
بدلا عنه وجلد السارقين عدة أسواط ولم يقطع أيديهم
والسبب غالباً أنهم كانوا جوعى فرأى أن يغرِّم سيدهم
لأنهم لم يسرقوا بغاية السرقة إنما بسبب الجوع؛ لذلك
كثيرا ما يتعجب المرء عندما يسمع بأن تعزيراً فاق
الحدّ, ولشبهة الزنا مثلاً, مع أن التعزير يجب ألا
يتجاوز الحدّ بحال من الأحوال, ومع أن الحدّ لا يقام
إلا على من اعترف بجريمة الزنا أو رآه أربعة شهود
مشهورين بالعدالة والضبط, وهذا الشرط وحده يظهر لنا
أنه يستحيل تطبيق حدّ الزنا إلا على شخص اعترف أو مارس
الجنس العلني تقريباً, وليس لمجرد الاشتباه أو حتى
وجود الخلوة بأي شكل ما لم تكن على الشكل الذي سأله
الرسول عليه الصلاة والسلام لماعز رضي الله عنه بأكثر
من عبارة (لعلك قبّلت؟) وهو سؤال لا يمكن كتابته في
صحيفة سيارة رغم أنه ورد في متن الحديث فيُنصح بالرجوع
له في كتب الصحاح.
إن الشريعة أحكام وأوضاع أي أن الحد لا ينفَّذ إلا إذا
وُجدت شروطه, ولا ينفَّذ إذا وُجدت شبهة حول حدوث
الفعل, وقد قال عليه الصلاة والسلام:(ادرؤوا الحدود
بالشبهات) والمشكلة تكمن في خلو آليات تطبيق الحد من
الرحمة التي عُهدت عن الرسول عليه الصلاة والسلام
وكذلك انعدام المنطق في تقرير العقوبة عندما يزيد
التعزير عن الحدّ المقرر للفاحشة أو الجريمة مع أن
الجناية التي استوجبت التعزير أقلّ من الجريمة الموجبة
للحد؛ وبما أن الذين يقرّرون الحد وآلية تنفيذه هم من
المنتسبين إلى العلم الشرعي فمن واجبهم أن يجمعوا بين
العلم والرحمة ويلمّوا بالفقه وعلم المنطق, بحيث ينطبق
عليهم قول الله تعالى عن الخضر عليه السلام:(آتيناه
رحمة من عندنا وعلمناه من لدنا علما), وعندما يخلو
العلم – سواء الديني أو الدنيوي - من الرحمة فإنه
يتحول إلى دمار, كاختراع الذرة الذي يمكن استخدامه
لعلاج السرطانات المستعصية وفي نفس الوقت يمكن
استغلاله لإبادة البشر؛ كذلك عندما ينتفي المنطق من
الفقه فإن الخلل يسود في الصعيد الفقهي وينتقل منه إلى
كل الأصعدة التي لا شك تتأثر به في مجتمع مسلم, ولا
ننس أثر الدين على النفوس المسلمة لذلك يخطئ من يرفض
إنكار مفتي المملكة على الأندية الرياضية تنافسها
المحموم في شراء لاعب ليرتفع سعره إلى ملايين الريالات
لأن المفتي - حفظه الله - قام بدوره في تأكيد هيمنة
الدين على جانب هام من حياة المسلمين كالرياضة التي
أصبحت - نتيجة بيع اللاعبين - بمثابة تجارة ولم تعد
مهارة, وهو نوع من الاحتكار الذي يقوم به النادي
الأغنى تجاه النادي الأفقر, والإسلام حرّم الاحتكار
بكل أشكاله, وإذا كان بعض الكتاب قد طلب من المفتي
التدخل في عدم رفع أسعار المواد فإن لي طلبا سأؤجله
لنهاية المقالة ولي طلب سأعجلّه بمناسبة كلامي عن
المنطق, وهو السماح بتدريس الفلسفة كمادة في المدارس -
خاصة الثانوية - على أن تكون هي الفلسفة الإسلامية
التي تعتمد علوم الكلام الراشدة, ولا يغيب عن المفتي
أن مادة أصول الفقه لا يمكن الإبحار فيها لصعوبتها ما
لم يحز المتعلم شيئاً من علم المنطق, والغاية من ذلك
أن يُزال عن الفقه التقليدي الجمودُ الذي يجعله عاجزاً
عن توليد أحكام فقهية مسايرة للتغيرات التي تطرأ على
المجتمعات المسلمة؛ هذا إذا لم نفكر فعلاً في إدخال
علوم المنطق من المرحلة الابتدائية وبشكل يتلاءم مع
عقل الطالب ووعيه, وهو أمر موجود في كتب الدراسة في
العالم المتقدم, على سبيل المثال يتعلم التلميذ في
المرحلة الابتدائية الربط بين المقدمة والنتيجة, كذلك
التفريق بين الرأي والحقيقة, وأيضا المقارنة بين
موضوعين متشابهين والمفارقة بين أمرين مختلفين, وغير
ذلك كثير مما يتمّ بحثه في دروس القراءة وليس في مادة
منفصلة؛ وإذا كنا نعيب على الغرب الغلو في العقلانية
والمادية فليس ذلك مبرراً لنا أن نفرط في الاتكالية
واللاعقلانية.
بقي أن نتعرض لحد القصاص عند القبول بالدية, خاصة مع
تكرر هذه المأساة في المجتمع السعودي بين قتل خطأ وقتل
متعمد, ففي الأول تجب الدية ولا يجب القصاص أما في
القتل العمد فالقصاص حكم مشروع وتأتي الدية في المرتبة
الثانية لدى قبول أهل المقتول بها, كما جاء في تفسير
ابن عباس رضي الله عنهما:
كانت في بني إسرائيل
قصاص ولم تكن فيهم الدية فقال الله لهذه الأمة:(كُتب
عليكم القصاص في القتلى..
إلى هذه الآية..
فمن عُفي له من أخيه
شيء)
قال ابن عباس: فالعفو أن يقبل الدية في العمد قال:(فاتباع
بالمعروف)
أن يطلب بمعروف ويؤدي بإحسان. وكما هو
معلوم فإن الدية في القتل الخطأ هي مائة ألف ريال -
وذلك بعيدا عن الخلاف الفقهي في حالة الرجل أو المرأة
لأنه ليس موضوع المقالة - وهو مبلغ منطقي ومعقول, لكن
كيف تصبح الدية في القتل العمد ستة ملايين ريال؟ هذا
ما أوردته صحيفة الوطن مؤخراً عن شاب من القطيف بعمر
17 عاما قتل شخصا بعمر 55 عاما والشاب ينتظر جمع الدية
لفك رقبته من السيف, علماً بأنه يُعتبر في منظمات حقوق
الإنسان طفلاً لا يجوز إيقاع حكم الناضج عليه, وهذا
وإن كان لا يتفق مع شرعنا الذي يتحمل فيه الفرد
المسؤولية عن أعماله منذ سن البلوغ, لكنه يقترب من
تفريق الرسول عليه الصلاة والسلام بين الشاب والشيخ في
الخطيئة والجريمة في أحاديث كثيرة؛ وبعيداً عن هذا
الشاب الذي لم تُعرف ملابسات الجريمة سوى أنها نتيجة
مشاجرة, فإن آية القصاص خاصة مع تفسير ابن عباس - وهو
ترجمان القرآن - لها تشير إلى أن الدية في القتل العمد
ما شُرعت إلا من أجل العفو وليس من أجل شيء آخر
كالثراء مثلاً, فهل يتدخل المفتي في إيقاف هذه الظاهرة
التي تسيء إلى دين الإسلام وإلى المجتمع السعودي؟ هل
ينكر رفع أسعار القتلى والميتين كما أنكر رفع أسعار
اللاعبين؟
الوطن
السعودية 18/7/2005 |