الصفحة الرئيسية
  
في النهوض والتغيير (إبحار ضد التيار) النقد الذاتي في النفس والمجتمع
 
 
 

أثار إعجابي ما كتبه الدكتور خالص جلبي في عموده اليومي في صحيفة الوطن حول ندمه على خطئه مع أخته عندما عارض متابعتها لدراستها، وإن لم يُثِر عَجبي, ذلك لأنه يصدر عن شخصٍ يعدُّ – على حد علمي- أوّل من كتب عن النقد الذاتي في الحركات الإسلامية؛ وهكذا يعلّمنا الدكتور خالص كيف نتخلّى عن التنظير لننخرط بفاعليةٍ في وسيلة من أهم وسائل التطوّر والارتقاء بالذات الفردية والمجتمعية, إذ تغيب هذه الأداة في كثير من ممارساتنا الحياتية فتتضخّم الذات مما يحول دون التغيير والتطوير, وإذا أشرقت شمسها في بعض النفوس فإن المغالاة بها تُحيلها إلى جَلدٍ للذات, بحيث يضيع منا مفهوم الوسطية في كل مرة ندّعي أننا ننادي به ونعلي من شأنه. أما الوسط بين جلد الذات والرضا عنها فهو تقبلّ الذات, وقد كتبت عبارةً في مقدمة كتابي "حوار الثقافات مدخل لقراءة الآخر ونقد الذات" أرى فائدة في تسجيلها هنا وهي: «لا يمكن أن نخطو خطوة واحدة في بناء الحضارة إلا عبر تقبل الذات أولاً لتكون مدخلاً لتقبل الآخر ثم الاستفادة من تجارب الآخر في نقد الذات وتصحيح أخطاء المسيرة».

أعتقد أن تقبل الذات مفهومٌ سابقٌ على نقد الذات, فتطوير الشخصية يقتضي تغيير طريقة التفكير، ويبدأ ذلك بتحديد الأفكار السلبية المتخفية بصورة النقد الذاتي واستبدالها بأفكارٍ إيجابيةٍ, وعندما يصبح المرء أكثر قوةً بفضل الأفكار الإيجابية يستطيع تقبلّ ذاته ويتحقق التغيير بشكل تلقائيّ وتدريجيّ؛ أما البدء بنقد الذات دون تقبلها فيؤدي إلى الاستغراق في لومها وجَلدها ومن ثمّ إلى شعور بالإحباط واليأس. وعندما انتقدت أخطاء أحد الإسلاميين لعدم إتّباعه سلَّم الأولويات، إذ يمنح المرتبة الأولى لما كان مهمّاً في عصورٍ سابقةٍ بدل أن يلقي الضوء على أسباب تخلفنا الحقيقي, سألني أحد الشباب الواعين الذين أعوّل عليهم مستقبلياً في إيقاظ الأمة من سباتها فيما إذا كنت لم أخطئ سابقاً, فصارحته أن تجاربي السابقة فيها الكثير من الأخطاء, فاستنتج أنه لا يحقّ لي توجيه النقد لأحد, فصحّحت له فهمه بأن أخطائي السابقة كانت على صعيد فرديّ، ولم يكن لها أدنى تأثير على المجتمع, ومع ذلك فأنا أتقبل نفسي لأقترب منها وأتبصّر عيوبها، ومن ثم أتمكّن من تطويرها؛ أما عندما أنتقد غيري فلأنه يعني لي تتمة الذات المجتمعية، فأنا أتقبل الشخص الذي انتقدته, لذلك أقترب من أفكاره وأدرسها بحياديةٍ ومن ثم أستطيع نقدها, ولو لم يكن لديّ شعور بتقبّله لما استطعت أن أقرأ وأفهم حرفاً واحداً مما يَكتب أو مما يُكتب عنه, إلا بتحيّزٍ مرفوضٍ, وكونُه يشكّل خيطاً هاماً في نسيج المجتمع الذي أنتمي إليه لما له من أتباعٍ, فمعنى هذا أن خطأه ليس مقتصراً عليه كفرد, وإنما يتعدّاه إلى الكثيرين, أي إلى البِناء العام لثقافة المجتمع, ولقد ورد في سنن الدارمي قول النبي عليه الصلاة والسلام: «اتقوا زلة العالم فإنّ بزلته يزلّ قومٌ كثيرون»؛ ومن الواضح أن النقد البنّاء يختلف عن النقد الهدّام والذي تكون غايته إفساد كلّ فريقٍ لسمعة الآخر.

كنت في حواري مع هذا الشاب حريصةً على تشجيعه أن ينتقدني رغم أن عمري ضعف عمره تقريباً, لأني بذلك أساهم في تمكينه من التسلّح بالتفكير النقدي والذي لا تخفى فوائده الجمة, منها أن يصبح أكثر ثقةً في النفس واعتدالاً في المواقف وتسامحاً في التعامل وتحرراً من الانغلاق والغلوّ, وهو التوجّه الديني المنفتح الذي لا يكفّر المجتمع من حوله ولا يفقد الأمل في صلاحه ولا يتقوقع على نفسه، بل يعيش مع المختلف معه ويحاوره ويسعى لإقناعه؛ ومنها كذلك ألا يقبل بأي قولٍ أو رأيٍ أو فكرٍ قبل أن يفحصه ويتساءل عن قيمته, وفي هذا تحصينٌ له من سيطرة الآراء المعلّبة والفتاوى الجاهزة والأحكام المتسرعة, وتكريسٌ للاستقلالية في التفكير وهي مسألة ضرورية لإظهار مصداقيتنا أمام الآخرين إذ عندما نمارس نقداً ذاتياً لمجتمعاتنا وثقافاتنا وسياساتنا نكون كمن يقول لهم: نحن أولى بأنفسنا منكم, فكفّوا عن التدخل في شؤوننا؛ تماماً كما هو نقد المرء لنفسه بنفسه، فحينما يتردّد شخصٌ على المرآة بين حينٍ وآخر، فإنه يتفرّس في عيوب نفسه ونواقصها ليصلح ما يمكن إصلاحه قبل أن يخرج إلى الناس, فقلقه مما يقوله الآخرون عنه قلقٌ طبيعيّ وهو دليل الاستواء النفسي, ولكن بقدر ما يكون دقيقاً وصريحاً مع نفسه بقدر ما تنكمش دائرة النقد الخارجي، فالناس ينتقدونك إذا أهملت نفسك، أمّا إذا كنت قد هذّبتها جيِّداً، فإنك ستكون محلّ ثنائهم؛ وما يصدق على الفرد يصدق على المجتمع.

ويعدّ النقد الذاتي والنقد البنّاء للآخرين واجباً إسلامياً فالتوبة الفردية وطلب المغفرة نوع من النقد الذاتي، وقد بدأ بذلك آدم وحواء عليهما السلام:}ربنا ظلمنا أنفسنا وإن لم تغفر لنا وترحمنا لنكونن من الخاسرين{[الأعراف7/23]. أما إبليس فقد نسب الخطأ لغيره فخاطب ربه قائلاً: }فبما أغويتني..{ [الأعراف7/16] ،وما سبب طرده من الجنة إلا غروره: }أنا خير منه{[الأعراف7/12] والغرور هو بداية الطريق للسقوط, لأنه يمنع من التبصر بالنفس ومراجعتها وتطويرها كما يعيقها عن تقبل النقد البنّاء؛  هذا على المستوى الفردي أما على الصعيد المجتمعي فالنصيحة لله ولرسوله وللمؤمنين عامتهم وخاصتهم؛ وهنا يمكن استحضار قول أحد المفكرين العرب:«إننا ما نزال أحوج إلى فكر نظري نقدي تأسيسي، وخاصة في هذه المرحلة من حياتنا العربية التي يتفاقم فيها التشتت والتفكك والتسطح والاغتراب والتخلف في الفكر والواقع على السواء، على حين يتفجر عصرنا بمنجزات معرفية وتكنولوجية باهرة تكاد تشكل نقله جديدة في حضارة الإنسان». وبينما يصنف بعض المتشددين الإسلام على أنه ضدٌ للحداثة يرى بعض المثقفين التنويريين أنهما ينطلقان من التغيير التجديدي التطويري التجاوزي للواقع الإنساني والاجتماعي, فالحداثة تصحح أخطاءها بتفكيك مقولاتها وبديهياتها وإعادة تركيبها بنمطٍ جديدٍ معتمدةً على النقد الذاتي, والإسلام يوضّح لنا أن التغيير لا ينبع إلا من الأنفس:} إن الله لا يغير ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم{[الرعد13/11].. ولا يكون إلا بالاعتراف بالخطأ: }والذين إذا فعلوا فاحشةً أو ظلموا أنفسهم ذكروا الله فاستغفروا لذنوبهم{[آل عمران3/135], والتوبة ليست عن الخطايا الفردية والذنوب الأخلاقية فقط، بل هي أيضاً عن الأخطاء الاجتماعية والسياسية؛ فالآيات التي أنزلت بعد غزوة أُحُد تحليلٌ نقديّ لأسباب الهزيمة }إذ تُصعدون ولا تلوون على أحد والرسول يدعوكم في أخراكم{[آل عمران3/153] وكذلك في غزوة حُنين }ويوم حنينٍ إذ أعجبتكم كثرتكم فلم تُغنِ عنكم شيئاً{[التوبة9/25]. وفي مقولة عمر رضي الله عنه: «رحم الله امرأً أهدى إليّ عيوبي» دعوة للنقد الذي قد يكون سرياً أو علنياً، فردياً أو جماعياً حسب ما تقتضيه المصلحة وتفرضه الظروف.

إن أهم ما عطّل آليات النقد الذاتي في مجتمعاتنا هو الشرخ القائم بين الأصالة والمعاصرة أو بالأحرى الجدل السقيم بين دعاة التغريب ودعاة التقليد, فالنخب المتعصرنة لم تجد حلاً إلا باطّراح كلّ قديمٍ والسعي في الاتجاه الغربي على أنه السبيل الوحيد للّحاق بركاب الأمم المتحضرة, بينما ارتبطت النخب التراثية بالتاريخ والدين ولم تستطع الفصل بين ما هو تاريخيّ وبين ما هو دينيّ فأصبح نقد التراث مستحيلاً وضمّت كلمة "الثوابت" إلى الثوابت الدينية الحقيقية كمّاً هائلاً من أقوال الفقهاء على مرّ العصور, وبات من المعتاد أن المفاهيم الشائكة كالديمقراطية والتعددية وحقوق المرأة وحرية الفكر والتي ينادي بها تيار المعاصرة تقابَل بالعداء من التيار التراثيّ، فيلجأ إلى نقيضها كقمع حرية التعبير ،وتهميش المرأة دون أن يدلّل على أصالة هذا الطرح؛ والحقيقة هي على العكس من ذلك لأن في تراثنا ما يشهد على عمق وتجذّر تلك المفاهيم النبيلة, فقد ارتقى الدين بالمرأة والرجل على السواء وبينت الآية العظيمة: }والمؤمنون والمؤمنات بعضهم أولياء بعض يأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر{[التوبة9/71] أن دور المرأة لا يقل عن دور الرجل في بناء المجتمع؛ كما أوضحت الشورى التي كان يدار بها المجتمع الإسلاميّ في العهدين النبويّ والراشديّ إضافة إلى الاختلاف الفقهيّ في العصور التالية مدى تقبل الأفكار المتنوعة دون أن يعني ذلك قبول الآراء العبثية؛ فمفاهيم الحرية الفكرية والتعددية في حضارتنا الإسلامية هي التي مكّنت المسلمين من تصدّر الحضارة الإنسانية لعدة قرون قبل أفول نجمها, هذا الأفول الذي ارتبط بحلول ظلام الاستبداد وغياب المنهج العلمي في التفكير إضافة إلى الخلط بين التغيير المطلوب في عالم الشهادة والتسليم المفروض في عالم الغيب.

لا يحمل النقد الذاتي أيّ نكهةٍ استسلاميةٍ أو نبرةٍ لائمةٍ، بل هو على العكس إخضاع الأحداث التاريخية والمعاصرة إلى لغة الفهم والتحليل والتفكيك, وبذلك لا يتم إنكار الوقائع، بل الاعتراف بها لقراءتها قراءةً نقديةً خصبةً تفتح المجال رحباً لإمكانيات جديدة من التفكير والعمل والتغيير.

الوطن السعودية 13/3/2004

   
 

 

     

حقوق الطبع محفوظة لموقع د. ليلى الأحدب © 2005 تصميم وتطوير موقع الثريا |