|
يمكننا أن نعتبر أن الإنترنت هي بمثابة معجزة للبشر وفرت لهم مصادر معرفية جمة
فبمجرد أن تضع الكلمة التي تريدها في محرك بحث عملاق كغوغل مثلا يأتيك بالأخبار ما
لم
تزود, إضافة إلى أنها وسيلة اتصال لم تكن في السابق سوى مجرد خيال علمي أو أدبي,
ومن قرأ قصة عبد الكريم البغدادي, وهي إحدى قصص سلسلة أولادنا الصادرة في منتصف
القرن الماضي الميلادي تقريبا, يتذكر كيف أن كريم الدين سافر بطريق الخطأ إلى جزيرة
نائية أهلها ذوو أشكال غريبة وعادات أغرب, لكنهم زودوه بما يشبه المنظار بحيث يرى
أحباءه الذين تركهم في بغداد ويعرف ما الذي حل بهم, لكن دون أن يروه؛ أما الاتصال
عن
طريق الإنترنت والوبكام فإنه يهيئ لجميع المتصلين التحدث والمشاهدة والاطمئنان
على بعضهم بعضا, وهو ما يمكن اعتباره بمثابة نعمة في عالم التواصل خاصة إذا ما قورن
بزمن الرسائل التي كانت تحتاج إلى شهر ذهابا ومثله إيابا في كثير من
الأحيان.
لكن هذه النعمة قد تتحول إلى نقمة إذا لم يحسن المرء
التعامل معها بشكل
يجعله يتقي سيئاتها الكثيرة, وهي في الحقيقة لم تعد
خافية على الإنسان الراشد
الناضج, في حين أنها ما زالت محط إغواء للقاصرين عمراً
أو عقلا, ولذلك تتوخى هذه
المقالة إلقاء الضوء على بعض هذه المساوئ وكيفية
التعامل معها أو الوقاية منها, مع
الإشارة إلى أن الكاتب يدل على المشكلة ويحاول أن يبحث
عن الحلول, وهو كثيرا ما
يستعمل أسلوباً ذاتياً أثناء الكتابة دون أن يعني ذلك
خلوّه من الموضوعية, لكن كما
أشار أحد الزملاء من كتاب الأعمدة في الوطن إلى أن
المقالة يجب ألا تكون فكراً
تنظيرياً فحسب, وإلا فإن جفافها الأدبي يجعل كثيرين من
القراء يلتفتون عنها إلى
غيرها, ولذلك قد يستخدم الكاتب أسلوباً إنشائياً أكثر
منه خبرياً للتنبيه على الحلول, كطرح سؤال يستفز
الآخرين من قراء أو مسؤولين على استكشاف الحل ليكون
ذلك أدعى إلى
تحفيز العقول وتنبيه النفوس وكأن الكاتب يضع الأساس
للحل لكن هذا الحل بحاجة إلى من
يكمله حسب واقع المشكلة وصاحبها.
إذا أتينا إلى النعمة الأولى للإنترنت بوصفها
مصدرا للمعرفة فإنه من الواضح أنها ليست دائما مصدراً
موثوقاً, بل على العكس هي مجال
للادعاء والمعلومات الكاذبة, وبخصوص استخدام محركات
البحث للتعرف على شخص ما فكثيرا
ًما نجد إمكانية إضفاء هالة مصطنعة على شخص بعينه أو
تشويه سمعة شخص آخر, وكثيراً ما
يحدث أن يضع أحد الكتاب اسمه في محرك بحث بالعربية
فيجد الذم أكثر من المديح, وإلى
الآن لا توجد قوانين لحماية سمعة الأشخاص على الإنترنت
بحيث تكون قوانين متعارف عليها عالميا, وأعتقد أن ذلك
من الصعوبة بمكان خاصة مع وجود أشخاص غير قادرين على
المواجهة بل يصطنعون أسماء وهمية, ويبدؤون بشتم خلق
الله ظانين أن الشتائم هي نوع
من الحوار, وقد كشفت الإنترنت لنا كثيرا من قبائح
مخفية في بلادنا العربية.
قد
تحدث أخطاء غير مقصودة بالنسبة لسمعة الأشخاص, على
سبيل المثال أخبرني أحد معارفي
أنه وضع اسمي في محرك بحث غوغل فوجد أني تحولت إلى
متنبئة, فعدت إلى تلك المواقع
فإذا هي قد نقلت خبرا عن متنبئة لبنانية اسمها ليلى
عبد الحميد, في نفس الخبر الذي
ضم اسم النائب اللبناني مصباح الأحدب, فتحول اسم
المتنبئة إلى اسمي, وقد أخبرني نفس
الشخص أنه كتب تعليقات ليتم تصحيح الخطأ دون فائدة,
فشكرته ولكن المفاجأة كانت أن
رواد موقعي ارتفعوا أضعافاً خلال تلك الأيام, كما
وصلتني كثير من الرسائل التي يريد
مني أصحابها أن أتنبأ بمستقبلهم, مما يدل على أننا
نعاني من مشكلة أخرى هي مجال
لمقالة مختلفة.
ليست هذه مشكلة إذا ما قورنت بسيل الرسائل الإلكترونية
التي تملأ
بريدنا كل يوم, من نصابين ودجالين, ويمكن لي أن أعد
يومياً عشرة رسائل تنبئني أني
ربحت جائزة بملايين الدولارات أو الجنيهات, وكيف يمكن
لشخص أن يربح جائزة وهو لم
يشترك بأية مسابقة؟ ناهيك عن الرسائل التي تصلك من
أشخاص يخبرونك بوفاة شخص عزيز
عليهم وتركه لمال كثير بينما لا يستطيع المرسل أن يرث
هذا المال لسبب ما, والغريب
أن الرسالة الأخيرة التي وصلتني في هذا الصدد, كانت من
شخص ادعى أنه السيدة نازك
الحريري زوجة رئيس اللبناني السابق رفيق الحريري رحمه
الله, وأنه ترك مالا في أوربا
وهي لا تستطيع الوصول إليه إلا بمساعدتي, لأنها تقطن
ببيروت, وما يدحض هذه الرسالة
الكاذبة أن برنامج "بالعربي" على قناة العربية قام
بإجراء لقاء معها في ذكرى وفاة
زوجها, وقد أظهر أن السيدة نازك تعيش في فرنسا, وأنا
أرجو أن تطلع هي أو أحد
معارفها على هذه المقالة, فقد سبق لي أن تلقيت رسالة
من عنوان لشخص كان يراسلني
لاشتراكه بالهم الثقافي دون أن أعرفه شخصياً, فإذا
برسالته تلك تخبرني أنه تعرض
للسرقة في إندونيسيا وأنه بحاجة إلى مال ليستطيع
العودة إلى المملكة, فأهملت
الرسالة لأني لا أعرف الشخص إلا من خلال رسالة أو
رسالتين لا أكثر, وتم حل اللغز
عندما وصلتني رسالة موجهة منه وإلى كثير من أصدقائه
يخبرهم بأن بريده الإلكتروني
تمت سرقته, وأذكر أن الزميل تركي الدخيل تبرأ من
الفعلة المشينة التي قام بها من
سرق بريده الخاص بالوطن وأعلن أن المفكر تركي الحمد قد
توفاه الله, وللأسف فإن شخصاً
كهذا يعتقد أنه غيور على الإسلام وأن غايته نبيلة وهي
لهذا تبرر له وسيلته السيئة؛
وفي الحقيقة لا شيء يبرر الكذب والخديعة والسرقة.
شخصيا ومنذ أكثر من شهر لم
يصلني على بريدي الإلكتروني للوطن أي رسالة ولكني ما
زلت أستطيع فتحه, ويصلني عبره
كثير من الرسائل من كتاب الوطن أنفسهم, ولكن محتواها
غريب, فأعرف فورا أنهم ليسوا
من أرسلوها, والأغرب من ذلك أنه تصلني رسائل من عنواني
الإلكتروني نفسه, مع أني لم
أرسل لنفسي ولا حرفا واحدا!
هناك شخص اسمه عامر العظم يسمي نفسه زعيم المترجمين
العرب, وقد أنشأ مجموعة وعناوين عدة يرسل منها, ولكن
إلى الآن لا أعرف إلام يهدف؛ مع أن الأسماء التي تكتب
في منتداه أسماء حقيقية, ومع أني حاولت مراراً
وتكراراً
الخروج من هذا المنتدى الذي أقحمني فيه دون فائدة وقد
كتب عنه أحد كتاب صحيفة
الرياض مقالتين بهدف التنبيه إلى هذا الرجل, وليس لي
أي تعليق سوى أن كثرة الرسائل
التي يرسلها منذ أكثر من 3 سنوات تدل على أن هذا الرجل
لديه من الوقت ما يكفي, لكنه في نفس الوقت يخبر من
أراد حذف اسمه أنه ليس لديه وقت ليحذف اسمه من
القائمة!
إذاً الادعاء هو سيئة من سيئات الإنترنت الكبيرة, حيث
يصعب معرفة
الصادق من الكاذب والشخص الحقيقي من الوهمي, لكن
الأسوأ من ذلك كله هو المواقع
الإباحية على الشبكة العنكبوتية التي تجعلنا نترحم على
أيام مجلة الشبكة التي كانت
مختصة بأخبار الفنانين والفنانات, ولا تخلو من صور
كانت تعتبر قليلة الحياء في ذلك
الزمن أي منذ ثلاثين سنة تقريباً, أما الآن فالشبكة
العالمية هي أسهل طريقة للفحش, وللأسف فإن بعض
المتزوجين متورطون بها, فما بالك بالعزاب؟
من المهم جدا أن نحمي
أولادنا منها, فالمراهق شخص يدفعه الفضول الجنسي
لاكتشاف كل شيء, فإذا لم نعزّزه
بتربية جنسية صحيحة مقتضاها الأخلاق وأساسها الدين
المعتدل, فإن من السهل أن يقع
أولادنا في براثن هذه الوحوش الانترنتية التي تسعى
لاصطياد أي جاهل, ومن أهم الوسائل
التي تجعلنا نمنّع أولادنا تجاه ذلك السوء هو غرس بذرة
الحياء في أنفسهم منذ الصغر, ومراقبة الله سبحانه في
السر والعلن, وكذلك تعريفهم بكيفية استخدام نعم الله
فيما
يرضي الله, بأن نكون قدوة حقيقية لهم, لا أن يتنافى
مخبرنا ومظهرنا, والأهم من ذلك
ملء فراغ الناشئ والمراهق فيما يفيده من رياضة وفنون
وكذلك فتح قنوات الحوار
الدائمة معهم, وتصحيح مفاهيمه بطرق لا تحمل من
الوصاية والوعظ بقدر ما تحمل من
الصداقة والرفق, وحتى يكون الأمر كذلك يجب البحث
دائماً عن مشتركات بيننا وبين
أولادنا كي لا تزيد الفجوة بين الأجيال اتساعاً, فهي
فجوة موجودة شئنا أم أبينا, وما يتوجب علينا فعله هو
بناء جسور من الحوار معهم لا جدران تصدهم عنا.
الوطن السعودية 9/6/2008 |