الصفحة الرئيسية
  
في النهوض والتغيير (إبحار ضد التيار)   هل كانت حلقات د. فيل عن عبد الله وكاترين هدية لإسرائيل في عيدها الستين؟
 
 
 

بعد مشاهدتي للحلقات الثلاثة من برنامج د. فيل على قناة 4MBC لم يخطر لي أبداً هذا السؤال الذي جعلته عنواناً للمقالة, بل أوحت لي به صديقتي المسيحية الأمريكية من أصول فلسطينية, علماً بأنها وُلدت بعد النكبة بسنوات, أي بعد أن شُرّدت أسرتها واغتُصبت أراضيهم ككثير من الفلسطينيين المسلمين والمسيحيين.

الحلقات - باختصار – دارت حول مشكلة كاترين الأمريكية التي تعرفت على عبد الله الفلسطيني من خلال موقع my space  فأحبها وأحبته واتفقت معه على المجيء إلى بلده الذي يقع في الشرق الأوسط دون أن تعلم أين هو الشرق الأوسط, وكانت وقتها بعمر 16 عاماً وهو بالعشرين. حينها خدعت كاترين والدتها التي لم تصدّق أن ابنتها أصبحت في طريقها إلى عمّان إلى أن تم استرجاعها على أيدي عناصر من FBI ؛ ولكن هذه الأم المذهولة من موقف كاترين ذاك, هي نفسها التي أوصلتها للمطار عندما بلغت 18 عاماً, بعد أن استمرت الاتصالات بينها وبين عبد الله سنتين دون أن يخفّف البعد غلواء الحب في قلبيهما؛ وأما تتمة القصة فهي لجوء الأم إلى د. فيل ليقنع كاترين بالعودة بعد أن شعرت الأم بخطئها الفادح في الاستسلام لرغبة ابنتها.

وتدخل د. فيل وأخذ وعداً من كاترين بالرجوع خلال أيام, وذلك خلال الحلقات التي ضمّت أفراد عائلتها في الأستوديو من أمريكا بمن فيهم أمها وأختها وخالتها وعمتها, وعلى الطرف الآخر كان عبد الله وكاترين من فلسطين, ولكن كاترين نكثت بوعدها مرتين, ولم تخضع لمحاولات د. فيل في إرسال كادر لتأمين خروجها من فلسطين إلا في المرة الثالثة.

وكعادة البرامج الواقعية كان البرنامج يسلط الكاميرا على القبلات "الخفيفة" التي تتبادلها كاترين وعبد الله, وشيء من حياتهما في فلسطين, ومظهر كاترين بـ"الجيب" القصيرة التي لا تلبسها الفلسطينيات مهما كنّ "متحررات",  ومع ذلك لم يبدُ على عبد الله أنه زير نساء كما لم يظهر على كاترين أنها فتاة لعوب, بل كان واضحاً أن كلاً منهما قد وجد حبيبه وإن لم يكن ابن بيئته, لذلك طفح كيل الخلاف بينهما وعزّزه تدخل د. فيل مما ساعد كاترين على اتخاذ قرارها بالعودة.

لا أستطيع أن أوافق صديقتي المسيحية الأمريكية الفلسطينية على اتهامها للدكتور فيل, خاصة أن البرنامج مترجم, ولا ندري في أي عام تمّ إنتاج تلك الحلقات الثلاثة, ولكن ما أوافقها عليه أن د. فيل لم يكن عادلا أبداً هذه المرة, ومع احترامي لأفكار د. فيل ومع حرصي على متابعة برنامجه منذ أكثر من عام, فقد لمست في الحلقات الثلاثة – كما لمس غيري من متابعي البرنامج - نوعاً من التمثيل من جانب د. فيل, والسؤال: أين حيادية د. فيل ولماذا غابت في برنامج يطرح قضية ذات أصداء عالمية؟!

بالطبع ليس سهلاً على الأم – حتى لو كانت أمريكية - أن تشهد بعيني رأسها خسارة ابنتها المسافرة إلى المنطقة الأكثر خطراً في العالم, لكن أريحا ليست غزة كما حاول د. فيل أن يسميها, بل هي مدينة من أجمل وأهدأ مدن فلسطين, ولذلك تحيطها المستوطنات الإسرائيلية من كل جانب, ونحن لا نسمع عنها إلا إنها منطقة للمفاوضات, لأنها على الحدود بين الضفة الغربية وبين فلسطين المحتلة, وهنا لا بد أن أذكر الحسنة الوحيدة للدكتور فيل في البرنامج وهو تكراره لاسم فلسطين, فهو قد ذكّر العالم - دون أن يدري - أن هناك بلداً سوى إسرائيل اسمها فلسطين بعد أن كادت تنسى!

انحياز د. فيل كان واضحاً لأنه أبعد عبد الله عن سماع الكثير من الحلقات الثلاثة, وهو ما لم يفعله مع المتهمين بالإساءة إلى الزوجات أو "الشريكات" في حلقات سابقة كثيرة مع أن التهم كانت ثابتة عليهم, فكيف وهو لم يثبت أي تهمة على عبد الله, والمتهم بريء حتى تثبت إدانته؟

كيف سوّغ د. فيل لنفسه أن يقوم بهذا الحل مخادعاً لعبد الله بأن تبقى كاترين على اتصال به, لكن عندما أصبحت كاترين في أمريكا غيّر فيل كلامه كلياً؟ وكيف وافق على أن تكون أسرة كاترين كلها موجودة في الأستوديو, بينما كان عبد الله وحيداً عبر القمر الصناعي بعد أن تخلّت عنه كاترين؟

أين محامي الدفاع عن عبد الله الذي يتبنّى وجهة نظره ويستطيع أن يدافع عنه؟ صحيح أن قدرة عبد الله على الكلام باللغة الانكليزية جيدة لكن انعدام قدرته عن الدفاع عن نفسه أضعف موقفه كثيراً. على سبيل المثال سأله د. فيل أكثر من مرة عن تقدمه للحصول على التأشيرة من السفارة الأمريكية, ولم يجب عبد الله كما كان مفترضاً به, فقد كانت فرصته ليظهر للعالم كله مدى الظلم الذي يتعرض له الفلسطيني في أرضه, ناهيك وهو خارج بلاده, فإذا كان العربي لا يستطيع الحصول على تأشيرة لأمريكا إلا بعد صبر طويل وجهود مضنية, فكيف للفلسطيني القابع في السجن الكبير سواء كان هذا السجن: الضفة الغربية أو غزة؟ سفارة أمريكا في إسرائيل موجودة في القدس, وهي محرمة على الفلسطينيين من غير حملة الهوية الإسرائيلية, فهل يريد د. فيل من عبد الله أن يذهب لتل أبيب بعد بناء جدار الظلم الفاصل؟ هل تراه د. فيل قرأ أو سمع عن جدار العزل العنصري الذي حرم الفلسطينيين من العمل والدراسة والسفر؟

هنا أسمح لنفسي بالاستطراد لأعترف أني لا أستطيع لوم د. فيل - وهو الأمريكي - وأنا أعلم أن الفلسطيني لا يحصل على تأشيرة الدخول إلى بلد عربي إلا بعد انتظار طويل,, فكثير من البلاد العربية بما فيها البلاد المسماة بدول الطوق تحرّم على حامل الوثيقة الفلسطينية دخولها إذا لم تكن تلك الوثيقة صادرة منها, فالفلسطيني السوري لا يستطيع دخول مصر مثلا, والفلسطيني اللبناني ممنوع عليه دخول الأردن إلا بعد الحصول على تأشيرة, فمن لأوجاعك أيها الفلسطيني؟!

عوداً لحلقات د. فيل فمن المعتاد فيها أنه يستدعي المتخاصِمَيْن ومعهما من يعضد وجهتي نظر كل منهما, على سبيل المثال لدى مناقشته لمشكلة العنصرية ضد السود في أمريكا أحضر أكثر من قس أسود سواء كان معه في الأستوديو أو عبر الأقمار الصناعية, فلماذا لم يستدعي في تلك الحلقة شخصاً ناضجاً مسلماً أو عربياً سواء كان مقيماً في فلسطين أو في أي مكان آخر؟!

غاب عن د. فيل أنه لم يعالج إلا الظاهر من جبل الجليد, وهو عودة كاترين لأهلها لكنه لم يبحث عن السبب وراء لجوء كاترين للحب الافتراضي, ولم ينبّه الأم إلى انشغالها عن ابنتها, وهو شيء يمكن استنتاجه حين نعلم أن لكاترين أخاً متخلفاً عقلياً, ويبدو أن كاترين لا تعترف بوجوده أو أنه يشكل عبئاً في حياتها, حتى إنها عندما عدّدت من تشتاق لهم من أفراد أسرتها لم تذكره, وكذلك لم تذكر والدها فأين غاب الأب عن حياتها علماً بأن د. فيل لطالما أكّد في مقولاته السابقة على دور الوالدين في تكوين شخصيات الأولاد حتى لو كانوا من جنسين مختلفين؟

ذكّرني تناول د. فيل لمشكلة كاترين وعبد الله بحادثة حصلت لقريبي الشاب الجميل ذي السبعة عشر ربيعاً عندما أحب فتاة حباً جماً وكرّر الوقوف تحت شرفتها لعله يرى ظلّها, فما كان من إخوتها وأولاد عمها إلا أن اتفقوا على ضربه حتى أفقدوه الوعي وعندما نقل إلى المستشفى دخل في غيبوبة لم يستيقظ منها إلا وقد فقد عقله فأحيل إلى مستشفى الأمراض النفسية حيث بقي أربع سنوات كاملة, وعندما خرج منها لم يعد إلى طبيعته بسبب الأدوية النفسية, إلا أن عينيه الحزينتين  ما زالتا مرسومتان في ذاكرتي, مع أن القصة حدثت من 40 سنة ولم يبق من آثارها سوى شعوري بالظلم وهو ما سيبقى في ذاكرتي من حلقات د. فيل الثلاثة.

2/6/2008

 

 

     

حقوق الطبع محفوظة لموقع د. ليلى الأحدب © 2005 تصميم وتطوير موقع الثريا |