|
أرسل الله سبحانه الرسل والأنبياء من أجل إرشاد الناس إلى الحق والأخلاق, ومصدر
الرسالات السماوية هو الله الذي أمر بعبادته وحده مع الدعوة إلى الأخلاق الكريمة,
فالعبودية لإله واحد تجعل الإنسان يتفادى التعدّي على حق أخيه الإنسان, وهو ما يحيي
أواصر العدل, كما أن الإحسان للناس يتموضع كعنوان كبير في أولويات الأخلاق.
على معاني العدل والإحسان يؤكد عالم اللاهوت هانس
كونج؛ وهو أحد المفكرين المسيحيين المؤمنين بحوار
الحضارات والأديان, وينادي منذ أكثر من خمسة وعشرين
عاماً بأنه لن يكون هناك سلام بين الأمم بدون سلام بين
الأديان, ولن يكون هناك سلام بين الأديان بدون حوار
بين الأديان.
أصدرت دار الشروق بمصر الطبعة الأولى لكتابه (القيم
الأخلاقية المشتركة للأديان) والكتاب يضم عصارة فكره
الذي يسلط الضوء على القيم المشتركة بين الأديان
والتحديات التي تواجهها اليوم, ويتناول في الفصل
الأخير الدين الإسلامي كرمز للأمل, على عكس الصورة
العدائية المنتشرة له في الغرب, خاصة بعد أحداث 11
سبتمبر.
موضوع المقالة إذاً هو الفصل الأخير الذي يتناول
الإسلام كديانة عالمية, ولكن لا بد - للتعريف بأفكار
الرجل – من الإشارة إلى الفصول الأخرى والتي يورد فيها
اقتباسات من إعلان الأخلاق العالمية كالاقتباس
التالي:(لا يمكن تغيير حال الكرة الأرضية إلى الأفضل
قبل أن يتغير وعي الأفراد. نحن نتعهد بالعمل من أجل
تفعيل مثل هذا التحول في الوعي الفردي والجمعي. إيقاظ
قوانا الروحية من خلال التفكير, التأمل, الصلاة,
والتفكير الإيجابي من أجل التحول المنشود للقلب. معاً
يمكننا أن نحرك الجبال! وبدون الرغبة في الخوض
بالمخاطر والاستعداد للتضحية لن يكون هناك تغير جوهري
في وضعنا هذا! ولذلك فإننا نلزم أنفسنا بأخلاق عالمية
مشتركة بفهم متبادل أفضل, بالإضافة إلى أساليب للحياة
مفيدة اجتماعياً وداعمة للسلام وصديقة للبيئة).
الفصل الأخير للكتاب بعنوان "الإسلام كرمز للأمل" يدعو
فيه مؤلفه إلى اندماج جوهر الإسلام مع تحديات القرن
الواحد والعشرين, ويتساءل:(من يكون ورثة الديانة
والثقافة اللتين امتدا عبر 14 قرناً من الزمن برؤى ذات
صلة بالوقت الحاضر: التقليديون المتشددون, العلمانيون
الأيديولوجيون, أم المجددون الدينيون والسياسيون؟)
ينادي هانس كونج بأن يقدم الإسلام إسهامه للمجتمع
الدولي, بحيث تكون فيه حقوق الإنسان والمسؤوليات
الإنسانية أساساً مشتركاً برغم كل الاختلافات
الثقافية, وذلك الإسهام لا يمكن أن يحدث إلا بتغير
النموذج من إصرار على التقليد إلى فتح الباب أمام
الاجتهاد الذي يمكِّن من وجود مجتمع ديموقراطي وثقافة
مبدعة مع علوم مبتكرة واقتصاد قابل للتطبيق.
يقول كونج عن الإسلام المنقذ للحياة بأنه الذي لا
يُدين الحداثة بشكل متسرع ولكنه يؤكد على وجهها
الإنساني, فيتجنّب العوائق اللاإنسانية والمؤثرات
المدمرة للحداثة, ويضرب كونج عدة أمثلة تظهر قدرة
الإسلام على الفعل:
أولا: الإسهام الإسلامي في حوار الحضارات بشخصية
الرئيس السابق محمد خاتمي, وهو الذي اقترح أن تخصص
الأمم المتحدة عام 2001 عاما للحوار بين الأديان؛ وتم
تمرير قرار بادر به الجانب المسلم بممثلين من مصر
والأردن وإيران, ملحقاً بأجندة عالمية للحوار بين
الحضارات, في الوقت الذي تجاهلت فيه بعض البلاد
الغربية وعلى رأسها أمريكا هذا القرار خاصة أن حربها
على أفغانستان كانت قد بدأت.
ثانيا: قضية تنظيم النسل, إذ يرى كونج أن موقع
المسيحية ليس قوياً جداً فيما يتعلق بقضية سياسة
السكان, لأن البابا وأساقفة الكنيسة الرومانية
الكاثوليكية قد رفضوا ولسنوات طويلة بشكل متعنّت أي
شكل من أشكال تنظيم النسل, بوصفه سلوكاً غير أخلاقي
مساهمين بذلك وبشكل متعاظم في الانفجار السكاني؛ لكن
الدول الإسلامية لم تسر وفقاً لسياسة الإعاقة هذه,
ويضرب المثل بإيران التي حظرت فيه السلطات الدينية,
بطريقة مماثلة لما فعلته الباباوية, تنظيم الأسرة, بعد
ثورة عام 1979, لكن بعد ذلك بسنوات تم تقويم تلك
السياسة حيث تباطأ النمو السكاني في إيران, ولولا تدخل
القادة الدينيين لم يكن لتنظيم الأسرة أن يطبق بمثل
هذا النجاح, وعلى هذا فإن التعشيقة/التوليفة بين الدين
والدولة كانت ميزة أكثر من كونها عيباً في اتخاذ
القرار, ويقارن بين إيران وتركيا العلمانية التي لم
يستخدم سوى 38% من المتزوجين وسائل حديثة لمنع الحمل
مقارنة بإيران 75% من المتزوجين عام 1999.
ثالثا: الأهم من القضيتين السابقتين هو أن الإسلام لم
يتعرض لما تعرضت له المسيحية على يد الحداثة, فقد
ارتكبت الحداثة خطأً أساسياً وهو الاعتقاد بأنه
بالإمكان قمع أو تجاهل أو تخصيص الدين, ولهذا فإن
الكنيسة المسيحية والحداثة مسؤولتان معاً عن انعدام
التوجه والإلحاد, حيث تحولت العلمانية الرشيدة إلى
علمانية ملحدة غير رشيدة مع وجود العديد من النتائج
السلبية.
يتابع كونج بتعريف القارئ على دراسة قام بها "أصغر
علي" وهو عالم هندي قارن بين الإعلان الصادر عن برلمان
أديان العالم عام 1993 بصدد الأخلاق العالمية وبين
رسالة القرآن, واستنتج إن ذلك الإعلان يتوافق تماماً
مع روح الإسلام, فكلاهما يقوم على أسس معينة مثل:
ثقافة اللاعنف واحترام الحياة, وثقافة التضامن والنظام
الاقتصادي العادل, وثقافة التسامح والحياة الصادقة,
وثقافة الحقوق المتساوية والشراكة بين الرجال والنساء.
ينهي كونج الفصل الأخير باقتباسات من كلمة الأمين
العام السابق للأمم المتحدة كوفي عنان, ألقاها في
جامعة توبنجن في 12 ديسمبر عام 2003, حيث تتوافر لدى
عنان قناعة بالحاجة الشديدة للقيم العالمية في عصر
العولمة, بالمقارنة مع أي وقت مضى, بسبب أن كل مجتمع
يحتاج أن يرتبط مع بعضه بقيم مشتركة حتى يتسنى لأعضائه
أن يعرفوا ما يمكن توقعه كل من الآخر, وأن يكون هناك
قدر من المبادئ المشتركة التي يحاولون من خلالها
التعامل مع اختلافاتهم دون اللجوء للعنف.
يرى كونج أن مقولة كوفي عنان تنطبق على العلاقة بين
الغرب والإسلام, ومع إدانته لهجمات 11 سبتمبر فإنه
يرفض أن تثير هذه الهجمات صداماً بين الحضارات, مما
يحوّل الملايين من البشر إلى ضحايا لمعركة بين إطاريين
نظريين "الإسلام" و"الغرب", كما لو أن القيم الإسلامية
والغربية غير قابلين للامتزاج في نسيج واحد, ويعتقد
كونج أن هذا غير صحيح لأن هناك الملايين من المسلمين
المخلصين لدينهم يعيشون في ألمانيا وفي دول غربية
أخرى, ولم يجدوا أنفسهم موضع شك ومضايقة أو يواجهوا
تمييزاً إلا بعد تلك الهجمات.
خاتمة المقال قوله:(بالنسبة للمسيحية وللإسلام, لا
ينبغي أبدا إدانة أي ديانة أو نظام أخلاقي بسبب
السقطات الأخلاقية لبعض متبعيه؛ لو أنني كمسيحي, على
سبيل المثال, لا أرغب في أن يتم الحكم على ديانتي من
خلال أفعال الحملات الصليبية أو محاكم التفتيش
الكاثوليكية, فإني سأكون حذراً جداً عند الحكم على
ديانة أي شخص آخر من خلال أفعال يرتكبها قلة من
الإرهابيين باسم الدين).
الوطن
السعودية 26/5/2008 |