|
في
نفس اليوم الذي قامت فيه ميليشيات حزب الله بتوجيه العنف المسلح إلى قلب المجتمع
اللبناني وصلني على بريدي الالكتروني نسخة لأحد كتب سيد قطب بعنوان "لماذا أعدموني"
مختوماً بشعار موقع منبر التوحيد والجهاد على الانترنت, والمكوّن من مصحف وسبابة
مرفوعة وآية قرآنية (وحرض المؤمنين عسى الله أن يكف بأس الذين كفروا)؛ وأسفل الشعار
وضعت عبارة هي (الدال على الخير كفاعله), بمعنى أن نشر كتاب مثل هذا الكتاب هو خير
يؤجر عليه المرء, ولقد عزفت عن هذا "الخير" فلم أرسل تلك النسخة إلى أي أحد بل فضلت
الاطلاع عليها للاقتراب من أفكار قطب التي يبدو أنها ما زالت ناراً تحت الرماد ينفخ
فيها الجهاديون الحياة ليجردوا البشر الآمنين من الحياة!
ليست هي المرة الأولى التي أكون فيها بتماس مع أفكار
سيد قطب فقد قرأت كثيراً من تفسيره "في ظلال القرآن"
ولا يمكن لأحد أن يماري في إمكانيات قطب اللغوية
وبراعته البلاغية, لكن لا أحد – يستخدم عقله - يستطيع
أن ينكر أنه كان ينطلق في تفسيراته من تجربة شخصية
خاضها دون تفكير بعواقبها؛ وأما كتابه الآخر الذي لا
يقلّ شهرة عن الظلال "معالم على الطريق" فما زلت أذكر
أنه وقع بيدي عندما كنت بعمر يقل عن عشرين عاماً, فما
استطعت تجاوز الصفحة الأولى فيه لشعوري بالظلام الدامس
الذي يحيط بالكلمات التي قرأتها, فكان هذا الشعور
بالعتمة مانعاً لي عن المتابعة, والحمد لله على فطرتي
السليمة التي حجبتني عن الوقوع تحت تأثير أفكار موغلة
بالسواد.
كتاب "لماذا أعدموني" يذكر ناشروه أنه نشر على حلقات
في جريدة "المسلمون", وهو الإجابة على سؤال المحققين
بخط يد قطب، مع تأكيد الناشرين أنها ناقصة غير كاملة،
لأن النظام المصري آنذاك حرص على الاحتفاظ في مكان غير
معروف بالجزء الخاص بالتعذيب الذي تعرض له قطب ورفاقه،
ويضيف الناشرون أن ذلك التعذيب لم يمكنهم إلا من جسده
الفاني أما روحه فلم يقدروا أبداً عليها.
هذه العبارة الأخيرة ليست من الصواب في شيء, إذ إنه من
الواضح لكل من يقرأ بعين متبصرة أن قطب - أو غيره - لم
يكن ليأتي بهذه الأفكار العنيفة لو أنه لم يتعرّض
للتعذيب؛ بمعنى أن عنف هذه الأفكار ليس ناجماً عن
تعمّق بالإسلام ومعرفة حقيقية به بل هي أفكار أتت في
سياق رد الفعل على العنف الذي تعرض له داخل المعتقل,
وهذا تفسير – وليس تبريراً- لراديكالية قطب التي
ورثتها الجماعات الإسلامية المسلحة, لأن الإسلام يحرّم
استخدام العنف على الأفراد, ويبقيه في يد ولاة الأمر
الذين لا يستمدون سلطتهم وشرعيتهم إلا من الأفراد
أنفسهم.
هنا يأتي سؤال: في حال عدم وجود شرعية لولي الأمر, هل
يمكن القيام بالثورة ضده مثلا؟ كلنا يعلم أن الثورات
تأكل أصحابها, ومعلوم من الأحاديث الصحيحة أن الإسلام
لا يبيح الخروج على الحكام (ما لم تروا كفراً بواحاً
عندكم من الله فيه برهان) أو (ما أقاموا الصلاة فيكم)
فمن أين أتت أفكار سيد قطب إذاً سوى من حالة خاصة تعرض
لها؟
في كتابه ذاك يقرّ قطب بأن التربية هي الأساس لبناء
المجتمعات الإسلامية, ففي الفصل المعنون بـ "الحركة
الإسلامية تبدأ من القاعدة" يقول:(الحركة الإسلامية
اليوم تواجه حالة شبيهة بالحالة التي كانت عليها
المجتمعات البشرية يوم جاء الإسلام أول مرة من ناحية
الجهل بحقيقة العقيدة الإسلامية، والبعد عن القيم
والأخلاق الإسلامية..... ولابد إذن أن تبدأ الحركات
الإسلامية من القاعدة: وهي إحياء مدلول العقيدة
الإسلامية في القلوب والعقول، وتربية من يقبل هذه
الدعوة وهذه المفهومات الصحيحة، تربية إسلامية
صحيحة... ومع المضي في برنامج تربوي كهذا، لابد من
حماية الحركة من الاعتداء عليها من الخارج.. وهذه
الحماية تتم عن طريق وجود مجموعات مدربة تدريباً
فدائياً.. وطالما الحركة آمنة ومستقرة في طريق التعليم
والتفهيم والتربية والتقويم، وطالما الدعوة ممكنة بغير
مصادرة لها بالقوة، وبغير تدمير لها بالقوة، وبغير
تعذيب وتشريد وتذبيح وتقتيل، فإن هذه المجموعات لا
تتدخل في الأحداث الجارية، ولكنها تتدخل عند الاعتداء
على الحركة والدعوة والجماعة لرد الاعتداء وضرب القوة
المتعدية بالقدر الذي يسمح للحركة أن تستمر في
طريقها).
بما أن الشيء بالشيء يذكر فإن هذا الكلام يتفق في بعض
تفاصيله مع أيديولوجيات حزب الله, خاصة عن سلاح
المقاومة التي أصبحت دولة داخل دولة, فالقياس مع
الفارق بالطبع؛ وعودة لسيد قطب فإن هذه الفقرة
المذكورة والتي تكررت كثيراً في الكتاب تظهر جهله بأن
العنف المسلح - أو الجهاد - لم يشرع في مكة رغم كل
التعذيب الذي عانى منه أتباع الدين الجديد؛ فالرسول
عليه الصلاة والسلام لم يسمح لأحد من أتباعه في مكة أن
يقوم بأي خطوة تؤدي إلى القضاء على الإسلام في مهده,
بل انتظر الإذن من ربه بالجهاد بعد تأسيس دولته في
المدينة المنورة, فكيف يمكن البناء على هذا الخطأ
الكبير في أيديولوجيات قطب؟
قرأت لكثير من الفقهاء أو الدعاة الذين فنّدوا نظريته
في جاهلية المجتمع وتكفيره, , لكني لم أقرأ إلا لأقل
القليل من الذين أوجبوا الجهاد فقط عند وجود أركانه
وشروطه, وأهمها ولي الأمر الموكل بيده النفير الأعلى؛
ومن هنا فإن استمرار تأثير أيديولوجيات الجهاديين سببه
قلة عدد الذين يظهرون مدى ضحالتها علانية, إضافة إلى
عدم مناسبتها للعصر, مع أن هذه المهمة هي مهمة علماء
الدين وفقهاء الزمان بالدرجة الأولى.
لقد صدعت القاعدة ورجالها وحزب الله وأزلامه رؤوسنا
بأفكارهم عن الجهاد والجيش العقائدي الذي لا يخشى
الموت, حتى بات شبابنا العربي وقوداً لمحارق الموت في
كل مكان, وأصبحت العمليات الانتحارية تقوم على نظريات
أسوأ من نظرية قطب نفسها, كحكاية التترس ووجوب قتل
الترس من أسرى المسلمين بغاية الإيقاع بعدوهم إن تحصن
بهؤلاء الأسرى, مع أن أبو حامد الغزالي - منذ أكثر من
ألف عام - أوضح أن قتل الترس لا يجوز إلا بحالات تدخل
تحت مسمى الضرورة والقطعية والكلّية, وهي الحالات التي
تكون فيها دار الإسلام مهددة بشكل أكيد بغزو العدو,
والنصر لا يمكن أن يتحقق إلا بقتل الترس المسلم, بحيث
يكون هو الطريقة الوحيدة للنصر؛ ولا ننسى أن فتوى
الغزالي جاءت والعالم مقسوم إلى دار إسلام ودار كفر,
أما الآن فالمسلمون في كل مكان, والإسلام ينتشر في كل
بقاع العالم بالدعوة الحسنة والأخلاق الحكيمة, فما
الداعي لاستخدام العنف سوى أنه لضمان سيطرة "المتأسلمين"
على السلطة دون فقه بسيرة النبي الكريم الذي لو كان
همه الحكم لارتضاه بداية منذ عرضت قريش عليه إغراءتها
المادية بأنواعها.
لقد كان محمد عليه الصلاة والسلام داعية سلام, وإن كان
قد استعمل العنف في أوقات معينة, فإن كل ما ورد في
السيرة مما تثار حوله شكوك وتساؤلات يجب أن يفهم على
أنه من خصوصيات رسول الله عليه الصلاة والسلام تنفيذاً
لأوامر إلهية عن طريق الوحي, بما في ذلك تخلصه من يهود
قريظة الذين خانوا العهد فأمكن الله منهم, وكلنا يعلم
أنه أوكل المنافقين لله وتعامل مع رأس النفاق بن أبي
سلول بأريحية رغم أن الأخير هو القائل:(ليخرجن الأعز
منها الأذل), ولو كان لدى أدعياء الجهاد ذرة من حكمة
محمد عليه الصلاة والسلام لكان حال العرب والمسلمين
غير حالهم اليوم.
الوطن السعودية 19/5/2008 |