|
سارق الماء.. هل تقطع يده؟ سؤال تبادر إلى ذهني وأنا راكبة في السيارة التي توقفت
عند إشارة المرور في دوّار بمدينة جدة, إذ لفت نظري شاب من جنسية أفريقية يمسك
بجرادل ويفتح الصنبور في صهريج ماء توقف أمامنا حتى ملأ واحداً منها ثم أغلق
الصنبور بسرعة قبل أن ينطلق الصهريج مع الإشارة الخضراء؛ وأما الشاب فقد اختفى بلمح
البصر بين الشجيرات المزروعة في الدوار, ولمعت في رأسي بعض أسئلة مثل: هل وصل شحّ
الماء إلى الدرجة التي يسرق الناس مياه بعضهم بعضاً, كما يحصل بين بعض العمارات
المتجاورة, أم أن هذا الشاب الأفريقي اعتاد أن يعيش على السرقة؟!
هذا الشاب الأفريقي في الغالب من مخالفي نظام الإقامة؛
وتكاد لا تطلع شمس يوم دون أخبار جديدة عن العمالة
المخالفة التي تملأ البلد بجرائمها كالسرقة وتزوير
الأختام والأوراق الثبوتية وفتح بيوت الدعارة وإنشاء
مصانع للخمور وغير ذلك كثير, وفي يوم الجمعة نشرت
الوطن خبراً من نجران عن عمالة مخالفة تفكك الأعمدة
الخرسانية وتحرق الإطارات للحصول على الحديد والنحاس,
وتعاضد الخبرَ صورةٌ لهذه العمالة التي لم تظهر أي
مبالاة بالمصوّر الذي لا يبدو أنه التقط الصورة في
غفلة من أصحابها لأن بعضهم كان مواجهاًً للكاميرا
وبعضهم الآخر بدا ملتفتاً نحوها!
ويوم السبت نشر خبر عن القبض على عصابة تسرق النفط
الخام, ومنذ مدة لم يعد الأمر مقتصراً على أخبار الصحف
بل أغلبنا على تماسّ بمن فقد بطاقته الشخصية أو جواله,
وفي مدينة جدة هناك شوارع محدّدة لبيع المسروقات على
اختلاف أنواعها, فشارع فلسطين - مثلا – مكان مثالي
للبحث عن جوال مسروق قبل أن يباع, وفي حي الشرفية مكان
مخصص لبيع الوثائق المسروقة, فإن لم يبالي أصحابها
باستعادتها حسب المبلغ الذي يحدّده اللص وعصابته, يتم
بيعها لأشخاص مستعدين للدفع وانتحال الشخصية, وقد
أخبرني زميل عربي كان يعمل سابقاً في نفس المكان الذي
أعمل به عن فقدانه لدفتر الإقامة الخاص به مع هاتفه
المحمول وكيف استطاع استرجاعهما بعد أن اتصل برقمه
فردّ عليه شخص ساومه على مبلغ لاستعادة جواله وأوراقه,
وتمت الصفقة لأن الزميل ليس لديه وقت لاستخراج إقامة
جديدة ناهيك أنه لم يحتفظ بأرقام معارفه سوى في هاتفه
المسروق!
كان لصحيفة الوطن - على ما أذكر - قصب السبق في الكشف
عن مواقع المخالفين من كافة الجنسيات بشكل أسبوعي, كما
قامت صحيفة الرياض مؤخراً بنشر صور المكان الذي داهمه
رجال الأمن حيث تقيم عمالة تمتهن التزوير بما فيها
أختام وزارات هامة, ولكن يبدو أن هذه العمالة لا تبالي
بوزارة ولا بما هو أكبر منها, ويكفي الخبر الغريب الذي
قرأناه أيضاً في بعض الصحف المحلية عن سرقة العمالة
لأغطية حفر الصرف الصحي مع أن الأغطية مكتوب عليها
"وزارة المياه والكهرباء", وفقدان هذه الأغطية يؤدي
إلى مخاطر وقوع الناس في هذه الحفر إذا كانوا سائرين
أو تدمير سياراتهم إذا كانوا راكبين؛ ناهيك عن سرقة
حديد البناء وأسلاك الكهرباء ومسامير الأبراج ومجسمّات
الدوارات؛ فهل يكفي أن نقول بانطباق المثل القائل: من
أمن العقوبة أساء الأدب, أم أن هذه العمالة تطبّق
أمثالا أخرى مثل: المال
السايب – الذي لا راعيَ له -
يعلّم الناس السرقة؟!
لم يبقَ شيء يمكن أن يستفيدوا منه إذا سرقوه فباعوه,
إلا فعلوا, لكن أن تصل الأمور إلى سرقة الماء أمام
الناس وفي وضح النهار, فليس لنا إلا أن نحمد الله أن
هذا السارق أغلق الصنبور, وإلا لكان الصهريج قد وصل
فارغاً لأصحابه الذين دفعوا ثمنه!
في كل بلاد العالم يوجد جرائم تزوير وسرقة ودعارة ..
إلخ.. لكن ألا يعتقد معي القارئ الكريم أن الخرق قد
اتسع على الراتق كثيراً في المملكة؟ ذكر الدكتور علي
الموسى في الأسبوع الماضي استغرابه من تصريح أحد
المسؤولين عن رقم مهول للعمالة المخالفة التي يجري
ترحيلها, مما يوضّح أن الرقم مبالغ به, فهل حقاً هي
عمالة مخالفة تلك التي تستفيد من الترحيل على نفقة
الدولة أم أن كثيراً من هؤلاء الذين يُرحَّلون هم
هاربون ويقومون بتسليم أنفسهم على أنهم مخالفين؟ لا
ننس طبعاً أن بعض الكفلاء يستقدم العمالة ثم يترك
الكفيل عمّاله سائبين يفعلون ما يشاؤون مقابل أن
يدفعوا له مقداراً معلوماً من المال, فمن يراقب ومن
يحاسب؟!
عندما رأيت سارق الماء الإفريقي كنت عائدة من سوق
للتخفيضات على المواد الغذائية, وبما أن الأسعار في
البقالة القريبة من بيتي قد أصبحت أضعافاً مضاعفة, فما
أنا إلا امرأة من قومي أبحث عن التخفيضات, ولكن اللافت
للنظر أنه في سوق التخفيضات لم تكن العمالة التي تبيع
اللحم والسمك والجبن والخبز.. و.. و.. إلا من نفس
الجنسية الآسيوية التي تكثر منها الجرائم, وقد خصّص
صاحب المتجر الضخم عاملين فقط لمكان بيع اللحوم
ومثلهما لمكان بيع السمك, وهكذا؛ مع أن الإقبال على
متجره كان واضحاً للعيان, بحيث كان الاثنان يقومان
بمهمة أربعة موظفين على الأقل؛ بما في ذلك موظفي
"الكاشير", وليس هذا المثال بقصد الاعتراض على صاحب
المتجر الذي بحث عن اليد العاملة الرخيصة ليستطيع
ترخيص الأسعار أمام الناس, لكن ألسنا بذلك ندخل حلقة
مفرغة تكاد تتحوّل إلى قمع تتسع فوهته حتى يبتلعنا
جميعاً؟!
صاحب هذا المتجر بحسبة بسيطة لا يمكن أن يوظف سعودياً
لأنه لا يستطيع أن "يحرث" على السعودي مثلما يفعل مع
هؤلاء العمال, ولن يقبل السعودي بالطبع براتب ضئيل
كالذي يقبل به عمال هذه الجنسية, لكننا قرأنا أن
الدولة تؤهل الشباب الراغبين في العمل وتدعم السعودة
عبر التبرع بنصف راتب الموظف السعودي مثلا, وعلى فرض
أن العامل السعودي يأخذ ضعف ما يأخذه العامل
البنغلاديشي فماذا سيفعل به وأين سيضعه؟
إذا لم تخنّي الذاكرة فإن الدكتور عبد الله ناصر
الفوزان في إحدى حلقاته الصحفية لمسلسله مرايا كتب عن
قصة شاب سعودي يسرق جرار الغاز من أجل أن يبيعها ويعيش
من ثمنها, وكان جوابه لصاحبة المنزل التي اعترضت على
سرقته وبطالته أنه يتعفّف عن الأعمال البسيطة لأنه
ولد" حمايل" - أو "قبايل" لا أدري – وأذكر أني خرجت مع
صديقة لي وابني الكبير وابنها إلى العمرة واستأجرنا
سيارة تذهب بنا من جدة إلى مكة, وكان السائق سعودياً,
أخذ يخبر ابني الكبير الذي جلس بجانبه أنه ولد "قبايل"
وأنه مضطر إلى هذا العمل, فتدخّلت في الحوار قائلة:
العمل ليس عيباً, ولو أن لدى ابني رخصة قيادة لاشتغل
على تاكسي في الصيف بدل أن يجلس عاطلا, فاليد العليا
خير من السفلى, ومن أمسى كالا من عمل يده أمسى مغفورا
له؛ كما قال المصطفى قال عليه الصلاة والسلام.
ليست هذه المقالة بغاية إعلاء ثقافة العمل, وإن كان
العمل إيجابية تحمل الحل لثقافة السلبية السائدة في
المجتمع, لكن ثمة سؤال تثيره جرائم هذه العمالة: من
يسرق من؟ الوافد السارق يسرق ويتقاسم السرقات مع
الكفيل أو المتستّر, وفي نفس الوقت لا يخفى على خبير
أن هذه العمالة هم قدوة لأبنائنا أحياناً لأنهم يرون
كيفية حصولهم على الكسب السهل من خلال السرقة, دون أن
تصل إلى الأسماع أخبار العقوبة, وبالنسبة لي فهي المرة
الأولى التي أقرأ خبراً عن طلاب يسرقون مدارسهم, كما
في عدد الوطن ليوم السبت الماضي؛ لذا دعونا لا نضع كل
اللوم على العمالة, بل يجب أن نوجّه اللوم لأنفسنا كي
نستطيع الخروج من كهف الجبل الثلجي الذي لا يُرى إلا
ذروته فقط.
الوطن السعودية 5/5/2008 |