|
أوردت صحيفة الوطن يوم السبت الموافق 13/4/1429 خبراً حول تنفيذ حكم القتل بجنديين
تابعين لوزارة الدفاع والطيران كعقوبة للجريمة التي قاما بها في حق أحد المقيمين
وابنته, ويمكن اختصار الخبر - لمن لم يقرأه - أن الجنديين أوقفا مقيماً ترافقه
ابنته في سيارته, بحجة أنه مطلوب للأمن, وتحت تهديد السلاح أرغمه أحدهما على الصعود
إلى سيارة الجنديين, بينما قام الآخر بقيادة سيارة المقيم التي فيها الابنة حيث
اقتادها إلى مكان بعيد وقام باغتصابها, ثم أعادها إلى حيث زميله ووالدها, ثم تركا
الأب والابنة في حالة يرثى لها, ويشاء الله أن يقيّض للمقيم بعض رجال الأمن الذين
استطاعوا الوصول إلى مرتكبي الجريمة وإيقافهما حتى صدور الحكم العادل بقتلهما جزاء
استغلالهما للسلطة, وإساءتهما للشرف العسكري, وخيانتهما للأمانة التي حملاها ولم
يكونا أهلا لها.
الخبر يثلج الصدر لأن العقوبة كانت على قدر الجريمة,
فالاغتصاب بحدّ ذاته جريمة يجب عدم التهاون بها, ولذلك
كان غريباً أن يصدر بعض المسؤولين تصريحات لبعض الصحف
أن ضحايا الاغتصاب يتعافون بسهولة, وهو تصريح خاطئ بكل
المقاييس, فالذي وقع عليه التحرش وهو صبي صغير مثلا
سيتحول إلى شاذ إن لم تتم معالجة الأمر بحكمة ودراية
متناهيتين، ومن هنا فالمرء يثمّن للجمعية الخيرية التي
أُسست للوقاية من العنف الأسري دورها في حماية الذكور
من العنف, وليس من الضروري أن يكون هذا العنف موجهاً
من المرأة تجاه زوجها كما فهم بعض القراء الذين علّقوا
على الخبر الذي أوردته "الوطن" يوم الجمعة الماضي, بل
كثيراً ما يتعرض الذكور في العائلة لعنف الأب كالضرب
المبرح، وإن أنس لا أنسى حالة ذلك الشاب الذي جاءني مع
زوجته لمعالجة العقم, فأجريت لهما تحاليل وأتت نتيجة
المرأة سليمة أما زوجها فكانت الحيوانات المنوية عنده
معدومة, وعندما أخبرته بالنتيجة أطرق رأسه وتكفّلت
زوجته بحكاية القصة المحزنة, وهي أن هذا الشاب تعرّض
لضرب شديد من والده نتيجة ذنب بسيط, وتعمّد الأب - في
حالة من غياب العقل والضمير- أن يضرب الابن على
الناحية التناسلية مما سبّب له إغماء أدى لنقله
للمستشفى, وإذا كان الإغماء هو العاقبة الفورية فإن
العقم كان العاقبة المؤجلة, والتي أدت إلى قطع نسل
الولد المضروب والأب الضارب.
ليس العنف في الأسرة عنفاً جسدياً فحسب, بل هناك
التحرش الجنسي, الذي يقع على الأطفال عندما يكون
"حاميها حراميها", والطفل ليس له قدرة على المحاكمة
العقلية ولا يستطيع أن يقدر أنّ جريمة ترتكب بحقه,
ولكنه فيما بعد لا يمكن أن يتجاوز آثار هذا الاعتداء
بسهولة وقد يكون المتحرش من أقرب الأقربين, وقد يكون
من الجيران أو أصدقاء العائلة, فإذا لم يعلّم الطفل
منذ نعومة أظفاره كيف يحافظ على نفسه, فمن السهل جداً
وقوعه ضحية لإغواء المغتصب, والذي يلجأ إلى تهديد
الطفل بفضحه فيظنّ الطفل أنه هو نفسه المذنب, فلا يقوى
على إعلام أحد, وقد يقوم بالانتقام لنفسه من الأطفال
الأضعف منه, وقد يتحول الأمر إلى زنا المحارم حين تنشأ
الفتاة وهي ترى أن والدها أو أخاها يتعامل معها جنسياً
منذ الصغر, دون أن يسلحها أحد بكيفية الدفاع عن عرضها
تجاه من يفترض بهم حمايتها, فلا يكون منها إلا أن
تستسلم للأمر الواقع، وقد طلبت مني إحدى الإعلاميات
السعوديات المشاركة في برنامج تقدمه على قناة فضائية
وبوجود الفتيات الضحايا, لكن للأسف لم يكن وقت التسجيل
متناسباً مع وقتي, وأنا أذكر هذا الشاهد هنا لأني
أعتقد أن الإعلام الفضائي يكشف عن قضايا ما زالت تعتبر
من المحرّمات (تابو) في بعض المجتمعات بحيث يتفوق
الإعلام المرئي - الذي لا يختص بدولة معينة - عن
الإعلام المكتوب أحياناً.
عرضت في مقالات سابقة لحالات تحرش واغتصاب وقعت على
أطفال وشباب وفتيات, وسأخص باقي المقالة للتحرش الموجه
ضد النساء, وقد بدأتها بالخبر عن الجنديين الآثمين,
لأن ثمة تساؤلاً يتبادر إلى الذهن وهو: كيف تجرأ هذان
الجنديان على تلك الجريمة الشائنة لولا أنهما أمنا
العقوبة؟ ربما خطر ببالهما أن اعتداءهما على مقيم
وابنته لن يكون بتلك الفداحة كما لو كان الأب والابنة
سعوديين, ولكن هذا مجرد احتمال لأن الحقيقة برأيي
تتلخص في عنوان إحدى مقالاتي(المواطنون والمقيمون
سواسية أمام الغلاء والجريمة) فالمواطنة والمقيمة
كلتاهما معرضتان لوقوع جريمة اعتداء جنسي عليهما، وقد
حدّثني رجل عسكري ثقة بما حدث أمامه على كورنيش جدة إذ
توقفت سيارته بسبب الزحام, فانتبه إلى أن شاباً يطرق
زجاج السيارة المتوقفة أمامه بشدة, وبداخل السيارة
تكوّمت فتاة في المقعد الخلفي ولم يكن لها مرافق إلا
السائق غير العربي, فما كان من محدّثي إلا أن قفز من
سيارته وانهال بحذائه ضرباً على رأس الشاب
المتحرش,واجتمع عليه الناس الذين راقبوا المشهد
وأكملوا المهمة.
بين حين وآخر ترد أخبار عن التحرش بالنساء, وكلنا يذكر
ما حدث أمام مجمع تجاري في جدة حيث انهال متحرشون
بفتاة على شاب حاول مساعدة محرمها لحمايتها, فما كان
منهم إلا أن طعنوه بسلاح حاد مما أدى إلى مقتله, وهذه
الحادثة تثير تساؤلا لأن هذه الفتاة برفقة أخيها ومع
ذلك لم يعبأ هؤلاء المتحرشون به, كما هي حالة الفتاة
المقيمة التي كانت مع أبيها, وهذا لعمري غريب عجيب,
فعادة يستقوي المتحرشون على المرأة الوحيدة, أما أن
يكون معها محرمها ثم يحاولون التحرش بها, فلا يوجد
تفسير واحد هنا سوى أن هؤلاء الذكور قد غابت عقولهم
وليس ضمائرهم فقط, فلا تربية ولا دين, فمن المسؤول عن
كل هذا؟
المسؤول هو غياب القدوة الحسنة وتراجع مكانة الآباء
والأمهات في نفوس الأولاد فاختفت القيم والأخلاق,
وتكمل المدرسة المهمة أحياناً عندما تعلّم الدين بشكله
السلبي وبأن الأنثى هي موضع الفتنة وأنها هي أصل
البلاء, فتصبح الضحية مدانة مستقبلا, ولذلك تكثر حالات
التحرش بالنساء في العمل, وكثيرا ما تخاف المرأة أن
تخبر أحداً لخشيتها من الفضيحة أو الانتقام, ولذلك يجب
تعليم الأنثى التي تعمل في مكان مختلط كيف تصدّ أي
تحرش لفظي أو بصري, كي لا يتفاقم ويتحوّل إلى اعتداء
جنسي فيما بعد.
لا بد من وجود قانون ينظم عقوبات التحرش من ألفها إلى
يائها, فالمعاكسة بالكلام لها عقوبة مختلفة عن معاكسات
أشد, والمعاكسة في العمل أشد ضرراً من المعاكسة في
السوق رغم أن الفعل نفسه, فالإساءة إلى موظفة هي إساءة
إلى مكان العمل نفسه لذلك يجب أن تكون العقوبات أكثر
ردعاً, وعندما تصدر المعاكسة من رجل يفترض فيه حماية
الأنثى كرجل أمن أو مدير أو رئيس فإن عقوبته يجب أن
تكون أشد, مثله في ذلك مثل عقوبة الأب عندما يسيء
معاملة ابنته القاصر سواء كانت الإساءة جسدية أو لفظية
أو جنسية, فالعقوبات تختلف لكن يجب أن تكون على أشدها
في الإساءة الجنسية لأنها تحمل انتهاكاً للجسد والروح.
مع سن القوانين لا بد من تأهيل المجتمع للتعامل مع
المتحرش ومساعدة المتحرش بها, ووجود الشرطة المجتمعية
ضرورة, ويجب أن تشارك النساء فيها حتى لو كنّ بدون
سلاح, فيكفي إشعارهن منذ الصغر بأنهن غير قاصرات وأنهن
مؤهلات لحماية المجتمع ولسن موئل حماية فقط, كي يرفع
ذلك من الروح المعنوية لديهن ويخفف تالياً من شعورهن
بالدونية ويمنع إيقاع التحرشات عليهن.
أقتبس خاتمة المقال من كلام الدكتورة أميرة كشغري في
حوار أجري معها عن وضع المرأة السعودية إذ
قالت:(المسألة تتعلق بتهيئة مجتمعية لتقبل وجود المرأة
ومشاركتها في الحياة العامة بشكل طبيعي دون الفصل
التعسفي الذي أبقاها خارج الحياة العامة وفرض عليها
نمطاً من التفكير خارج إطار الحياة العامة أيضا وعطّل
قدراتها وحجم إمكانياتها في أن تكون إنسانا طبيعياً
يمارس حياته ولا يكون عالة على الآخرين).
الوطن السعودية 28/4/2008 |