|
قبل كتابتي لهذه المقالة قرأت تعليقاً في صفحة نقاشات على أحد مقالاتي يطالب فيه
كاتبه باعتبار السنة القولية للرسول عليه الصلاة والسلام أهم من السنة الفعلية, وقد
جانب الأخ الكريم الصواب لأن الأفعال أقوى تأثيراً من الأقوال, والدلالة على ذلك من
سيرة النبي عليه الصلاة والسلام في صلح الحديبية عندما أمر أصحابه بنحر الهدي
والحلق فما استجابوا إلا بعد أن استشار زوجته أم سلمة فأشارت عليه بأن يدعو حالقه
وينحر هديه, ولَمّا فعل تبعه المسلمون في ذلك الفعل.
هذه المقدمة المختصرة هي للاستشهاد على حال الأمة
العربية التي دأبت على كثرة الأقوال وقلة الأفعال,
فمقولة (ويل لأمة لا تأكل مما تزرع ولا تلبس مما تصنع)
هي مقولة عربية بامتياز, لكن الأمة العربية لا تطبقها
فعلياً, مما يؤدي إلى أوضاع اقتصادية مشوهة يلمسها
المرء من خلال ازدياد الأغنياء غنى والفقراء فقراً,
وبالطبع فإن البلاد العربية تختلف إمكانياتها المادية
من بلد لآخر, لكنها جميعاً تفتقد الزراعة التي تعيش
عليها شعوبها كما تنقصها الصناعة التي ترفعها إلى مصاف
الأمم المتقدمة.
لطالما قرأنا في كتب التاريخ الحديث أن الاستعمار
الغربي جاء إلى البلاد العربية ليحتكر ثرواتها,
وتحديداً الثروة الزراعية والمعدنية الخام, وعندما خرج
من البلاد التي استعمرها كبّلها باتفاقيات اقتصادية,
ما يجعل هذه الثروات تصب في سلّته بشكل أو بآخر, وفي
مجال التصنيع عقد اتفاقيات مشابهة, بحيث يتم تصنيع
ثروات البلاد المستعمَرة في البلاد المستعمِرة
لتشتريها الأولى بأسعار مضاعفة.
لكن ما لم نقرأه سابقاً أن البلاد العربية أصبحت عاجزة
عن إطعام أفواه أبنائها من زراعتها, وهو ما أصبحنا
نشهده عياناً بياناً؛ كذلك لم نطلّع على أن البلاد
العربية ذات التاريخ الخصب - كالبابليين والآشوريين
والسومريين والفراعنة وغيرهم من الذين أقاموا الحضارات
الزراعية القديمة حول الأنهار - عقدت اتفاقيات مع
مستعمريها السابقين واللاحقين تحرِّم عليها زراعة
القمح والأرز وكل ما يجعلها تملأ البطون الجائعة
لشعوبها دون الرجوع للمستعمر القديم أو الحديث,
لتستعيض عن الزراعة بالاستيراد منه, ومن عجبٍ أن
البلاد التي لم تخضع للاستعمار العسكري, لا تهضم معدة
أغنامها سوى الشعير الأوربي, ويا لرفاهية تلك الأغنام
التي لا تحيا إلا على شعير أوربا, بينما يفقد بعض
شبابنا العربي حيواتهم في قوارب الموت المتجهة إلى
أوربا!
من غرائب العرب أيضاً أنهم ينتسبون للجامعة العربية
سياسياً, دون اتفاقيات اقتصادية تكاملية بين بلد عربي
وجاره القريب, ناهيك عن جاره البعيد, وكأنما كُتب على
أمة العرب أن تبقى متفرقة متشرذمة تابعة, ليس لها رأي
من دون مستعمريها؛ كل ذلك من أجل مصّ البقية الباقية
من خيراتها, عبر اتفاقيات اقتصادية ظاهراً ولكنها
سياسية باطناً, وما يأسف له المرء أكثر أن الإعلام
العربي الذي هو قلب الشعب النابض لا يتمتع بتلك الحرية
التي تجيز له أن يكشف الخلل كما في الصحافة الغربية.
أضرب مثالا على الإعلام الحر من برنامج تابعته على
قناة
TV5
يوم الجمعة الماضي عن ارتفاع سعر الكهرباء في بلجيكا,
وكيف أن شركة "الكترابل" هي أول شركة أنشئت لتوليد
الكهرباء من الطاقة النووية, وخلال عقدين من إنشائها
كانت تزوّد الكهرباء للمواطنين بأسعار غالية بحيث حصلت
على كلفة التشغيل كاملة خلال عقد أو عقدين من الزمن,
وبعد اتفاقات تحرير السوق الأوربية في لشبونة, دخلت
شركة الكترابل في منافسات مع شركات أخرى تزود
المواطنين بالكهرباء من مصادر غير نووية, لكن بأسعار
لا تختلف كثيراً عن أسعار الشركة الأساسية, لأن شركة
الكترابل هي من يتحكّم بالثمن, حيث أن الطاقة النووية
تنتج الكهرباء بأسعار زهيدة وبذلك لم تستطع الشركات
الجديدة المنافسة رغم أن حرية السوق تعني التنافس الذي
يعني بدوره مصلحة المستهلك, وقد توصّل البرنامج إلى
الخيط الخفي الذي يربط الاقتصاد بالسياسة في بلجيكا؛
وهو ما يعجز الإعلام العربي عن كشفه وإلا فإن الصحفي
مهدّد بقطع رزقه وإقفال صحيفته!
المنافسة هي أهم ما يحققه السوق المفتوح للفرد, ولكنه
ليس كذلك لدينا دائماً, فعلى سبيل المثال دخول موبايلي
كمنافس لشركة الاتصالات لم يساهم بشيء كبير لمصلحة
المواطن والمقيم, وإذا وجدت فائدة فهي على مستوى
اتصالات الهاتف المتحرك لا الثابت, ومن يشترك بخدمة
DSL
ويشتري بطاقة اتصال بالنت من شركة أخرى, فإن شركة
الاتصالات تقدم له عرضاً لا يقل سوى عدة ريالات عن
السعر الذي يحصل عليه من الشركة التي يشتري منها بطاقة
الاتصال, فهل هذا عرض مغرٍ أو تنافسي لمصلحة المشترك
مثلا؟!
الكهرباء والاتصالات تعتبر مشكلات صغرى إذا ما قيست
بمشكلة حيوية كالغذاء, ومشكلة التسويق الرأسمالي أن
المستثمر الكبير يأكل المستثمر الصغير, فهو يستطيع
التحكم بالسوق وتخفيض الأسعار أكثر لأن هامشه الربحي
أوفر؛ وفي بلداننا لا تظهر سوى سيئات الرأسمالية, وقد
أشار عدد من الكتاب سابقاً, ومنهم رئيس التحرير, إلى
الأزمة الناجمة عن اتفاق شركات الألبان على رفع
الأسعار مرة واحدة, مما أدى إلى غياب المضمون التنافسي
أمام الفرد, ولقد قرأنا عن ضرورة محاسبة تلك الشركات
أو رجوعها للأسعار القديمة, ولكن مضى على ذلك أشهر عدة
دون جدوى.
الأنكى من ذلك تلك الفتاوى التي تحرّم مقاطعة الشركات
التي رفعت أسعارها, وكم تمنيت لو رأى أحد أولئك الشيوخ
المنعّمين امرأة في السوق تقرأ أسعار الأجبان وتكاد
تبكي من ارتفاعها, وسيدة أخرى أمسكت بجوالها ومعها
ابنها فيسألها لماذا لا تتحدث به بعد انتهاء التسوق,
فتخبره أنها تستخدم الحاسبة فيه لتقارن أسعار الزيوت
النباتي وكذلك أسعار زيت الزيتون, ثم تختار أن تشتري
زيتاً مخلوطاً من هذا وذاك, ضاربة بالقواعد الغذائية
عرض الحائط, وتخبرني بأنها تخشى المجاعة لذلك أصبحت لا
تبدأ بقضم لقمة من الخبز قبل أن تشكر الله عليه وتدعوه
أن يبارك لها فيه, ويبارك أيضاً بكل مسؤول يقطع يد كل
من تسوّل له نفسه احتكار الدقيق.
حدّث ولا حرج عن ارتفاع أسعار الأرز والحليب, وكم
سمعنا وقرأنا عن دعم الدولة لهذه المواد, ولكن الأسعار
ما تزال تراوح في المكان, إن لم تكن في ارتفاع, وريثما
تفك لجنة حماية المستهلك عقدة لسانها وتنطلق من
عقالها, لا ندري أين ستصل حرب الأسعار بهذا الإنسان
المغلوب على أمره, ناهيك عن ارتفاع الإيجارات بسبب
ارتفاع الحديد, مع أن الملاك القدماء للأبنية استعادوا
قيمة عقاراتهم عدة مرات من قبل ولكنه الطمع, فهو
السبيل الوحيد لارتفاع الأرصدة والدخول في خانة
المليونيرات الذين يزيدون في الوقت نفسه الذي يزداد
فيه عدد الفقراء
ما أدى إلى اختفاء الطبقة الوسطى رويداً رويداً, وهي
من يجسّر الفجوة بين الأغنياء والفقراء.
التضخم في أسعار بعض السلع تجاوز 200%, والتضخم يؤدي
إلى الركود الاقتصادي, وما يخشاه عقلاء العالم أن
يتفاقم ارتفاع الأسعار مؤدياً إلى ثورة الجياع خاصة مع
"بشرى" البنك الدولي بأن ارتفاع الأسعار سيستمر على
الأقل لسبع سنوات عجاف تالية,
أما المدير العام لصندوق النقد الدولي فحذّر من أن
أسعار المواد الغذائية إذا استمرت على الوتيرة الحالية
من الارتفاع، فإن العواقب ستكون "مريعة"، موضحاً أنه
"كما علمنا في الماضي فإن هذا النوع من الأوضاع ينتهي
أحياناً بحرب", فهل تتدارك الحكومات العربية التقصير
لتستطيع تجاوز الأزمة بأقل الخسائر الممكنة؟!
الوطن السعودية 21/4/2008 |