الصفحة الرئيسية
  
في النهوض والتغيير (إبحار ضد التيار)   الإيمان بالخرافة
 
 
 

الإيمان بالغيب أحد مقتضيات الإيمان بالله عز وجل, وقد ورد ذكر الغيبيات في القرآن الكريم والسنة المطهرة, ولكن مشكلة المسلمين كانت دائماً في الانشغال عن عالم الشهادة لصالح الاهتمام بعالم الغيب؛ مع أن الإسلام يعلّم معتنقه التوازن بين الدين والدنيا, كما أنه يطلب منه تحكيم العقل في كل ما يخصّ عالم الشهادة, والتسليم لله في كل ما يتعلّق بعالم الغيب دون البحث فيما لا فائدة منه كالماورائيات, , وهناك كثير من الأمثلة يمكن الاستشهاد بها على هذا الأمر وأهمها نصيحة النبي عليه الصلاة والسلام:(احرص على ما ينفعك).

في الآية 102 من سورة البقرة ورد ذكر السحر ودور الشياطين فيه, وقد أوضحت الآية أنه لا قدرة لأحد على فعل شيء لم يقدّره الله سبحانه:(فيتعلمون منهما ما يفرقون به بين المرء وزوجه, وما هم بضّارين به من أحد إلا بإذن الله), كما ذكر الجن في أكثر من سورة وعاب القرآن الكريم فعل بعض أهل الجاهلية:(وأنه كان رجال من الإنس يعوذون برجال من الجن فزادوهم رهقاً), وتشرح الآيات في سورة الجن كيف أن بعثة الرسول عليه الصلاة والسلام وضعت النهاية لقدرات الشياطين بمعرفة ما يدور في الملأ الأعلى, مما يعني أن البعثة النبوية كانت علامة فارقة في تاريخ البشرية لإحياء العقل وقدرة الإنسان على الفعل بدل الخضوع لكائنات من عالم آخر لا تضر ولا تنفع.

ومع مضي السنين على هذه الثورة الثقافية التي أحدثها الإسلام وما تلا ذلك من انفتاح المسلمين على ثقافات أخرى تؤمن بالخزعبلات والخرافات, فقد تقادم العهد بين المسلمين وإسلامهم, فتخلّفوا في شتى الميادين التي تحتاج قدح أحجار العقل لاستخراج شرارات عالم الشهادة, وآثروا الركون إلى السلبية وتحجيم دور الفكر بغاية الاستسلام للخوف من القوى الخفية؛ أما العالم الغربي فقد استفاد من معطيات وإنجازات الحضارة الإسلامية ليصحو العملاق الأوربي من نومه ويقذف الخرافات بقدمه ويستبدل ثقافة العلم والإيمان بالعقل بثقافة الخضوع الكهنوتية, في الوقت الذي تخلّى فيه العرب عن كثير من مقومات دينهم وأهمها اتصال الحكمة والشريعة واتحاد العقل والإيمان.

لذلك عندما يرى المرء شخصاً استطاع أن يوفّق بين عقلانية الغرب وروحانية الشرق فإنه كمن يرى كائناً نورانياً يضيء وجوده هذا العالم, وهكذا كان عالم الفلك الفرنسي الدكتور عبد الحق الذي استضافه برنامج "زيارة خاصة" على قناة الجزيرة والذي اعتنق الإسلام دون أن يترك الدنيا ليعمل للآخرة, بل استمر متقدماً في علومه الدنيوية في نفس الوقت الذي تبحّر فيه بالمعارف الدينية, ولقد كانت بعض إجاباته مذهلة لمضمونها الذي لا يصدر إلا عن متعمّق في القراءات الفكرية الدينية المتنوعة, وأما ختام الحلقة فقد كان مِسكاً حينما كشف النقاب عن المحاضرة التي ألقاها في أمريكا بعد أحداث 11/9 والذي أخبر فيها الحاضرين عن ركن أساسي في ثقافة المسلم ألا وهو الثقة بالإنسان الذي حَمّله الله الأمانة دون المخلوقات الأخرى, ثم طرح سؤاله عليهم: إذا كان الله قد وثق بالإنسان, أفلا نثق نحن به؟!

تمنيت لو أعلم ماذا يقول الدكتور عبد الحق  عن العرب أنفسهم؟! أولئك الذين لم يثق الله بهم كباقي البشر فحسب بل جعلهم حملة رسالته الخاتمة, فإذا بهم يستبدلون بالإيمان المحرك والدافع والباعث للتفوق في جميع مجالات الحياة الإنسانية الاعتقادَ بالعرافين والمشعوذين ليكشفوا لهم عن أقدارهم التي لا يعلمها إلا الله, ولو أن هؤلاء العرافين كانوا يعلمون الغيب ما لبثوا في العذاب المهين, كما قال الله عن الجن في سورة سبأ, وما أكثر ما سمعنا بدجّال يخدع الناس ويعدهم أنه سيحول معادنهم ذهباً, وريالاتهم دولارات؛ ولو أنه كان يستطيع اجتراح المعجزات لفعل ذلك لنفسه ولاستغنى عن الاحتيال على الناس وسرقة أموالهم.

لو رحت أقص الأمثلة على الإيمان بالجن والسحر في مجتمعاتنا العربية لانتهت المساحة المخصصة للمقالة ولما ذكرت إلا القليل مما أسمعه أو أقرأه, ولكن لا مانع من ذكر بعض الأمثلة الطريفة, فهذه صديقتي لا تعرف كيف تتصرف مع ابنتها التي تجاوزت العشرين والتي تعمل في حقل طبي ومع ذلك تظن أن في منزلهم بعض صغار الجن الذين يداعبونها وهي نائمة, بينما جارتي الأخرى تشعل المبخرة دائماً قبل وبعد مجيء الناس كي تطرد الحسد والسحر؛ وهذا شاب عشريني يحضر أخته للعيادة ويخبرني أنها تنفرد بغرفتها وتكلم شخصاً غير مرئي, مما جعله وأهله يعتقدون بوجود جني في داخلها, وليتهم بحثوا عن السبب الذي جعل هذه الفتاة تكلّم نفسها!

كما أن بعض الأسئلة التي توجّه لي كاستشارات اجتماعية تدلّ على عمق الإيمان بالقوى الخارقة, فهذا لم يستطع أن يدخل بزوجته لأنه مربوط, والآخر لم تسمح له عروسه أن يقترب منها لأنها مسحورة, وتفسير الحالتين نفسي تربوي بالدرجة الأولى, فقد يكون سبب شعوره بـ "الربط" جهله التام بالأمور الجنسية, وقد يكون بسبب الخرافات والأساطير التي تروى عن ليلة الدخلة, وهو ما يقال بالنسبة للفتاة, إضافة إلى تعرضّها لمنظر جنسي في طفولتها أو تحرش جنسي أو عنف جسدي أدى بها إلى كره كل ما يربط جنسها بالجنس الآخر؛ وكثيراً ما تفسر حالات فصامية على أنها من عمل الجن, ومن ذلك الشعور بالجني الذي يجامع الإنسية أو بالجنية التي تنام مع الإنسي, وكلها تنجم عن اشتراك الجسد والنفس في اضطراب واحد, وتأتي حالات التحرش في الأسرة في قمة هذه الحالات إذا لم تعالج آثارها في سن مبكرة.

شخصياً أعرف حالة نموذجية لهذا الاضطراب, وهي حالة فتاة تعرضت لتحرشات متكررة من أخيها في طفولتها, ثم أخفقت في ليلة زفافها, ولم تكن لوحدها تتحمل سبب الإخفاق, بل إن الأمر مسؤولية العروسين معاً, فهي أصيبت بخوف شديد أدى بها إلى تشنج الأعضاء التناسلية الداخلية وهي حالة معروفة طبياً, بينما عانى هو مما يسمى عنانة المحرمات, وهي حالة تحدث أحياناً للشاب الذي سبق له إقامة علاقات محرمة, لكنه يخفق ليلة الزفاف بسبب ارتباط الفعل الجنسي لديه بالمحرم والإثم فقط؛ وتم الطلاق وانتهت المرأة المطلقة بالدخول بمرحلة الكوابيس الليلية المخيفة وأخيراً أخبرتني أن جنياً تلبّسها فلا يتركها تكمل عملا, حتى الصلاة!

من فترة استضاف برنامج "حوار من الداخل" أحد الذين يدّعون العمل بالرقية الشرعية, وأحضر معه قطع ملابس سوداء ادعى أنه أخرجها من أعضاء تناسلية لفتاة بعمر 13 سنة ركبها الجن, وحديثاً كان ضيف برنامج "إضاءات" شاعر سعودي افتخر بأبحاثه عن الجن, وكان أطرف ما أورده اعتقاده أن الفيروسات والبكتريا هي عوالم متدنّية أو منحطّة من الجن, مع أن هذه الكائنات الدنيا لم يمكن لأحد أن يكتشف وجودها لولا اختراع الغرب للمجهر الالكتروني, وليت الزميل تركي الدخيل طرح عليه أحد سؤالين: هل يمكن أن يخترع الغربيون مجهراً أقوى لنرى العوالم المتقدمة من الجن؟! وكيف يفسر لنا التناقض بين اعتقاده هذا وبين إيماننا بأن العوالم الغيبية لا يمكن للعلم أن يكتشف ماهيتها وإلا لما عادت من عالم الغيب بل أصبحت من عالم الشهادة؟!

تعرض قناة MBC ACTION برنامجاً عن الخدع البصرية التي يقوم بها كريس آنجل, ومع أن ما يقوم به يصنّف بأنه من الخوارق كالطيران في الهواء والسير على الماء, مع ذلك لم يقل أنه ساحر أو أنه يستعين بالجن, وفي الحلقة الأخيرة أقنع مجموعة من الناس المعروفين باشتراكهم في تحضير روح فتاة مقتولة في فندق بأمريكا, وشعروا جميعاً بالروح واقترابها منهم وملامستها لهم, لكن كريس أنهى البرنامج بابتسامته المعهودة المترافقة مع تصريحه بأنه لا يقتنع بتحضير الأشباح, ما يعني أن كل ما فعله ليس إلا خدعاً بصرية نفسية لا علاقة لها بالأرواح والجان وما شابه, فهل نحتاج واحداً مثله ليوقظنا من سباتنا؟!

الوطن السعودية 14/4/2008

 

 

     

حقوق الطبع محفوظة لموقع د. ليلى الأحدب © 2005 تصميم وتطوير موقع الثريا |