|
دعوة خادم الحرمين الشريفين في المنتدى السادس لحوار الحضارات إلى عقد مؤتمرات تضم
ممثلين عن الأديان السماوية للاتفاق على ما يكفل صيانة الإنسانية من العبث بالأخلاق
والتفكك الأسري والإلحاد هي دعوة تأتي في وقتها المناسب, لتطرد النبوءة بحتمية صراع
الحضارات, ولتعيد البشرية إلى مسارها الصحيح.
كثير من الآيات القرآنية قررت أن الدين عند الله هو
الإسلام, وأن ما أنزل على محمد عليه الصلاة والسلام لا
يختلف في أسسه وثوابته الإيمانية والأخلاقية عما أنزل
على غيره من الأنبياء كما أن كثيراً من الأحاديث
الشريفة تظهر أن محمداً عليه الصلاة والسلام ما أتى
لينقض ما بناه الأنبياء السابقون بل كان كاللبنة التي
أكملت ذلك البناء.
الدين واحد لأنه من عند الرب الواحد, وما جاء الإسلام
إلا لييسّر على معتنقيه وعلى أتباع الديانات السابقة,
بحيث تكون الشريعة أقرب معاصرة للإنسان, وأكثر
انسجاماً مع ارتقائه في سلم الحضارة, ولذلك استنتج
الحكيم محمد إقبال أن ختم الرسالات بالإسلام يشير إلى
أن الإنسان وصل حداً من التحضر يمكّنه من استعمال عقله
في المستجدات دون أن يتخلى عن ثوابت دينه الأساسية,
ولذلك يعتبر إقبال أول من كتب في التجديد الديني, بعد
أن استطاع أن يهضم مكونات الحضارة الغربية بسبب عيشه
فترة طويلة في الغرب, ولهذا قال:(لم يبق أمامنا من
سبيل سوى أن نتناول المعرفة العصرية بنزعة من الإجلال,
وفي روح من الاستقلال, والبعد عن الهوى, وأن نقدر
تعاليم الإسلام في ضوء هذه المعرفة, ولو أدى بنا ذلك
إلى مخالفة المتقدمين, وهذا الذي اعتزم فعله).
أتيت بعبارة إقبال لأنها تصب تماماً في صالح دعوة خادم
الحرمين الشريفين, إذ إن تعاليم الإسلام والمعرفة
العصرية تتفقان في شيء واحد, ألا وهو استعمال العقل,
فالحداثة الغربية تعتمد على الفكر النقدي الموضوعي
الذي أساسه العقل, والقرآن يدعو إلى النظر والتفكير في
دقائق الأمور وأسرار الكون وخفايا النفوس, بما فيه
تنبيه من عطّلوا عقولهم واتبعوا معتقدات آبائهم دون
برهان؛ ولكن برغم هذا الاتفاق الكبير بين الحداثة
الغربية والإسلام فإن مكوّناً عظيماً في الأديان كلها
ومنها الإسلام وهو الوحي تأباه الحداثة الغربية.
رفض الحداثة للوحي في الوقت الذي قدّست فيه العقل أخرج
الإنسان من إنسانيته, فرغم كل التقدم الذي يزخر به
الغرب, توجد فجوات كبيرة أشار إليها خادم الحرمين
الشريفين في كلمته, ألا وهي التفكك الأسري, والبعد عن
الأخلاق, وانتشار الإلحاد, وهذا لا حلّ له إلا بالرجوع
إلى الدين.
فولتير كغيره من الفلاسفة الغربيين كان قد عادى الدين
في بداية حياته حتى وصل إلى الإلحاد لكنه وبعد تجربة
طويلة استنتج أنه لابدّ للمجتمع من دين يمنع الإنسان
من ظلم أخيه الإنسان, ولم يتعظ أحد من تجربة فولتير
فكأنما كُتب على الإنسانية أن تعيد التجارب المؤلمة,
والفيلسوف ليسنج نادى بأفكار شبيهة لأفكار فولتير مع
أنه أتى بعده بفترة معتبرة, وكلاهما بنى فلسفته على
ردود أفعال - أكثر منها أفكار- نتيجة الصراعات الدموية
التي نجمت عن اختلاف المذاهب والأديان, فكأنما أراد
فلاسفة التنوير الغربي أن يُلغوا الدين بعد إذ ظنوه
متلازماً مع الصراعات السياسية تلازم النتيجة والسبب,
والحقيقة أن الدين بريء من الفتنة, ويجب أن لا يستغل
الدين من أجل نيل مصالح دنيوية.
دعوة خادم الحرمين الشريفين كانت صادقة ومعبرة, وقد
صرّح أنه عرض فكرته على علماء المملكة العربية
السعودية الذين وافقوا عليها, وهذا تواضع للعلم من
الملك حفظه الله, لكنه في نفس الوقت يضع مسؤولية كبيرة
على العلماء كي يقوموا بدورهم المنشود في جمع كلمة
المنتسبين إلى العلم الشرعي في المملكة وخارجها, بحيث
نرى دعوة خادم الحرمين الشريفين متحققة على أرض الواقع
لما فيها من خير للبشرية جمعاء وللمسلمين عامة
وللمملكة خاصة, لكن لابد من تجاوز كل المعيقات التي
تستند إلى فهم خاطئ للإسلام فتسيء إليه وإلى أتباعه
وفي مقدمتهم المملكة العربية السعودية حكومة وشعباً.
لم يشوّه الإسلام أحدٌ كما فعل ابن لادن وزمرته, فهو
كمن نفخ الروح في أفكار هنتنغتون عندما أعلن أن العالم
مقسوم إلى فسطاطين فسطاط للإيمان وآخر للكفر, بعد
الحرب التي شنها على أمريكا في عقر دارها, وما زال ابن
لادن يصب الزيت على النار, كما حدث مؤخراً باتهامه
بابا الفاتيكان أنه وراء الإساءة للإسلام بالموافقة
على نشر الصور الكاريكاتورية المسيئة للنبي عليه
الصلاة والسلام, وقد قام الفاتيكان بالرد على هذه
الدعوى الظالمة, بأن البابا لا يملك دفع الإساءة عن
المسيح نفسه, وكلنا يذكر أن رواية شفرة دافنشي تتهم
المسيح عليه السلام بالزواج من مريم المجدلية, وقد
تحوّلت إلى فيلم رفضه أتباع الكاثوليكية كما رفضوا
الرواية, وكان من الجيد لو أعلن المسلمون تضامنهم معهم
في ذلك الوقت لأنه من البديهي أننا يجب أن نعاضد أتباع
الديانات الأخرى حتى نضمن وقوفهم إلى جانبنا, والسؤال
المؤسف هنا: لماذا توجد هذه الرواية في المكتبات
السعودية؟
نفس السؤال يبزغ فيما يخص امتناع مجلس الشورى عن تمرير
قانون يجرم الإساءة للأديان, وحجة من رفضوا القانون أن
كلمة "الأديان" تشمل الأديان غير السماوية, فكيف نسي
هؤلاء الإخوة أن الإسلام يحرّم الإساءة لمعتقدات الغير
حتى لو كانوا وثنيين؟ ألم يقرؤوا الآية الكريمة:(ولا
تسبوا الذين يدعون من دون الله فيسبوا الله عدواً بغير
علم, كذلك زينا لكل أمة عملهم)؟! وكيف نسوا أن الرسول
عليه الصلاة والسلام وأصحابه من بعده تركوا للمجوس
حرية ممارسة عقائدهم مثلهم مثل أهل الكتب السماوية؟!
أفعال أخرى مشوّهة للدين أيضاً تلك التي يقوم بها بعض
من يظنّون أنهم يملكون الحقائق المطلقة دون الناس,
فيهاجمون كل من يتجرأ على النطق بكلمة تخالف قناعاتهم
الشخصية المستمدة من اجتهادات فقهاء سابقين, إن نفعت
في عصور ماضية فهي تعتبر آفات في عصرنا الحاضر,
وسلاحهم في ذلك التكفير لكل من يتبنى التفكير
باستقلالية عنهم حتى لو انطلق من القرآن الكريم والسنة
الصحيحة, ولا ريب أن وجود هؤلاء التكفيريين هو حجر
عثرة في طريق أي حوار مع أتباع الديانات الأخرى, خاصة
أنهم يصرّون على نعتهم بالكفار إذ تتعطل عندهم آليات
التسامح لمصلحة فقه البراء حتى من المسالمين, فكيف
تُحلّ هذه المعضلة؟!
ثمة ممارسات أخرى تسيء للإسلام والمملكة معاً, ألا وهي
المطاردات التي تتم باسم الدين, وكل يوم نسمع خبراً عن
مقتل شاب أو فتاة نتيجة فهم خاطئ لدور الأمر بالمعروف
والنهي عن المنكر في المجتمع, مع أننا لم نقرأ عن
أحداث مشابهة في العهد النبوي, وقد نوّهت الباحثة
الاجتماعية السيدة فوزية البكر في تحقيق نشرته صحيفة
الحياة 26/3/2008 إلى ضرورة أن ندرك حجم التغيرات
المجتمعية والقيمية التي حدثت في المجتمع, وعلى أساسها
يتم خلق نمط جديد من العلاقة قائم على احترام إنسانية
الأطراف كلها مع سيادة القانون؛ وهذه الجملة التي
اقتبستها من كلام السيدة البكر تنطبق تماماً على دور
المرأة في المجتمع, حيث أن النظرة الجمعية إلى المرأة
لا تتماشى مع المكانة السامقة التي رفعها إليها
الإسلام ولا تتسق مع الانفتاح الاقتصادي الذي تشهده
المملكة والذي يجب أن يبنى على أساسٍ من الانفتاح
الاجتماعي.
تبقى معضلات أخرى يجب إيجاد حلول لها كالإسلام والفن,
فلا زال هناك من يحرم الصور والموسيقى مع أن كلها
أدوات ووسائل لغايات فإن صلحت الغاية صلحت الوسيلة,
والمعضلة الأساسية تبقى في الرجوع الحقيقي إلى الدين
الفطري المتصالح مع الحياة, كي يتصالح مع الديانات
الأخرى, فكيف الطريق إلى ذلك؟
الوطن
السعودية 31/3/2008 |