الصفحة الرئيسية
  
في النهوض والتغيير (إبحار ضد التيار)   الإسلام بريء من القاعدة
 
 
 

تأتي ذكرى مولد الرسول الكريم عليه الصلاة والسلام بعد بضعة أيام, وهو الذي غيّر وجه العالم خلال مدة زمنية قصيرة ما يجعل هذا التغيير أقرب إلى المعجزة, وقد بدأ هذا التغيير سلمياً طوال فترة العهد المكي, ولم يسمح للمسلمين بممارسة أي عمل جهادي قبل تأسيس الدولة في المدينة المنورة, ومع ذلك فإن المجاهدين الذين امتطوا ذروة سنام الإسلام بعد ذلك التأسيس كانوا حريصين ألا يشوّهوا الوسيلة التي امتطوها, فقد كان جهاداً مقدساً بكل معنى الكلمة, يحترم العهد ويراعي المواثيق, وقد بدأ الرسول الكريم عليه الصلاة والسلام العهد المدنيّ بكتابة دستور يشمل كل أهلها بما فيهم اليهود, وحافظ على عهده معهم إلا عندما خانوا الله ورسوله فأمكن منهم, كما كان حال يهود بني قريظة بعد غزوة الخندق كما ورد في القرآن الكريم والسنة الصحيحة.

كلّ تصرف قام به الرسول عليه الصلاة والسلام كان أساسه السلم لا العنف, والتسامح لا الانتقام سواء كان ذلك مع الأعداء, كموافقته على بنود صلح الحديبية رغم معارضة بعض أصحابه الذين شعروا أن البنود مجحفة بحقهم, وكإطلاقه سراح أهل مكة بعد فتحها:(اذهبوا فأنتم الطلقاء)؛ أو كان ذلك مع الجيران المخالفين كمعاملته الحسنة ليهود المدينة بما فيهم اليهودية التي حاولت قتله بالسم فلم ينتقم منها؛ أو الناس البعيدين كتبجيله لنصارى نجران بفرش ردائه لكبيرهم عندما جاؤوا إلى المدينة, وحتى عندما كاتب عظماء الروم وفارس بعد فتح مكة كان خطابه يحمل احتراماً لمكانتهم, على سبيل المثال بدأ كتابه إلى هرقل بتقديره له إذ كتب من محمد رسول الله إلى هرقل عظيم الروم, وليس ذلك غريبا عليه وهو القائل:(أنزلوا الناس منازلهم), ولم يبدأ أحداً بالحرب إلا أن يكون ذلك وحياً من السماء, وهي حالات استثنائية تنزّل القرآن مؤكداً عليها, ولم يخاطب أحداً من الملوك بأسلوب التهديد, بل كان نهاية خطابه لهرقل هكذا: فإن توليت فإن عليك إثم الأريسيين.

من يتدبر في السيرة النبوية الصحيحة بحيادية يرى رجلا عظيم الأخلاق مع من حوله, رحيماً بأتباعه, حليماً على من يتجاوز حدّه من المنافقين, مانعاً أصحابه أن يقتلوه كي لا تتشوّه مكانته وسمعة دينه بين العرب:(لئلا تتحدث العرب أن محمداً يقتل أصحابه), حكيماً في تعامله مع أعداء الأمس أصدقاء اليوم: (من دخل دار أبي سفيان فهو آمن)؛ وفي الحرب كما في السلم تأتي الأخلاق في المرتبة الأولى, فوصيته معروفة للمجاهدين بعدم قطع الأشجار والامتناع عن قتل الرهبان والنساء والأطفال وغير المقاتلين, وعندما رأى امرأة مشركة مقتولة قال:(ما كانت هذه لتقاتل) مشنّعاً على من قتلها, وعندما وصله نبأ قتال خالد بن الوليد للقبيلة التي أعلنت إسلامها نتيجة فهمه الخاطئ لقولهم (صبأنا) على أنها (كفرنا) وليس (أسلمنا) كما قصدوا, رفع الرسول عليه الصلاة والسلام يديه إلى السماء قائلا:(اللهم إني أبرأ إليك مما فعل خالد) وأرسل للناس ديات قتلاهم كاملة.

كل ذلك غيض من فيض النبوة العظيمة, ومع ذلك فإن هذا القليل يجعلنا نتساءل عن أولئك الذين يدعون الانتساب للإسلام, فيسيئون للإسلام كما لم يفعل أعداؤه, وكل ذلك تحت دعوى الجهاد, وكأن الجهاد غاية وليس وسيلة, وكأن أحدهم هو نبي آخر الزمان يكاد أن يوحى له, فمن يغيّر عقلية هؤلاء سوى أساتذتهم؟

هذا السؤال يُطرح بمناسبة الإفراج عن أحد عرابي القاعدة وهو المقدسي الذي عُرف عنه أنه كان الأب الروحي للزرقاوي, وقد ارتحنا من الأخير, فهل يريحنا الأول بالقيام بمراجعات كتبه وتفنيد أفكاره كما فعلت الجماعة الإسلامية وجماعة الجهاد في مصر؟ هل يتذكر هو وأمثاله أوامر الرسول عليه الصلاة والسلام بعدم الخروج على الحكام:(ما أقاموا الصلاة فيكم) وفي حديث آخر:(ما لم تروا كفراً بواحاً عندكم من الله فيه برهان).

الجماعة الإسلامية المصرية أصدرت عدة كتب في مراجعاتها منها كتاب "إستراتيجية وتفجيرات القاعدة، الأخطاء والأخطار", وأهم ما جاء فيه أن الإستراتيجية الأميركية تجاه أفغانستان، خاصة في مطلع تسعينات القرن الماضي لم تكن تبرر تبني القاعدة لإستراتيجيتها على النحو الذي اعتمدته، بل إن قادة القاعدة أقحموا الأمة الإسلامية في صراع لا طاقة لها به، ولا رغبة لها فيه؛ ويفند المؤلفون استدلالات زعماء القاعدة الخاطئة في تبرير تفجيراتهم من أحداث 11 سبتمبر حتى أحداث الرياض 2003, حتى يصلوا إلى حقيقة مؤداها أن أغلب الضحايا في التفجيرات كانوا من المسلمين أو من جنسيات أخرى غير مستهدفة وهو ما نجم عنه أن أصبحت هذه الدول التي تمت فيها التفجيرات متكتلة ومتحدة ضد الحركات الإسلامية بشكل عام، وليس القاعدة فقط؛ ويدلّل الكتاب على خطأ فتوى أسامة بن لادن بجواز قتل المدنيين الأميركيين؛ كما يتناول الخطأ في استدلالات زعماء القاعدة بجواز تفجيراتهم عبر أربعة مناهج: الخطأ في تنزيل الحكم الشرعي الخاص بإباحة انغماس المسلم في صف العدو، وبجواز تفجيرات الطائرات المدنية والشاحنات الملغومة، والخلل في تنزيل أحكام الإغارة للقول بإباحة استخدام التفجيرات العشوائية، والخطأ في تنزيل الأحكام الخاصة برمي الترس، وجواز الرمي بالمنجنيق للقول بجواز التفجيرات العشوائية، والخطأ في استهداف الأجانب والسياح بدعوى عدم انطباق أحكام الأمان عليهم.

القاعدة ما تزال تتبنى وسائل وآليات لا تمتّ للإسلام بصلة, وكل يوم تصكّ أسماعنا أخبارها المنتنة, فمن خطف رجل دين مسيحي في العراق وترك جثته في العراء, إلى قتل سياح فرنسيين في موريتانيا – وقد حدث الأمر نفسه في السعودية لكن الله أمكن من الإرهابيين - إلى طعن سائح ألماني في الأردن, إلى خطف سائحين نمساويين في تونس ومساومة النمسا على إطلاقهما مقابل الطلب منها بالتدخل لإخراج سجناء القاعدة من سجون تونس والجزائر والمغرب, ولكن ما علاقة النمسا بالمسجونين في البلاد العربية؟! ما هذا الجنون الذي يتفوه به زعماء القاعدة؟!

في رسالة الكترونية وصلتني منذ عدة سنوات هي ترجمة انكليزية لخطاب أحد زعماء القاعدة في السعودية الذي انتهت حياته على يد قوات الأمن البواسل, كان تركيز هذا الزعيم على الجهاد من خلال تحريض العواطف على كره أمريكا لما تفعله في العراق؛ ولكن خطاب القاعدة الكاره لأمريكا لم يتغير رغم أن العراقيين أنفسهم اتجهوا إلى التعاون مع القوات الأمريكية لإحلال الأمن بإنشائهم ما يسمى قوات الصحوة, بل انقلبت القاعدة على مقاتلي الصحوة أنفسهم لأنها أدركت أن اتحاد العراقيين هو الطريق ليس لإخراج الأمريكيين فقط, بل لإخراج القاعدة نفسها من العراق, وهذا يؤكد ما أورده مؤلفو كتاب إستراتيجية وتفجيرات القاعدة المشار إليه من أن استناد القاعدة على سلبية الإستراتيجية الأميركية تجاه العالم الإسلامي وقضاياه لتبرير خيارها الاستراتيجي لا يصح الاحتجاج به أو الاستناد إليه، لان إستراتيجية القاعدة هي في الحقيقة أهم عامل أسهم في تسريع وصياغة تلك الإستراتيجية الأميركية السلبية.

من واجبنا أن نتساءل بعد كل هذا الكلام: هل تنتسب القاعدة إلى الإسلام حقاً؟ ماذا يبقى من المسلم إذا لم يأمنه أحد على نفسه؟ ماذا يبقى من المسلم إذا كان همّه التنفير من الإسلام وتأليب الشرق والغرب ضد المسلمين؟ حتى الصين أصبحت تشتكي من الإرهاب وهي التي طالما كانت صديقة للعرب وقضاياهم, ما يعني أنه بفضل القاعدة أصبح الإسلام مستهدفاً في كل مكان؛ لذلك فإن القاعديين أسوأ من الخوارج الذين قال علي بن أبي طالب عنهم:(إخواننا بغوا علينا) لأن الإرهابيين بغوا على الإسلام نفسه, لذلك ليسوا إخواننا وليسوا مسلمين.

الوطن السعودية 17/3/2008

 

 

     

حقوق الطبع محفوظة لموقع د. ليلى الأحدب © 2005 تصميم وتطوير موقع الثريا |