الصفحة الرئيسية
  
في النهوض والتغيير (إبحار ضد التيار)   المواطنون والمقيمون سواسية أمام الغلاء والجريمة
 
 
 

الحلقة الأخيرة من برنامج 20/20 والذي تعرضه قناة  mbc4 كانت حول مفهوم السعادة لدى شعوب العالم, وقد خرج البرنامج باستنتاج مفاده أن الشعب الأكثر سعادة هو الشعب الدانمركي, لأنه شعب غير استهلاكي من جهة, ولأن الدولة تقدم له كل حاجاته الضرورية من جهة أخرى؛ وربما تكون هذه المعلومة صادمة لنا كوننا لم نعرف عن الدانمرك إلا وجهها القبيح عن طريق بعض رساميها الحمقى الذي افتأتوا على الرسول عليه الصلاة والسلام, وليس بضاره شيئاً وهو الذي أخبر أصحابه أنهم – أي الكفار –  (يشتمون مذمماً وأنا محمد).

بدأت بهذه المقدمة لعلّي أضرب عصفورين بحجر واحد, أولهما أن الرسول عليه الصلاة والسلام ليس بحاجة لمظاهراتنا العنيفة كي نثبت للعالم مدى حبنا له, فمحبتنا له نظهرها بقدر اتباعنا لسنته والتحقق بأخلاقه؛ وثانيهما أننا حقيقة أبعد ما نكون عن الإسلام الذي حمل لواءه رسول الله عليه الصلاة والسلام ليتمم مكارم الأخلاق, فأين التكافل الاجتماعي في المجتمعات الإسلامية؟!

أما الشعب الدانمركي السعيد فسعادته قائمة على التماسك الاجتماعي لأن كل المواطنين والمهاجرين فيه مكتفون غذائياً وصحياً وتعليمياً, وتعريفهم للسعادة ليس تعريفاً فردياً أبداً بل له دلالاته الجماعية في الأسرة والجيران والمجتمع كله, وأهم تلك الدلالات هو الاشتراك في الفعاليات الثقافية المختلفة والفنون المتنوعة, لذلك فالمسلم العاقل في تلك البلاد يستطيع أن يدقّ على أبواب الفطرة في قلوب الكثرة منهم, عندما يندمج في المجتمع من خلال أبسط الأدوات التي علّمها لنا الرسول الكريم, ألا وهي الاختلاط بالناس, فالمؤمن الذي يختلط بالناس ويصبر على أذاهم خير ممن لا يفعل ذلك.

عندما وجه مقدم برنامج "حوار العرب" على قناة العربية سؤالا للسيد عمرو موسى أجاب الأخير بأنه يشعر بالإحباط فعلّق المحاور:(حتى الأمين العام محبط!) لذلك لا غرو أن هذا الإحباط - الناجم عن أسباب عامة - ملازم للعربي من الخليج إلى المحيط, لكن ما يزيدنا إحباطاً أنه حتى البلاد الخليجية التي تعرف ببلاد الوفرة تكاد تنعدم فيها أسباب السعادة, وأنا أفضّل أن أستبدل هنا كلمة السعادة بمصطلح الرضا الذي يعطي مدلولا أكثر استدامة حيث أن السعادة الحقيقية في حياة أي إنسان ما هي إلا لحظات معدودة.

ما يهمني تحديداً هو المجتمع الذي أعيش فيه, وهو الذي أعرفه أكثر من غيره, فلدى قراءة خبر عن اهتمام المسؤولين بإنشاء ما يسمى "الشرطة المجتمعية" مثلا, يشعر المرء بأهمية إدماج المواطن والمقيم في المسؤولية عن المجتمع, فهذه المسؤولية تفوق إمكانيات أي دولة, لذلك يجب إشراك الجميع بها وتعويدهم على رفض كل ما يخلّ بالنظام والأمن في المجتمع.

المشكلة التي تواجه هذه الخطوة الإيجابية تنجم عن عوامل عدة, منها مثلا أن المواطن بات يشتكي من عدم توافر حاجاته الأساسية كالصحة لأسرته والتعليم لأولاده الصغار والعمل لأولاده الكبار, ولا أحد يهتم بخسائره في الأسهم ولا أحد يبالي بأزماته في ارتفاع الأسعار وصعوبة تأمين ضروريات الحياة اليومية؛ كل هذا وغيره يساهم بتضاؤل شعوره بالمواطنة, وبالتالي فإن شعوره بضرورة أداء واجبه في حماية المجتمع ينقص لأنه لا يجد من يحميه ممن يظلمه, وممن يحتكر قوته, وممن يحرمه حقه, وإذا كان وضع المواطن كذلك فما الذي يمكن أن نقوله عن المقيم؟!

جدلية المقيم والمواطن تكاد تستعصي على الحل, فالمواطن ينظر إلى المقيم على أنه قادم لسلب فرص العمل منه, والمقيم يشعر بهذه النظرة ويجدها ظالمة لأن ما يأخذه بيده اليمنى يصرفه بيده اليسرى على المدارس الخاصة والمستشفيات الخاصة؛ والحقيقة هي أن كلا من المواطن والمقيم ضحية لتجار التأشيرات, ويكفي تصريح وزير العمل عن مليون وسبعمائة ألف تأشيرة صدرت في العام الماضي, ليجعل الشعور بالأزمة يزداد؛ ولذلك فمن الجيد أن تفكر الدولة بالاستغناء عن نظام الكفيل وربط المقيمين بها مباشرة, كما ورد بصحيفة الحياة في الأسبوع الماضي, لما نجم عن هذا النظام من مشكلات صدعت رؤوس الموظفين في مكاتب العمل وحَمّلتهم ملفات فوق طاقتهم, وإن أنسى لا أنسى عبارة لأحد المشاركين في الحوار الوطني الأخير عندما أوضح أن نظام الكفيل هو السبب وراء عدم تطبيق السعودة, لأن هذا النظام يتيح لرب العمل أن يستعبد المكفول وهو ما لا يستطيعه مع ابن البلد.

من المهم جدا أن ينتهي هذا الصراع الخفي بين المواطن والمقيم لأنهما معاً في القارب نفسه, وإن كان المواطنون والمقيمون العاملون في القطاع الحكومي نالهم هذا العام جانب - ولو بسيط - من زيادة المرتبات فإن بعض المواطنين والمقيمين الآخرين ما زالوا ينتظرون رأفة القطاع الخاص بهم, وهذا ما فعلته الأردن مؤخراً, وليسمح لي القارئ بتذكيره بالزميل قينان الغامدي عندما طالب القطاع الخاص برفع مرتبات العاملين فيه لدى زيادة المرتبات منذ سنتين والتي كانت بنسبة 15%, ولكن الأمر الأهم الذي طالب به قينان هو إدماج أولاد المقيمين الذين ولدوا في هذا البلد الكريم أو الذين درسوا المراحل المدرسية كاملة فيه, بشكل أفضل مما هو حاصل الآن, وكانت مطالبته خشية حدوث شيء مشابه لثورة شباب الضواحي المهاجرين في فرنسا؛ ويحق للمرء أن يتساءل مثلا عن طالبة سعودية وأخرى غير سعودية درستا معاً منذ الصف الأول الابتدائي حتى الثالث الثانوي, وأكملتا الدراسة في معهد للتمريض دفعت كل واحدة منهن فيه مبلغ يقارب خمسين ألف ريال لمدة سنتين, وبعد التخرج يتم تعيين السعودية براتب مضاعف لراتب غير السعودية, ألن تشعر الأولى بالحرج والثانية بالضيق؟

نفس هذا الشعور موجود بين المواطنين أنفسهم بسبب تباين المرتبات بشكل غير مبرر, وهذه شهادة شاهد من أهلها وهو الكاتب حمد العيسى في مجموعته القصصية"أسبوع رديء آخر" إذ يتساءل في إحدى قصصه الحقيقية عن السبب الذي يجعل راتبه كمهندس في أرامكو أربعة أضعاف راتب أستاذ الجامعة, بينما كلنا يعلم أن المقيمين الغربيين تزيد رواتبهم أضعافاً على رواتب السعوديين أنفسهم؛ وبالطبع أنا كطبيبة أتساءل لماذا لم ينلني بعض ما نال أولئك الأطباء الذي رفعت وزارة الصحة رواتبهم بين 20 و90 %, وحالتي ما هي إلا أنموذج بسيط لكثير من المتسائلين عن غياب العدالة؟!

الأمر الهام الذي يوجب إدماج المقيمين في المجتمع يتعدّى مجرد اشتراكهم مع المواطنين في مواجهة الغلاء, حتى يصل إلى اشتراكهم في مواجهة الجريمة, والخبر المخيف من جدة هذه المرة, فعلى مدى يومي الخميس والجمعة نقلت صحيفة الوطن الأحداث السيئة التي جرت في مركز تسوق في حي النهضة, وهو حي مليء بالمخالفين من الجنسيات الأفريقية, فإلى أي حدٍّ وصلت الجرأة بهؤلاء حتى هجموا على رجال الأمن وهددوهم بالأسلحة البيضاء إن منعوهم من مزاولة أعمالهم الممنوعة أصلا؟

المواطنون والمقيمون يتسوقون في ذلك المركز كما يتسوقون في غيره, وهم جميعاً يقطنون الأحياء نفسها, وكثيرون يشتركون في السكنى بنفس العمارة, وكلنا يتذكر أن الهجمات التي تعرضت لها المجمعات والأحياء السكنية – لا أعادها الله – من قبل الإرهابيين كانت ضد المواطنين والمقيمين, ومخالفو نظام الإقامة ليسوا سوى مشاريع إجرامية متنقلة, وهي موجهة ضد جميع مكوّنات المجتمع, فلا ريب أننا بحاجة إلى تكاتف فريد فيما بيننا, في نفس الوقت الذي تكون فيه الدولة مسؤولة عن الجميع, فتنمية الحس بالمسؤولية يبدأ ممن يعتلون رأس الهرم ويمتد حتى يصل إلى قاعدته, ورضي الله عن علي بن أبي طالب الذي قال:(الناس بأمرائهم أشبه منهم بآبائهم).

الوطن السعودية 25/2/2008

 

 

     

حقوق الطبع محفوظة لموقع د. ليلى الأحدب © 2005 تصميم وتطوير موقع الثريا |