|
(لا أتوهم مثل بعض إخواني المسلمين أن ألمانيا ستصبح خلال 10 - 15 سنة دولة
إسلامية, فهذا شيء بعيد عن تصوري, لكن إذا كان المقصود بمصطلح الإسلام دين إبراهيم
ونوح وموسى وعيسى وكل الأنبياء, أي باعتباره موقفاً روحياً, يقوم على عقد سلام بين
الإنسان وخالقه, إذا قصدنا الإسلام بمعناه الواسع, فإن الله قد وعد بنصر دينه.
ولذلك فإنه رغم كل الصعوبات التي نشاهدها اليوم فإن هذا الهدف سيتحقق لا محالة – إن
شاء الله -, ستنتشر المعرفة بأن للكون خالقاً وأنه واحد أحد, وأنه فرض علينا فروضاً
ومنحنا حقوقاً, وسيفرض الإسلام نفسه على الظواهر الشاذة مثل الرسوم الكاريكاتورية
وكتاب "آيات شيطانية" لسلمان رشدي وأوبرا "أدومينيو" المسيئة للأنبياء جميعاً. ربما
تؤدي كل هذه السلبيات وهذه الفتنة إلى استفاقة البشرية للعودة إلى طريق الله, ربما
يفكرون فيما حدث من قلب للقيم الأخلاقية والتحرر من كل القيم, وستدرك البشرية أنه
لا يمكن الاستمرار على ذلك الحال, وسينتهي النفاق والتحدث بلسانين في السياسة,
وسيأتي الوقت الذي يعلو فيه الإسلام على ما سواه من الأنظمة والأديان
والأيديولوجيات).
بهذه الكلمات أنهى "نور أمان هوبوم" مدير أكاديمية
الملك فهد في بون حواره الذي نشرته صحيفة الحياة
بتاريخ 15/2/2008 وهو رجل ألماني يزيد عمره على
الثمانين عاماً أعلن إسلامه عندما كان في الثالثة عشر
من عمره مع 16 شاباً ألمانياً آخرين عام 1939, جميعهم
خاض غمار الحرب العالمية الثانية وهو الوحيد منهم الذي
عاد سالماً, وعمل في السلك الدبلوماسي في سفارات بلده,
وكان مسؤولا عن المدارس الألمانية في الرياض وجدة
والخرج, ثم تقلد منصب نائب رئيس المجلس الأعلى
للمسلمين في ألمانيا؛ وكل هذه الخبرات وغيرها - مما لا
مجال لذكره هنا - تجعل لكلام هذا الرجل وثوقية عالية,
فالخبرة وقود الحكمة, وكلماته التي افتتحت بها مقالتي
تنضح بالحكمة والمصداقية, ولذلك اخترت أن أستنتج من
بين سطورها الأفكار التالية:
يبتدئ هوبوم بعبارة:( لا أتوهم مثل بعض إخواني
المسلمين أن ألمانيا ستصبح خلال 10 - 15 سنة دولة
إسلامية) وخلف هذه العبارة تجثم حقيقة مفزعة عن خيالات
بعض المسلمين القاطنين في البلاد الأوربية الذين
يعتقدون أنهم سيعيدون الخلافة الإسلامية, مع أن
العقلاء يعلمون أن الخلافة هي فترة زاهرة من التاريخ
الإسلامي اقتصرت على العصر الراشدي في عهد أبي بكر
وعمر وعثمان وعلي رضي الله عنهم, إضافة إلى عمر بن عبد
العزيز في العصر الأموي, ومن أجمل ما قرأته في هذا
الموضوع كتاب الدكتور لؤي صافي (العقيدة والسياسة)
الذي أوضح أننا لسنا متعبّدون بالخلافة بل بالشورى,
فأين الشورى في بلادنا العربية الإسلامية لنعطي مثالا
للدول الغربية بغية الاقتداء بها؟!
ربما يتصور مشجعو الخلافة الإسلامية في أوربا أن وضعهم
يشبه وضع المسلمين في مجتمع المدينة المنورة عندما
أقام الرسول عليه الصلاة والسلام دولته بميثاق واحد
انضوى تحته المسلم مع اليهودي, والمهاجر مع الأنصاري,
لكن هذا التصور خطأ كبير, وذلك لأنهم مهاجرون قلة في
مجتمع غير مسلم, على عكس ما كان الوضع في العهد النبوي
حيث كانت الغالبية مسلمة؛ وشخصياً أفضّل أن يشبه مسلمو
الغرب أنفسهم بوضع المهاجرين الأوائل إلى الحبشة حيث
لجؤوا إلى ملك لا يظلم عنده أحد كما نصحهم الرسول عليه
الصلاة والسلام.
لا مانع أن ينظم المسلمون أنفسهم في الغرب ويستفيدوا
من آليات الديموقراطية التي يخضع لها الناس هناك بما
في ذلك حرية القيام بالمظاهرات وإبداء الرأي
والاعتراض, ولذلك فإن التظاهر الذي قامت به الجالية
المسلمة في الدانمرك كاعتراض على إعادة نشر الرسوم
المسيئة للرسول عليه الصلاة والسلام هو عمل يحسب لها
بالتأكيد على عكس ما كانت ردود الفعل التي رافقت نشرها
أول مرة منذ أكثر من عامين, حيث بقيت تلك الجالية
صامتة بينما استغل بعض السياسيين ورجال الدين في كثير
من البلاد العربية والإسلامية شعوبهم لتقوم بردود
أفعال همجية كمهاجمة سفارات الدانمرك وغيرها, ومع أن
الذي دعا الجالية المسلمة في الدانمرك إلى التظاهر هذه
المرة هو حزب التحرير المعروف بأيديولوجياته التي تقضي
بضرورة قيام الخلافة والتمكين للمسلمين قبل أن يأمروا
بالمعروف وينهوا عن المنكر, فإن دعوة الحزب إلى
التظاهر لقيت ترحيباً من أوساط غير محسوبة على الحزب
بل معارضة لأيديولوجيته, وذلك لأن دعوة الحزب إلى
التظاهر السلمي تعني تخليه عن فكرة إقامة الخلافة,
وتظاهره هو نوع من الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر
الذي كان الحزب يجتنبه طوال سنواته السابقة بسبب فهمه
الخاطئ لبعض الآيات القرآنية ومنها:(الذين إن مكناهم
في الأرض أقاموا الصلاة وآتوا الزكاة وأمروا بالمعروف
ونهوا عن المنكر ولله عاقبة الأمور).
هذه هي الفكرة الأولى التي رمى إليها "هوبوم" ورب رمية
من غير رام, وهي ضرورة تخلي حزب التحرير وغيره من
الأحزاب المشابهة عن التصورات غير الواقعية, والفكرة
الثانية هي ضرورة الدعوة إلى الحنيفية وهي دين إبراهيم
عليه السلام الذي أسلم وجهه لله فحصل على السلام بينه
وبين ربه, وتكررت دعوات القرآن في آيات كثيرة إلى
الأخذ بما وصى الله به إبراهيم والنبيين من بعده,
فالدين الذي أنزله الله على الرسل هو دين يدعو إلى
عبادة الإله الأحد الواحد, وهو الذي تشترك فيه
الديانات السماوية كلها بعيداً عن النفاق الذي يجعل
الدين تجارة, ونحن نعلم أن كثيراً من الرهبان يأكلون
أموال الناس بالباطل, وكذلك في الإسلام يوجد كثير من
المشايخ يقومون بنفس الفعل المحرم من أجل الحصول على
مكاسب سياسية ومادية.
هذه الدعوة لعبادة الإله الواحد هي عودة للدين في أصله
وأساسه فالإنسان لا يمكن أن يحيا بدون دين يملأ فراغه
الروحي, وما سرعة انتشار الإسلام في الغرب إلا تأكيد
لهذه الحقيقة, وقد مثّلها أفضل تمثيل عالم الرياضيات
الأمريكي المسلم جيفري لانج عندما قال:(أعتقد
أن التقديس جبّلة في الإنسان, وأن قدرنا هو أن نكون
عبيداً سواء شئنا أم أبينا) وهذه العبودية تفرض علينا
شكر الله على نعمه التي منحنا إياها والقيام بالواجبات
التي طلبها منا كدليل على شكر النعم, وهذا كله يتوقعه
"هو بوم" ببصيرته النافذة التي تبدت في عباراته أعلاه.
أما الفكرة الأهم في السطور التي نقلتها من حواره فهي
قوله:(ربما
تؤدي كل هذه السلبيات وهذه الفتنة إلى استفاقة البشرية
للعودة إلى طريق الله), ففي مقابل حماقة بعض الصحف
الدانمركية التي نشرت الرسوم المسيئة من جديد, قام
مجموعة من الدانمركيين بتصميم صفحة على موقع "فيس بوك"
بعنوان: عذراً محمد, وقال صاحب المبادرة "أدرس بوته"
أنه كمواطن دانمركي يحترم حرية التعبير لكنه يشعر
بالأسف عندما يساء استخدام هذه الحرية لاستهداف مجموعة
من البشر.
سبب قيام الصحف الدانمركية بنشر الإساءة هو تضامنها مع
الرسام صاحب الرسم الأكثر جدلا بين الرسوم المسيئة
والذي اكتشفت الشرطة أنه كان مهدداً بالاغتيال على يد
شاب مغربي وتونسيين, والخلاصة التي يستنتجها المرء من
كل هذا, هو أنه لا داعي للقيام بأي تهديد لأي أحمق
يصوّب سهام حماقته على دين الفطرة أو نبي الإسلام,
فسهامه مرتدة عليه حين يزداد عدد المدافعين عن الإسلام
ورسوله من ذوي الفطر السليمة والضمائر الحرة, متسائلين
عن السبب الذي جعل حرية التعبير في بلادهم
تتحوّل إلى مهزلة, ولا ريب أنهم سيصلون إلى نتيجة
مفادها أن حرية العقل دون حدود الوحي لا يمكن
الاستمرار بها, وسينتهي النفاق الذي يسمح بسب المقدسات
دون السماح لتناول المحرقة اليهودية بأي نقد, وسيأتي
الوقت الذي يعلو فيه الإسلام على ما سواه من الأنظمة
والأديان والأيديولوجيات, وهذه الكلمات الأخيرة كلها
ما هي إلا قبسات من نور بصيرة الرجل الألماني المسلم.
الوطن
السعودية 18/2/2008 |