|
حيثما وجدت المصلحة فثمّ شرع الله هي قاعدة أصولية موجودة في تضاعيف فقه فضيلة
المفتي دوماً؛ لذلك تعجبت - كغيري - من الخبر الذي نشرته "الوطن" عن محاضرته
للمبتعثين وتحذيره من الدراسة في جامعات مختلطة وكذلك من السكن لدى عائلات غير
مسلمة, ولا ريب أن كلامه كان باعثه الخشية عليهم, لكن الغريب في الأمر أنه في نفس
اليوم الذي نشرت فيه "الوطن" الخبر عن المفتي وتحريمه للاختلاط, قامت صحيفة الحياة
بنشر خبر عن لقاء رئيس هيئة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر بطلاب إحدى الثانويات
وسؤالهم له عن الاختلاط, حيث فرّق بين الاختلاط المباح والاختلاط المحرم, بشكل لا
يختلف عما قدمّته في مقالات كثيرة سابقة.
لم آتِ بهذه المقدمة لأخصص هذه المقالة لموضوع
الاختلاط, وإن كنت أؤكد على ما علّق به الزميلين
الكريمين الدكتور عبد الله ناصر الفوزان والدكتور حمزة
المزيني على كلام المفتي من عدم وجود جامعات غير
مختلطة في الغرب, وكذلك لأضيف أن الطالب الذي يذهب
للدراسة في بلد غربي لن يكون أمامه سوى خيارين: إما
السكن مع عائلة غير مسلمة, أو الإقامة في السكن
الجامعي الذي لا يوجد به أجنحة للبنات وأجنحة أخرى
للشباب, وهذه كانت حالة ابني الذي يدرس في أوربا مع
أنه سكن طلابي غير تابع للجامعة.
فعندما أخبرني هاتفياً أن زملاءه في السكن جيدون
ومتفاهمون, لم يخطر على بالي إلا أنهم شباب من نفس
الجنس, لكنه ضحك من طيبتي وهو يشرح لي أنه لا يوجد في
المدينة كلها سكن طلابي للذكور وآخر للإناث؛ وعندها
حمدت ربي أنه يقطن في غرفة لوحده على عكس ابن صديقتي
الذي ابتُعث إلى أمريكا فوجد أن من يشاركه الغرفة ليس
إلا فتاة, وبقي لا يغمض له جفن ولا تهدأ له عين حتى
وجد غرفة مستقلة.. لكن لدى عائلة!
أعود إلى ابني, وقصته هي المقدمة الحقيقية للمقالة, إذ
كان يودّ أن يتصل بالانترنت من غرفته بعد أن اشترى
الكمبيوتر المحمول, فابتاعت إحدى زميلاته في السكن
وصلة انترنت وتقاسم معها الكلفة, ولكنها سافرت قبل
عطلة عيد الميلاد 20 ديسمبر وأخذت الوصلة معها دون أن
تخبره, ثم سافر ابني إلى مدينة أخرى يوجد فيها بعض
الأقرباء, ولما عاد ذكّرها بحقه في الاتصال بالانترنت
دون أن يدفع لها بقية شهر يناير, ومع أنها أكبر منه
سناً وتحمل جنسية البلد وهو لم يمضِ عليه فيه سوى بضعة
أشهر فقد كان له ما أراد بسهولة؛ وعندما حكيت القصة
لابني الأصغر البالغ من العمر 16 عاماً قال: هكذا هم..
لا داعي لأن يصرخ الإنسان ولا أن يستفزّ الآخر بنظرات
غضب ولا أن يشتمه ولا أن يضربه ليحصل على حقه؛ وكان
تعليقي عليه: نعم, هي بلاد حقوق الإنسان!
حقوق الإنسان ثقافة يتربّى عليها الطفل في البيت, فهذه
اللعبة لك وهذه اللعبة لابن الجيران, ولا يجوز لك أن
تأخذ حقه حتى لو كنت أقوى منه, وتأتي المدرسة لتعزز
هذه التربية عبر إفهام الطفل بأنه إنسان محترم الآدمية
والكرامة والحقوق الأخرى في نفس الوقت الذي يُعلَّم
فيه مسؤوليته التي تفرض عليه تأدية واجباته نحو نفسه
ونحو مجتمعه؛ إذاً أين الخلل؟ لدينا أم لديهم؟
لدى متابعة نقاشي مع ابني الأصغر أوضح لي استنتاجه بأن
الخلل يكمن في صنع الغربيين لأفلام يركّزون فيها على
القيم السلبية كي يثيروا ضجة إعلامية حولها فيجد لها
المسئولون حلا, أما نحن فتُعجبنا هذه القيم السلبية
ونعتقد أننا إذا اتبعناها نصبح (
cool
) لذلك هم يصحّحون أخطاءهم بينما ننخدع نحن بها ظناً
منا أنها هي التحضر بعينه!
صُغت عبارة ابني بأسلوبي, واقتصرت بنقاشي معه على دور
الإعلام والفن بتغيير المجتمع, وقصدت من هذا المثال أن
أبيّن دور الأسرة في إعطاء الناشئ الفرصة ليعبّر عن
مكنونات نفسه وأفكاره حتى لو كان ذلك بأسلوب بسيط, فهو
حقّه الذي يجب أن يتعلّمه في البيت قبل المدرسة, لكن
ذلك غير ممكن في بيت عمّ فيه الصمت واجتنب الأب والأم
أي حوار ثري أو أية مناقشة عقلانية؛ فكيف إذا كان ديدن
الأب – وبشكل أقل الأم – التسلط وحكم الأسرة بالقوة
والبلطجة؟
جميل أن تبدأ وزارة التعليم العالي بتدريس حقوق
الإنسان لدى طلاب الدراسات العليا, ولكن أليس من
الأجمل أن نغذي التلاميذ في المدارس بهذه الثقافة عن
طريق التربية والقدوة؟
علمت من صديقتي التي لديها بنات في مدارس أهلية أن
هناك بعض المحاضَرات تُلقى عليهن بغاية تعليمهن رفض
العنف الأسري, وهذا له مدلول جيد أيضاً, ولكن ماذا عن
العنف المدرسي من قبل المعلمين على الطلاب أو المعلمات
على الطالبات؟ وماذا عن تنمّر بعض الطالبات على بعضهن
الآخر؟ وماذا عن تعصّب كل منهن لقبيلتها وأصلها وفصلها
والتقليل من شأن الآخرين؟ بل ماذا عن التحرش الجنسي
الذي يتم في بعض البيوت؟ ماذا عن اغتصاب المحارم؟ هل
يمكن أن تناقش هذه الأمور بدون خجل في المدارس أيضاً؟
هل يمكن أن نشرح للفتاة حقها في رفض أي عنف من أي نوع
يقع عليها سواء كان جسدياً أو لفظياً أو جنسياً أو
فكرياً؟
أركّز على الفتاة وحقوقها, ليس تجاهلا للفتى وحقوقه,
ولكن لأن كثيرات من الفتيات اللواتي يراجعنني في
العيادة لا يستطعن التعبير عن أنفسهن, ولا يقتصر الأمر
على العازبات, بل يتعدّاه إلى المتزوجات حيث كثيراً ما
تبقى المرأة مغطية لوجهها وغاضّة لصوتها أمامي بينما
يتحوّل زوجها إلى الناطق بلسانها, فهل هذا حياء محمود
أم هو خجل مذموم؟!
لا أريد أن أخرج من دائرة المدرسة قبل أن أذكر عبارة
قالها الدكتور محمد أركون في لقائه مع برنامج (إضاءات)
وهي سؤاله للزميل المحاور تركي الدخيل: هل لديك اسم
عائلة في الوطن العربي من المحيط إلى الخليج ترسل
أولادها إلى مدرسة دون أن تتألم من وضعه وحالته هناك؟
كأن الدكتور أركون يقصد أن ما نبنيه نحن الأهل في
أولادنا خلال سنوات الطفولة الأولى تعمل المدرسة على
مسحه وتبخيره واستنساخ طفل آخر لا نعرفه, فيفقد الطفل
براءته وحبه للحياة في مدارس تعامل التلاميذ كخرفان أو
أرانب في أحسن الأحوال!
دعونا لا نضع اللوم على المدرسة فقط عير سؤال: ماذا
يوجد في مجتمعاتنا العربية من ثقافة حقوق الإنسان؟ آخر
ما ورد في هذا الشأن هو قرار البرلمان الأوربي الذي
يتّهم مصر بانتهاكها حقوق المواطن, وردّت مصر بشدة
مضمّنة ردّها أنها ليست البلد الوحيد في المنطقة الذي
يفعل هذا, وذلك حقيقي ولا مراء فيه, وإن كان لا يعفي
مصر أو غيرها من ذنب ضياع الحقوق, ولكن هل تأمّل
البرلمان الأوربي المشهد العجيب من بلد عربي آخر؟
لم يكن مشهد تعذيب أو اعتقال أو سجن في زنزانة مساحتها
80 سم × 20 سم, كما هو الحال في بعض البلاد العربية,
بل هو مسئول عربي يقوم بزيارة بلد عربي آخر وقد اجتمع
الناس للترحيب به وكان ضمن الموجودين بعض الإعلاميين
المبعثرين هنا وهناك؛ لكن من راقب المشهد بتمعّن يجد
أن المسئولين المرحبين الذين تحلقّوا حول المسئول
الضيف كانوا يسيرون عن يمينه ويساره ونظرات النار
تشتعل من أعينهم, لأنهم لم يعتادوا على الإعلام بهذه
الكثافة, وأما أيديهم فقد كانت توسّع الطريق بطريقة
فجّة, ولولا بقية خجل من الكاميرا لكانوا فرّقوا
الإعلاميين بالعصيّ وليس بالأذرع فقط!
باختصار؛ حقوق الإنسان مفقودة في ثقافتنا العربية,
فالقوي يأكل الضعيف والغني يهضم حق الفقير, وسيبقى
شعارنا:(إذا لم تكن ذئباً أكلتك الذئاب) حتى إشعار
آخر!
21/1/2008 |