|
(التاريخ يكتبه الأقوياء) مقولة صحيحة بالتأكيد؛ فمن كتب التاريخ المعاصر هم
الأوربيون الذين أطلقوا لقب "العصور المظلمة" على فترة الظلام الدامس الذي عاشته
أوربا قبل عصور النهضة التي انبثق فيها فكر التنوير وفلاسفته, ويأتي في قمة أولئك
المبدعين "فولتير" الذي عاش محنة التفرق المذهبي والعنف الطائفي في فرنسا وما حولها
من البلاد الأوربية, فترجم هذه المحنة عبر أعماله, فمنح العالم من خلالها كثيراً من
البصيرة التي يحتاجها اليوم.
عندما ثار العنف الديني الطائفي في فرنسا تبنى فولتير
شعاره المعروف :"اسحقوا العار" وقال: (كل ابتسامة
أفلتت مني رغم إرادتي في ذلك الوقت كانت تثير في نفسي
التبكيت وكأنها جريمة ارتكبتها), ولا أعتقد أني أبالغ
إذا قلت أن شعور فولتير هو الشعور الحالي لكثير من
العقلاء في الشرق والغرب, مع الفارق أن فولتير كان
حزنه محدوداً بقارة أوربا عموماً وبوطنه فرنسا خصوصاً,
هذا من الناحية المكانية وأما من الناحية الزمانية فقد
خبا أوار ذلك الحزن عندما اقتصر عمل رجال الدين على
المهام الكهنوتية وهو مراد فولتير الأول والأخير؛
وعقلاء أيامنا هذه لا حدود لآلامهم مكانياً حيث لا
يفتأ العنف والإرهاب والقتل ينطفئ في بؤرة من الكرة
الأرضية حتى يشتعل في بؤرة أخرى, كما أنه لا حدود
زمانية لأحزانهم إذ لا يرون بقعة ضوء تنير ليل البشرية
الحالك.
لم يعد العالم مجمّعاً لقارات تفصل بينها محيطات
ومسافات, بل بضغطة زر واحدة يصبح العالم كله ملء السمع
والبصر, والقرية الكونية الواحدة تفرض على عقلائها أن
يكفّوا أيدي السفهاء والمتغطرسين والمتعطشين لشرب
المزيد من الدم, ولذلك فإن من واجبهم أن يدعوا إلى
ثقافة عالمية أخلاقية تحافظ على النفس البشرية
ونقائها, ولا مجال لذلك إلا بالرجوع إلى ما دعت إليه
الأديان السماوية كلها؛ لذلك فإن العبء الكبير يقع على
عاتق من يسمون "رجال الدين" في كل الديانات السماوية,
ليكشفوا أوجه التقارب, من خلال عبوديتهم جميعاً للرب
الواحد, بعيداً عن التفصيلات العقائدية, فقط ليقتنعوا
أن الله سبحانه هو الذي يطلب منهم أن يتعارفوا
ويتعاونوا على البر والتقوى.
لعلّ بحث التفصيلات العقائدية هو من أصعب الأمور
خوضاً, ولكني سأضرب مثلا من تجربتي الشخصية مع صديقتي
المسيحية الكاثوليكية وزوجها المسيحي الأرثوذكسي,
وكلاهما من أصول عربية فلسطينية ويحملان نفس الجنسية
الغربية, فهما معاً متيّمان بالعادات العربية الأصيلة
رغم عيشهم في بلاد الغرب لفترة طويلة, والأجمل من ذلك
أن كلا منهما يقتنع بعدم صوابية مذهب الآخر, ومع ذلك
فهذه القناعة لا تؤثر على حياتهما المشتركة معاً.
منذ مدة طويلة أخبرني الزوج المقدسي الأصل أنه يحفظ
بعضاً من سور القرآن الكريم نتيجة دراسته في مدارس
إسلامية بفلسطين, وفي زيارتي الأخيرة لهما في عيد
ميلاد السيد المسيح أخبرني أنه يعتقد أن الفارق بين
المسيحية والإسلام هو فقط في قضية صلب السيد المسيح,
فلم أجادله في ذلك لأني أعلم أن القضايا المتفرعة من
هذه القضية هي بحاجة إلى دارسي لاهوت وعلم مقارنات
الأديان, وليس ذلك بإمكاني؛ لكن ومع وجود الاختلاف
العقائدي بيني وبين هذا الأسرة فإنه لا يمنع من
التعارف والتزاور والعيش المشترك.
الصورة الحالية المرسومة للإسلام يغلب عليها طابع
الكراهية والعنف والرفض للآخر, أما الحقيقة فهي أن
كثيراً من آيات الذكر الحكيم تدلّ على أن التنوع
والاختلاف هو سنة الحياة, في الثمر كما في الحيوان وفي
أجناس البشر كما في الأديان, ففي الآيتين 118 و119 من
سورة هود يقرر الله سبحانه أن هذا الاختلاف العقائدي
كان بمشيئته عز وجل:(ولو شاء ربك لجعل الناس أمة واحدة
ولا يزالون مختلفين. إلا من رحم ربك ولذلك خلقهم, وتمت
كلمة ربك لأملأن جهنم من الجنة والناس أجمعين) حيث أن
عبارة أمة واحدة تدل على انتسابها إلى دين واحد, وهو
مفهوم من دلالة العبارة الأخيرة في الآية.
أما الآية 13 من سورة الحجرات:(يا أيها الناس إنا
خلقناكم من ذكر وأنثى, وجعلناكم شعوبا وقبائل
لتعارفوا, إن أكرمكم عند الله أتقاكم, إن الله عليم
خبير) فهي لا تدل على اختلاف الدين, بل على اختلاف
أشمل وأعمق, وقد يكون الدين أحد عناصر تشكيل القبيلة
والشعب, ومع ذلك فالمطلوب من كل الناس أن يتذكروا أنهم
أبناء أب واحد وأم واحدة, ولذلك فإن مهمتهم هي التعارف
والبحث عن المشتركات وعدم السماح للاختلافات
الأيديولوجية أو العقائدية أن تحرمهم من ترسيخ هذه
الأخوة البشرية.
الصورة التي قدمتها عني وعن جارتي المسيحية وزوجها لا
تخرج عن هذا المعنى القرآني الكريم, وإذا انطلقت منها
كصورة شخصية فإني أعتقد أنها يجب أن تطبق على المجتمع
بأسره مع كل الاختلافات الموجودة فيه, فالبحث يجب أن
يكون دائماً عن المشترك الإنساني, مع البعد عن كل ما
يشتّت الشمل ويفرّق الجمع.
كل المجتمعات العربية هي مجتمعات متنوعة دينياً,
فالغالبية مسلمون عموماً إلا في لبنان حيث يشكل
المسيحيون نصف سكان لبنان, وبالمناسبة أشكر الزميل
تركي الدخيل تخصيصه زاويته قبل أيام لإعراب القرآن من
قبل مسيحي لبناني, وإن كان من المعلوم أن كثيراً من
مبدعي اللغة العربية فيما كان يسمى بلاد الشام هم
مسيحيون مثل عائلة البستاني وعائلة حتي وعائلة اليازجي,
لكن ما أشكره عليه أكثر هو استضافته في الحلقة الأخيرة
من برنامجه "إضاءات" شون ردموند المسلم من أصل إيرلندي,
وما لفت نظري في شون أو يحيى هو إنسانيته, فقد أشار
إلى أن عشقه لاختلاف اللغات كان يسري في روحه قبل
تعرفه على اللغة العربية, وبيّن أن الاختلاف في
اللهجات العربية يثير اهتمامه ويؤثر به كما لو أنه
يطربه, والحقيقة أن السبب هو جيشان الفطرة السليمة في
دم شون أو يحيى, فالفطرة التي خلقها الله فينا هي فطرة
تحبّ التنوع وذلك لنحبّ كل ما حولنا.
هذه الفطرة السليمة هي التي جذبت شون إلى الإسلام فقد
جاء في حديثه أن دخوله في الإسلام جاء بعد شكوكه في
العقائد المسيحية، وخاصة الفارق بين شخصية
النبي عيسى عليه السلام في القرآن وشخصيته وفق
التصورات المسيحية؛ لكن الله سبحانه هو الذي أراد له
الهداية للإسلام على عكس والده مثلا والذي عمل فترة
طويلة في الخليج, وإن كان يُحسب لوالده عبارته
الجميلة:( إذا كنت تحس أنك تعبد الله كمسلم بشكل أحسن
أكثر من كونك مسيحيا .. اعتنق الإسلام
ولك حرية الاختيار), ولم يكتف والده بالقول بل سانده
بالفعل في اختياره أمام البيئة المحيطة.
الزيارة التي قام بها خادم الحرمين الشريفين لبابا
الفاتيكان تهدف إلى تعميق الروابط بين الإسلام
والمسيحية على المستوى السياسي, ورسالة التهنئة
للمسيحيين بعيد الميلاد التي وقّع عليها عقلاء
المسلمين تأتي من باب
الدعوة للسلم والسلام وتوضيح أن الإسلام دين تسامح
ومحبة, كما نشرت صحيفة الوطن في عددها ليوم الجمعة
الماضي, فهي تعميق للروابط بين أتباع الديانتين على
المستوى الثقافي, وهذا ما يجب أن يكون ديدن السياسيين
والمثقفين, وأن يستمر سير قطار الوحدة البشرية على
خطين متوازيين: السياسة والثقافة بما تضمان من مناهج
تعليمية ومنابر إعلامية وحوار بالتي هي أحسن حتى يتم
القضاء على الكره والعنف وكل ما يهدد مستقبل البشرية
جمعاء.
الوطن السعودية 31/12/2007 |