الصفحة الرئيسية
  
في النهوض والتغيير (إبحار ضد التيار)   من وحي الصورة
 
 
 

منح اتحاد وكالات الأنباء العربية "فانا" وكالة الأنباء السورية "سانا" جائزة أفضل صورة للعام 2007, وفاز بالجائزة التي أعلن عنها خلال انعقاد المؤتمر الخامس والثلاثين للهيئة العامة لاتحاد وكالات الأنباء العربية في العاصمة الأردنية عمان, المصور الصحفي من "سانا" وسيم خير بك عن صورته (العلم والعمل) التي التقطها من أحد شوارع دمشق حيث تظهر فيها فتاة في السابعة من عمرها تجلس أمام /بسطة/ تبيع عليها بعض الحلويات والبسكويت وتحمل في الوقت نفسه دفترها وكتابها وتحاول تحصيل واجباتها المدرسية ؛ وقال المصور أنه كافح لتصوير الطفلة لأنها ترفض ذلك وتغطي وجهها بيديها الصغيرتين ما اضطره للابتعاد عنها مسافة 30 متر.

هذه الصورة التي يتحدث عنها الخبر أعلاه وصلتني عن طريق البريد الالكتروني مع تعليقات مختلفة, وكان أحد التعليقات باللغة الانكليزية يقول:(الأطفال العرب يريدون أن يحيوا بطريقة صحيحة, رجاء دعونا كبالغين نتركهم لفعل ما بوسعهم) بينما قرأت تعليقاً باللغة العربية يلوم المصور على أنه صور البؤس الموجود في سوريا بشكل مبالغ به, فالتعليق الأول استنشق التفاؤل والأمل من الصورة بينما التعليق الآخر لم ير إلا النصف الفارغ من الكأس, أما تعليق الخبر نفسه فكان:(كأن الطفلة تقول بلغة مختلفة: رغم صعوبة الحياة ما زال اليراع يخط دربه نحو مستقبل مشرق)

ما أوحته لي الصورة أكثر بكثير من التعليقات آنفة الذكر, ولم أجد أن عبارة (العلم والعمل) تكفي للدلالة على ما تتميز به هذه الطفلة من تصميم وإرادة وتحدٍ لكل الظروف, فهي تجلس على أرض الرصيف وبالكاد تغطي جسدها بمعطف يقيها شيئاً من برودة الطقس, ولكنها في نفس الوقت مستغرقة في كتابة الواجب, فهي مع أنها تلميذة لكنها معلمة في قدرتها على التركيز, فليس هناك مكان في العالم أشد صخباً من الشارع, ومع ذلك تبدو الطفلة غير متألمة بسبب البرد, وغير متذمرة بسبب الفقر, بل راضية هادئة مقبلة على عملها وعلمها يملؤها الأمل بحياة أفضل.

وعندما تكون صورة كهذه أمامك لا تستطيع إلا أن تقارنها بصور أخرى مماثلة, منها صورة أطفال فلسطينيين يكملون واجباتهم فوق أشلاء بيوتهم المتهدمة, وهذه المقارنة من نوع المقاربة, أما المقارنة من نوع المفارقة فهي أكثر بكثير: منها صور أطفال الشوارع الذين يقفون عند إشارات المرور يستجدون سائق السيارة والركاب الآخرين, ويذكرنا ذلك بالصور التي التقطت لرجل أفريقي في أحد بيوت مكة المكرمة وهو يقطع أيدي أطفال أفارقة أو أرجلهم ليجدوا طريقهم إلى عالم الشحاذة بسلاسة, ولا ريب أن كثيرين منا رأوا أطفالا - أو طفلات - مقطوعة أيديهم بطريقة محترفة, والعين الطبية تستطيع أن تميز بين قطع يد ناجم عن فعل إجرامي كفعل ذلك الرجل أو عن غياب الذراع لسبب خلقي؛ وعلى أيه حال فصورة هذه الطفلة الهادئة تذكرك بمشكلات أطفال الشوارع في كل البلاد العربية, فلماذا انزعج بعضهم من المصور؟ وهل تخلو شوارع المدن العربية من هؤلاء الضحايا؟ فما لهم وللمصور الذي التقط صورة لطفلة أبت أن تكون ضحية الفقر والعجز؟

أما الصور الأخرى التي تستدعيها الذاكرة فهي صور الأطفال المترفين الذين لا يدركون النعمة ولا يشكرون من هيّأها لهم بل لا يعرفون في حياتهم سوى تلبية طلباتهم من آباء وأمهات ربما عانوا شظف العيش لتأمين حياة كريمة لأطفالهم.

من أكبر الأخطاء التي يرتكبها الوالدان بحق أولادهم ألا يعلّموهم شكر النعم ولا تقدير الأشياء, والجيل الحالي يتميز بأنه أكثر الأجيال تدليلا, وها هي التقارير من أمريكا تظهر أن جيل الأطفال الأمريكي أشد الأجيال تطلّباً وأكثرهم حصولا على ما يريد, فالآباء المشغولون عن أبنائهم بالعمل والكدح لا يجدون ما يقدمونه لأولادهم كتعويض على هذا الغياب سوى المزيد من العطاء اللامحدود, فتُفتقد الروابط الأسرية, وتصبح دنيا العائلة قائمة على المصالح.

كم من طفل ينتظر والده مساء ليلقي نفسه بين أحضانه, بينما يأتي الوالد مشغولا بأعماله حاملا همومه إلى المنزل, بدل أن يغسل أحزانه بمجرد رؤية ابتسامة طفله, ولا أزال أذكر تلك القصة الحقيقية التي قرأتها لكاتب خليجي عن الطفل الذي كان يطلب من والده أن يجالسه أو يلعب معه, لكن الأب المشغول بالـ "بزنس" كان يجيبه بأن لا وقت لديه الآن, ويعده دائماً باصطحابه إلى مكان مفضل لدى الطفل, إلى أن حانت ساعة اليقظة بالنسبة للأب حين تقدم طفله إليه مادّاً يده بورقة من نقدية من فئة كبرى, يطلب من والده أن يأخذها مقابل ساعة يمضيها معه, بعد أن جمع الطفل المبلغ من مصروفه الخاص, وكأنه يقول لوالده: لا أريد نقودك إنما أريدك أنت.

صحيح أن الحياة قاسية, ويحتاج الإنسان لملاحقة أعماله بشكل دائم كي لا يخسر شيئاً منها, لكن فقدان العائلة أصعب بكثير, فنحن نكدح من أجل أطفالنا, فلمن نكدح إن خسرناهم؟ وإن كان بعض الآباء لم يعتد كيف يمضي وقت فراغه باللعب, لأن الجدية قد طبعت حياتهم منذ نعومة أظفارهم, تحت وطأة أب يريد أن يحقق من خلال أولاده ما فاته هو, فحرمهم من الطفولة ولم يعودوا يشعرون بمعنى جماليات الحياة تبعاً لذلك, وربما تكون صاحبة الصورة واحدة من هؤلاء مستقبلا, لذلك فإن صورة واحدة لها لا تكفي.

في الحقيقة أرسلت صورة الطفلة لكثيرين, منهم شاب أعرفه ويدرس في الغرب ويحلم أن يكون صانع أفلام, راجية منه أن يكون أول فيلم له عن حياة طفلة كهذه, إذ يجب أن يلقي الفنانون الضوء على صعوبات حياة البائسين, فهناك قصص خالدة في الأدب العالمي, كرواية البؤساء وبائعة الخبز والمعذبون في الأرض, تحولت إلى أفلام حصدت جوائز عالمية, ومهمة الفن هي اختبار التأثر والتأثير بكل ما أوتي الإنسان من طاقات وجدانية, وليس ثمة مؤثر على النفس البشرية مثل إبداعات ولدت من رحم المعاناة, لكن هل يستطيع الغني أن يصور حياة الفقراء حتى لو لم يذقها؟

كنت أتمنى لو كنت أملك المال كي أرسل لعائلة هذه الفتاة ما يجعلها تتفرغ لدراستها, ولكن في نفس الوقت أخشى أن الإبداع لا يأتي إلا بعد المحنة, فالحياة السهلة لا تنتج أشخاصا عظيمي الشأن, كما كتب الزميل الأديب محمد صادق دياب في صحيفة الشرق الأوسط في إحدى مقالاته:(المتخم لا يصنع الغذاء, والأيدي الناعمة لا تبني المستقبل, والوصول السهل إلى الأمنيات يجدب الأحلام, ولولا بقية ثقة يعيش خشونة القرى وأزقة المدن الخلفية لقلت على مستقبلنا السلام).

أمنية أخرى كنت أقوم بها لو كنت وزيرة تعليم بلد عربي, وهي أن أطلب لصق صورة هذه الطفلة الطموحة على أبواب المدارس, وعلى بطاقات الاستحسان التي تقدم للطلاب المتفوقين والطالبات المميزات, والتي عادة ما يكتب أعلاها (من جد وجد ومن زرع حصد) أما هذه الصورة فهي بلغة عالمية ولا داعي معها لأي كلمة لأنها صورة بألف كلمة.  

الوطن السعودية 24/12/2007

 

 

حقوق الطبع محفوظة لموقع د. ليلى الأحدب © 2005 تصميم وتطوير موقع الثريا |