الصفحة الرئيسية
  
في النهوض والتغيير (إبحار ضد التيار)   هل تُصلح الثقافة ما أفسدته الأدلجة؟
 
 
 

لمع هذا التساؤل في ذهني إثر قراءتي للمقالة الأخيرة للمندوب السعودي في اليونسكو الأستاذ زياد الدريس في صحيفة الحياة, والتي يثني فيها على جهود الأمين العام للجامعة العربية الدكتور عمرو موسى, لكنه يدعوه لتجربة أثر الثقافة وقدرتها على لَمِّ الشمل الإنساني وفتح القلوب التي أغلقتها السياسات المتعنِّتة في الشرق أو الغرب.

ودون أي تقليل من دور السياسات الظالمة في زيادة العنف والكراهية بين شعوب العالم, فإني أودّ أن أركز على دور الثقافة في نشر المحبة والتعارف والتآلف بين البشر, خاصة وأننا أمة (اقرأ), والثقافة في جزء منها هي الأفكار الناجمة عن قراءة الواقع, وكلّنا يعلم أن ما يميز الثقافة الإسلامية عن غيرها هو اعتمادها على كتابها الموحى من السماء, والذي يكرّر في آيات كثيرة حث أتباعه على قراءة الكون وشهود السنن والضرب في الآفاق والتبصر في أحوال الأمم الأخرى, سواء كان ذلك بالتحذير من أخطائها أو بتبني مواقفها الجيدة, ويكفي للدلالة على ذلك الآيات التي تشير إلى ابن آدم الذي قتل أخاه وكيف أرسل الله له غراباً ليتعلّم منه دفن أخيه, فإذا كان التحذير من القتل هو الهدف الأساسي من الآيات فإنه يمكن اعتبار التعلّم من الغراب – والغربان أمة من الأمم - هدفاً آخر؛ فما المانع إذاً أن نتعلّم من إخواننا في البشرية كل ما يعزّز هذه الأخوة من جهة, وكل ما يؤدي إلى نهوضنا من حالنا المتعثر من جهة أخرى؟

الثقافة بمعناها الخاص هي الفكر والفنون بأنواعها, وما نستطيع تقديمه بحق ويحتاجه العالم كله هو ديننا العظيم في ثوب فكري جديد وفي قالب انفعالي بديع, فهل فعلنا ذلك فكراً وفناً؟

أما الثقافة بمعناها العام فإنها تشمل السلوك والأخلاق بالدرجة الأولى, والرسول عليه الصلاة والسلام أعلنها صراحة:(إنما بُعثت لأتمم مكارم الأخلاق), ويجب أن نكون أفضل ترجمان لديننا بأفعالنا وتصرفاتنا؛ ولكن كيف, ونحن نتعالى على البشر بطريقة تجعلهم ينفرون من ديننا؟

أذكر أني كنت في جلسة نسائية فإذا بإحدى الموجودات تفتح موضوع كرهها للغرب واصفة أهله جميعاً بالكفار, رغم ذكرها أنها كانت تفضل دائماً قضاء الإجازة الصيفية هناك قبل أحداث 11 سبتمبر, وحكت – بفخر - كيف أنها مرة أثناء وقوفها أمام "الكاشير" في أحد المحلات التجارية, مع ابنها الذي يدرس هناك, رفضت ردّ تحية ألقتها عليها امرأة غربية تقف خلفهما, ولما قام ابنها بردّ التحية عنّفته لأنه ردّ تحية امرأة كافرة؛ وانسحبت السيدة الغربية بهدوء إلى "كاشير" آخر, وبعد أن انتهت ألقت التحية مرة أخرى على الشاب موضحة له أنها تفهم العربية جيداً ولذا فقد فهمت كلام والدته الكاره لها, فما كان من الشاب إلا أن اعتذر منها, رافضاً في مرة تالية اصطحاب والدته معه إذا لم تتصرف بمقتضيات العيش في بلاد الغرب, فالتحية أمر عادي هناك.

هذه القصة تبين تأثير ثقافة الكره على النفوس, لدرجة أنه ينسينا أمر الله سبحانه: (وإذا حييتم بتحية فحيوا بأحسن منها أو ردوها), وهو أمر عام لا يقتصر على رد تحية المسلمين دون غيرهم, فكيف إذا تذكرنا ما تمتلئ به بعض كتب التراث حول الحضّ على المعاملة السيئة لأهل الكتاب, حتى لو كانوا مسالمين غير محاربين؟

المشكلة أن قليلين جداً من علماء الدين من ينبش هذا التراث ويغربله؛ والمشكلة الأكبر أن الحاقدين على الإسلام يستفيدون من أيديولوجيات الكراهية في تنفير الناس منه, ولا تخفى على المتابع تلك الدعوات لمنع دخول القرآن إلى بلاد الغرب لأنهم لا يفهمون الآيات بالنسق الذي أنزلت فيه, وليس لديهم من يبعد عن ذهنهم هذا الفهم الخاطئ, بل على العكس ها هي التفجيرات تتوالى ضد الأجانب في البلاد المسلمة, وكان آخرها تفجيري الجزائر واستهدف أحدها مقر المفوضية العليا لشؤون اللاجئين, فكيف إذا علمنا أن عدد المسلمين في الغرب يزيد على 60 مليونا معرضين كلهم للطرد إذا لم يوجد عقلاء يُعلون ثقافة المحبة على أي شيء آخر؟

إذا عدنا إلى الثقافة بمعناها الخاص, لا يمكن أن نتجاهل وجود أصوات فكرية معتدلة من الطرفين, على سبيل المثال الدكتور طه جابر العلواني الذي أجرى معه موقع إسلام أنلاين حواراً ضم رأيه بمراجعات سيد إمام الملقب بالدكتور فضل, فقد تحدث العلواني أن رموز جماعات العنف وأفرادها لم يكونوا مؤهلين مطلقا لقراءة القرآن واستنباط الأحكام منه، مشيراً إلى خطأ ما أسماه القراءة الأيدلوجية للقرآن الكريم، "بمعنى أن تأتي للقرآن بفكرة معينة، محاولا استنطاق القرآن بما يؤيد تلك الفكرة"؛ وأوضح العلواني أن من أكبر الأخطاء التي وقعت فيها تلك الجماعات كذلك هو استدعاؤهم للتراث الفقهي وتنزيله على الواقع والحكم به على الوقائع المستجدة، دون امتلاكهم مؤهلات فهم هذا التراث؛ واعتبر أن استدعاء تلك الجماعات بعض أحداث السيرة والحكم بها على الواقع هو "أكبر خطيئة ارتكبها قياديو الجماعات الإسلامية"، فقد ألغوا بها "الفوارق بينهم وبين الرسول صلى الله عليه وسلم، وأعطوا أنفسهم الحق في أن يتصرفوا كتصرفاته".

وأما من الطرف الآخر الغربي, والذي استضافه موقع إسلام أنلاين أيضاً, فقد كان رجل الدين المسيحي الفرنسي ميشال لولونج الذي حذّر من الجهات التي تعمل على "شيطنة" الإسلام وتشويه صورته دون وجه حق, وعندما سألته فتاة سويدية مسلمة عن أفضل نصيحة يقدمها لها من أجل حسن عرض الإسلام على الإنسان الغربي قال لولونج:(كونوا أوفياء لقيم القرآن).

من قيم القرآن أن نعمل للغد, ففي سورة الحشر:(يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله ولتنظر نفس ما قدمت لغد واتقوا الله) وأجمل تفسير سمعته لهذه الآية كان من المغني البريطاني يوسف إسلام (كات ستفنس سابقا), وأن ما ينقص المسلمون هو التخطيط للغد, ولأهميته وضعه الله بين أمرين بالتقوى في الآية, ولكن يوسف إسلام لم ينتبه إلى أهمية الفن, وهو الجانب الآخر للثقافة بمعناها الخاص, لتحسين صورة الإسلام إلا بعد أحداث الكراهية والعنف في 11 سبتمبر, فعاد إلى فنه وموسيقاه, بعد أن سبقه المبدع سامي يوسف إلى ذلك رغم أنه يصغره سناً, وفي الفترة الأخيرة صعد اسم المنشد (أبو خاطر) الذي يؤدي أغنية "اغفر لي" بالانكليزية, وهو يلبس الثوب الخليجي, وهي أغنية رائعة بإخراج الفيديو كليب, وذلك من الناحية الإنسانية حيث يعرض نعم الله عليه مقارنة بمن فقدوا القدرة على الحركة أو البصر أو السمع, فللفن دور إنساني كبير لكن مثالي سامي يوسف وأبو خاطر ليسا إلا الاستثناء مع هذا الكم الكبير من الفتاوى التي تحرم الموسيقى والأغاني, فماذا لو تطرقنا للسينما وفقدان دورها في عالمنا العربي؟

سوف يترك بعض المعلقين مقالتي كلها ويتوقفون عند الكلمات الأخيرة حول السينما, دون أن يعلموا أنها الفن القادر فعلا على تغيير نظرة الإنسان لأمر ما, ويكفي للدلالة على ذلك أن شاباً مغاربياً قام بإخراج فيلم يلقي الضوء على مفارقة كبيرة بين دور المغاربة والجزائريين في تحرير فرنسا من الاحتلال النازي وبين عيشهم كمهمشين في فرنسا, مما حدا بزوجة الرئيس الفرنسي السابق شيراك والتي كانت تحضر الفيلم برفقته أن تقول له: جاك يجب أن تفعل شيئاً, فأصدر قانوناً يصب في مصلحة المحاربين العرب القدماء معتبراً إياهم جزءاً لا يتجزأ من الشعب الفرنسي.

في الحقيقة للفكر دور وللفنون أدوار, فإذا كان العلواني استطاع أن يهضم فكر الغرب لعيشه هناك مدة طويلة, فنحن بحاجة إلى طاقات الشباب المغتربين ليطلقوا قواهم الانفعالية من عقالها لعلهم يؤسسون لفن عالمي إنساني أصيل يكون نواة حوار بيننا وبين الغرب, لكن السؤال: هل تراهم يجدون عملا بيننا ونحن ما زلنا ننظر للفن بعين الارتياب؟

الوطن السعودية 17/12/2007

 

 

حقوق الطبع محفوظة لموقع د. ليلى الأحدب © 2005 تصميم وتطوير موقع الثريا |