الصفحة الرئيسية
  
في النهوض والتغيير (إبحار ضد التيار)   ردا على مقالة: إلى "ليلى" التي في الوطن
 
 
 

لم أجد شيئا في المقالة الأخيرة للزميل محمد علي الهرفي يستفزّني للرد عليها, فقد بدت لي باهتة دون لون ولا طعم, غائبة عن أفكاري التي سطّرتها في مقالات متعددة حول نفس الموضوع, وكأن الزميل الكاتب لم يقرأ لي إلا مقالة "لماذا نحول ديننا إلى دين كره لكل مختلف عنا؟", وهذا أمر أتفهّمه وإن كنت لا أتقبّله؛ وسبب تفهمي له أن النفس البشرية تنزع إلى النظر بعين الرضا لكل ما يصدر عنها, فإن لم ينتبه الكاتب لأهمية متابعة ما يكتبه الآخرون وقع في فخ استحسان مقالاته من جهة, وخفيت عنه أفكار الآخرين من جهة أخرى, فإذا نُبِّه أو – تنبَّه بالصدفة – لمقالة أحدهم أو إحداهن, قام يشحذ القلم للرد, فإذا بذلك الرد لا يعدو تكراراً لأفكار من يردّ عليهم, وهذا ما وقع به الزميل, ولا عجب, فقد كتب أنه ليس متأكداً من حذف باب الولاء والبراء من كتب الثانوية, مما يدلّ على عدم متابعته لأمر أهم بكثير من مقالاتي, فلماذا أعتب عليه إذاً؟!

أكتب هذه المقدمة مع شعوري بعميق الأسف لأن الكاتب زميل في نفس الصحيفة, فهي مشكلة برأيي ألا يتابع كاتب في صفحة الرأي مقالات الكتاب الآخرين, وإن كنت أشعر أكثر بالأسف لعبارة وردت في مقالته تكذّبني, وذلك عندما علّق على قصة ابنة جارتي مع جارتهم المسيحية, فأي سقطة تلك يا زميلي العزيز؟ وكيف لي وللقراء أن نصدّق ما وُجد في مقالتك من قصص, كقصة الأمريكي الموظف في مؤسسة راند؟ وهل تودّ أن يُنظَر إلى كتاب "الوطن" على أنهم حكواتية story-teller؟

على كل حال أشكر للزميل أنه لم يصنفني كأحد الموظفين في مؤسسة راند, فهذا دليل كرم أخلاقه, وربما كان تكراره لاسمي أكثر من 13 مرة في المقالة – وهو ما اعترض عليه بعض المعلقين في موقع الوطن الالكتروني - إشارة لشيء أسمى حتى من كرم الأخلاق, لأنه من المعلوم أن أي شخص يطرب لتكرار اسمه, هذا إذا أحسنت الظن؛ أما إن أسأته فربما كانت علامتي التنصيص التي وضع اسمي بينهما في كل مرة دليلا على أنه انقاد لسوء الفهم عن انغماسي بالألقاب؛ وأما إذا ابتعدت عن حسن الظن وسوئه, فتفسيري أنه اختار أن يحدثني مع رفع الكلفة, وهي علامة أمريكية بامتياز, فكيف يستخدم الزميل عادات أمريكية, وهو الذي لا همّ له بمقالاته إلا شتم أمريكا والتنديد بها؟!

إضافة إلى أن الزميل لم يكن موفَّقاً عندما اختار موضوع قيس وليلى كمقدمة, وعلى أية حال فإن ليلى سحرت قيساً, والرسول عليه الصلاة والسلام قال:(إن من البيان لسحرا) وأنا أرجو أن تكون مقالاتي كذلك, ويكفي أن بها الترياق لكثير من الأدواء الاجتماعية, ولا أتحرّج أن أشير بفخر إلى مقالاتي التي عالجتِ الأسباب المؤدية للعنف والإرهاب, والتي كانت سبباً في استلامي بعض التهديدات من إرهابيين, وهذا ما أكشفه لأول مرة ولم يعرفه إلا بعض المسؤولين في وزارة الداخلية الذين كان دعمهم دافعاً لاستمراري في تعرية تلك الأدواء.

ذكرت أن بعض أفكار مقالة الزميل جاءت وكأنها مستنسخة من أفكاري, وهنا بعضها للمقارنة إذا أراد أن يعود إليها:

هذه عبارتي من مقالة "فلسفة المعصية والتوبة.. وثقافة التسامح":(إذا كان من التعصب المحمود أن يكون للمرء الحق في الثبات على موقفه ومبدئه وعقيدته, فإنه من التعصب المذموم اضطهاد المخالفين في العقيدة والإساءة إلى المختلفين في الأفكار، واستباحة دمائهم، وسلب أموالهم؛ ويعجب المرء كيف يدعي الإسلام من يرهب الناس الآمنين حتى لو كانوا غير مسلمين, ويتساءل إن كان أحد هؤلاء قد قرأ قوله تعالى:{لا ينهاكم الله عن الذين لم يقاتلوكم في الدين ولم يخرجوكم من دياركم أن تبروهم وتقسطوا إليهم, إن الله يحب المقسطين}؟ والأكثر عجباً أن يسمي هؤلاء أفعالهم الشنيعة بالغزوات, مثل غزوة مانهاتن وواشنطن, وهاهم الآن يغزون المواطنين والمقيمين في البلد الآمن).

وهذه عبارة أقتطفها من مقالة "شباب الجهاد أم صعاليك الجهاد؟":(من هم المشركون الذين عناهم الرسول عليه الصلاة والسلام بقوله:{أخرجوا المشركين من جزيرة العرب}؟ هل هم أهل الكتاب؟ أم هم عبدة الأوثان؟ إذا استقرأنا التاريخ نجد أن السنة النبوية الكريمة أظهرت لنا وجوب حسن التعامل مع أهل الكتاب واعتبارهم أعضاء في المجتمع لهم ما لنا وعليهم ما علينا, فقد كان لرسول الله عليه الصلاة والسلام جار يهودي يكرمه كما يكرم أي أحد من جيرانه إن لم يكن أكثر, ومات عليه الصلاة والسلام ودرعه مرهونة عند يهودي, فكيف يستدين الرسول عليه الصلاة والسلام من شخص ثم يطلب من أصحابه إخراجه من جزيرة العرب؟!)

وهذه عبارتي من مقالة "فلسفة التجربة والخطأ.. والبحث عن مدينة فاضلة":(من خلال فهمي لمعنى البراء أنه كره العقيدة المخالفة لعقيدة التوحيد وتبرؤٌ منها، دون أن يتعدّى ذلك الكره إلى الإنسان الذي يؤمن بها، ما دام ليس محارباً ولا باغياً, أتعامل مع جارتي النصرانية التي جاءت لتهنئتي بالعيد في أولّ أيامه).

وفي مقالة "الإسلام دين المحبة وليس دين الكراهية" كتبت:(وكيف يمكن للعقل السليم تقبل أن المسلم مأمورٌ ببغض شخص يهوديّ أو مسيحيّ أو مشركٍ ثم هو مأمورٌ بأن لا يعامله فقط بالعدل, بل بالبر والإحسان؟ أليس في هذا تناقض واضح؟ إذا كان العدل عمل العقل فإن الإحسان عمل القلب, ولكن البغض عمل القلب أيضاً, فكيف يجتمع الإحسان والبغض معاً؟)

وجاء في مقالتي "التعامل مع الآخر بين الدين والثقافة":(أباح الله للمسلم أكل ذبائحهم – أي أهل الكتاب - والزواج من نسائهم أي مصاهرتهم, ورباط المصاهرة والنسب من الوسائل التي تتماسك بها عرى المجتمع, فكيف يمكن للمسلم إذا كانت أمه نصرانية أو يهودية أن يكره أقرباءه؟)

هذا غيض من فيض ما كتبت, ويبقى لي بعض التساؤلات على بعض ما جاء في مقالة الزميل:

هل من الضروري أن نعلّم أطفالنا شيئاً لا يتناسب مع عقولهم الصغيرة؟ ماذا لو أخّرنا شرح العقيدة إلى سنّ معينة؟ ماذا لو علمناهم الإيمان كما علّم الرسول عليه الصلاة والسلام صحابته؟ ماذا لو فعلنا كما فعل مع تلك الجارية التي لطمها سيدها فوبَّخه قائلا:(لطمت وجه مؤمنة) واستنتج النبي العظيم إيمانها فقط من جوابها على سؤال: أين الله؟ فقالت: في السماء.

ماذا لو بحثنا جيداً فوجدنا أن عقيدة الولاء والبراء لم تكن موجودة عندما كان المسلمون في مكة وحالهم حال الاستضعاف, فلما صار لهم دولة قائمة بحدّ ذاتها, وعاملتهم قريش بالحرب, نزلت آيات البراء من الكفار؟ هذا شيء مقبول من أي أمة أو دولة تكون في حالة حرب, لكن هل تراه أمراً مقبولا والمسلمون على هذه الحالة من الضعف والوهن؟ هل من المصلحة أن نفعّل فقه الولاء والبراء وهو يقع ضمن ما يسمى السياسة الشرعية التي يقررها أهل الحل والعقد تبعاً لما تقتضيه مصلحة الدولة؟

يتساءل الزميل:(هل تتوقع "ليلى" وسواها أن يرى أطفالنا ما يفعله الصهاينة والأمريكان في بلادنا ثم يحبوهم؟) وأنا أتساءل: هل تراه قرأ الآية القرآنية الكريمة:(ليسوا سواء)؟ هل يريد أن نضع شارون وأمثاله بنفس كفة الميزان التي نضع فيها راشيل كوري التي دهستها جرافة إسرائيلية أثناء معارضتها لهدم بيت فلسطيني؟!

كثير من الانتقادات يمكن توجيهه لمقالة الزميل لكن المساحة المخصصة انتهت فأختم بأن قوله الذي جاء في نهاية مقالته:(فإما أن يكون الغرب مسلماً وإما أن يكون كافراً) ذكرني بالمقولة المشهورة لأسامة بن لادن عن الفسطاطين: فسطاط الإيمان وفسطاط الكفر, فأربأ بالزميل أن يتبنى فكر القاعدة!

الوطن السعودية 10/12/2007

 

 

حقوق الطبع محفوظة لموقع د. ليلى الأحدب © 2005 تصميم وتطوير موقع الثريا |