|
ربما يذكّر عنوان المقالة باسم فيلم هو (آخر الرجال المحترمين), فهل لموضوع احترام
الرجال علاقة ببراءة الأطفال؟
أعتقد أن الجواب بـ"نعم" ممكن, وذلك لأن الأب يجب أن
يساهم في تربية الطفل كما تساهم الأم, مع أنهما
يختلفان بنسبة الاحترام إلى الحب في علاقة الطفل بكلّ
منهما, فعلى حين يغلب الاحترام على الحب في علاقة
الطفل بأبيه يزيد الحب على الاحترام في علاقته بأمه.
هذه القاعدة صحيحة رغم بعض الاستثناءات, وذلك حين يكون
الأب أقرب للطفل – أو الطفلة – من الأم, ولكن إذا
تمعّنا أكثر في علاقة الأبوين بطفلهما حالياً فإننا
نرى أن كلّاً من الحب والاحترام قد تنحّى لصالح كائن
آخر أصبح له دور كبير في تربية الأطفال ألا وهو
التلفاز.
ما أقوله ليس مبالغة أبداً, بل من المعلوم أن الإعلام
المرئي أوجد قدوات للأطفال لم تكن معروفة في الزمن
الذي سبق وجود التلفاز, وهذه القدوات لا علاقة لها
بالعالم الواقعي؛ وفي كلمة لبيل غيتس ألقاها أمام طلاب
ثانوية عامة أمريكية وحوت 11 قاعدة حياتية مختصرة
ومحمّلة بالمعاني, كان من اللافت للنظر أن ينبّه
الطلاب لدور التلفاز في صدع حياتهم المستقبلية, إذ
يقول في القاعدة العاشرة:(التلفاز ليس حياة حقيقية,
لأن الناس في الواقع يجب عليهم مغادرة "الكوفي شوب"
والذهاب إلى العمل!).
نحن نلاحظ أن أولادنا أقل شعوراً بالمسؤولية وأكثر
ميلا للكسل والرفاهية, ولكن يجب ألا نضع كل اللوم على
أولادنا وعلى هذا الكائن الغريب الذي أصبح قريباً لكل
العائلة, بل ينبغي القول أن الأهل هم الذين يسمحون
بامتداد علاقة الأطفال بالتلفاز, ويساهمون في نوعيتها,
من خلال علاقتهم هم به, وكذلك عير تعويد أطفالهم على
البقاء أمامه لساعات طويلة, إضافة إلى عدم قدرتهم على
النقد, فكيف يتمكّن الأطفال من تبني المهارات الناقدة
لما يرونه في الوقت الذي ينعدم هذا السلاح لدى
الأبوين؟
ربما يبدو المقال للوهلة الأولى مكرراً, لكن أرجو أنه
ليس كذلك, وما يدفعني إلى ذلك ملاحظات كثيرة بدأت معي
منذ سن الصبا, حيث كنت مولعة بالتلفاز كثيراً, فقد كان
الهواية الثانية لي بعد القراءة, علماً بأنه لم يكن في
ذلك الوقت سوى قناة واحدة أو قناتين لمن يستطيع التقاط
قناة دولة أخرى بوسائل بدائية, لكني لاحظت وقتها أن
الشباب والبنات يأتون بحركات مشابهة لما يعرض في
التلفاز, فخشيت يومها- رغم صغر سني - على مفهوم
الصداقة أن يتحوّل إلى تمثيل, فقلّلت كثيراً من
مشاهداتي للتلفاز, وكان لتديّني المفاجئ وقتها دور في
امتناعي عنه كلية, قبل أن أعود إلى خط الوسط.
ربّ يوم بكيت منه فلما كنت في غيره بكيت عليه, هي حكمة
معروفة, وتنطبق على حالي مع التلفاز, فما أجمل تأثيره
علينا مقارنة بأولادنا, والأمر تعدّى المسكوت عنه ليصل
إلى حد واجب التحذير منه, فهذا زميل لنا في العمل يحضر
طفله البالغ من العمر أربع سنوات, فيتصرف بذكاء مشوب
بخبث يحبّبه إلينا جميعاً, لكن الطفل كثير الحركة, ومع
ذكائه فإن معلمته تشكو أنه لا يركز معها في صف الروضة,
وعندما راقبت الطفل وهو يقفز أمامي في مكان العمل, سبق
لذهني توم وجيري, فسألت والده: هل يرى ابنك أفلام
كرتون بشكل كثيف؟ قال: نعم, قلت له: احذر أن يصبح
مستقبلا مصاباً بفرط الحركة كابن زميلنا الآخر الذي
يتناول دواء نفسياً وهو ما زال بعمر 14 سنة!
في الحقيقة لم يمر علي أثناء دراستي لمادة الطب النفسي
منذ أكثر من عشرين عاماً أن فرط الحركة لدى الأطفال هو
مرض نفسي يستوجب العلاج, ولكنه الآن يصنف كمرض نفسي,
وأحياناً يبدو غير معروف السبب, ومع تقدّم الدراسات
والأبحاث تبيّن أن الطفل الذي يتعرّض للتلفاز أكثر من
ساعتين يومياً قبل عمر أربع سنوات معرض للإصابة بهذا
المرض الذي يتصف بتشتّت الانتباه وفقدان القدرة على
التركيز.
ليس فرط الحركة هو المرض أو الاضطراب النفسي الوحيد
الناجم عن إهمال الأهل للطفل, وليس التلفاز هو السبب
دائماً, لكن الآليات الدفاعية لدى أطفال هذه الأيام
أكثر مما كانت لدينا بكثير, فهم قادرون على استعادة
حقوقهم المستلبة من قبل الأهل بطرق أكثر مراوغة وذكاء,
فهذه إحدى الأمهات تشكو لي أن طفلتها البالغة من العمر
ستة أعوام بدأت تصارحها بأنها لم تعد تعرفها ولا تعرف
أباها ولا إخوتها, وبدأ القلق ينشب في صدر الأم خشية
أن تكون طفلتها مصابة بمرض نفسي, وما إن قصّت عليّ
مشكلتها – هاتفياً- حتى بادرتها بالسؤال إن كانت قد
أهملت طفلتها في الفترة السابقة فاعترفت بذلك إضافة
إلى قسوتها عليها بسبب بعض الظروف التي تمر بها
الأسرة, فأخبرت الأم بمعلوماتي عن اختراع الطفل للكذب
من أجل لفت انتباه الأهل, وهو ما يسمى الكذب الادعائي,
وكذلك اجتراح السرقة لنيل اهتمام الأبوين, وطلبت منها
أن تزيد جرعة اهتمامها بطفلتها, ففعلت وعادت الطفلة
إلى سابق عهدها, ولكنها بين الحين والآخر تضغط زر
استدعاء الأم للاهتمام بها فتخبرها أنها شعرت بعدم
معرفتها لأهلها!
بما أني أعرف هذه الأم جيداً من قبل فقد طلبت منها أن
تحضرها معها لزيارتي, وكانت الطفلة طوال الوقت متأقلمة
معي برغم بعض الحياء المصطنع – على حسب ما أفادتني به
والدتها – ولكن ما إن انشغلتُ مع والدتها بحديث جانبي
حتى اقتربتْ من أمها قائلة لها: لقد شعرتُ.. وسكتتْ..
أي ضغطت الزر!
طمأنت الأم أن طفلتها بخير, وما إن غادرتْ منزلي حتى
عدت إلى صحيفة الوطن لعدد الجمعة فإذا بصفحة المجتمع
تحمل خبر طفلة أمريكية تروي قصة وهمية عن رجل حاول
اختطافها, وفي ثنايا الخبر أن
طفلة قد أخبرت سلطات الأمن
في مدينة أمريكية بأن رجلاً شعره مجعد ويدق وشماً على
يديه مرسوماً عليه تنين اقترب منها أثناء لعبها في
ملعب بالقرب من منزل أسرتها وحاول اختطافها بعد أن
أظهر لها مسدساً؛ واضطرت سلطات الأمن في المدينة
لتخصيص 8 سيارات من سيارات الشرطة إضافة إلى طائرة
هليكوبتر وعشرات الجنود والضباط المسلحين للتوصل إلى
هوية الشخص الذي اتهمته الطفلة بمحاولة اختطافها. وبعد
4 ساعات من البحث المتواصل ألقت الشرطة القبض على شخص
بنفس المواصفات التي ذكرتها الطفلة, لكن الرجل أنكر
التهم الموجهة إليه, والعجيب أنه لم ينقذ الرجل سوى
تراجع الطفلة عن اتهاماتها معترفة بأنها اخترعت القصة
لكي تجبر أمها على الاهتمام بها بعد أن تركتها تلعب
بمفردها دون أن تشاركها اللعب مما أصابها بالضيق
والغضب والشعور بالملل والوحدة والخوف حسب ما ذكرته
الطفلة في أوراق التحقيق.
قد لا يكون دفاع الطفل عن وجوده وعن حقّه بنيل
الاهتمام والرعاية دليلا كافياً على فقدان براءته, لكن
عندما تدخل طفلة بعمر 5 سنوات مع أسرتها, وتجلس إلى
طاولة الطعام أمام ابني الذي يكبرها بأكثر من عشرة
أعوام, ثم تقول عنه بصوت عال: تبارك الله ما شاء الله,
ما هذا الوجه المبتسم؟! فإنني لا أستطيع أن أتخيل سوى
أنني أمام امرأة بعمر خمسين سنة وليست طفلة بعمر خمس
سنوات؛ وعندما أرقب تصرفاتها الأخرى وألاحظ ما يؤكد لي
ذلك, وأسأل والدتها عن السبب فتبرّر أنه ليس لديها سوى
التلفاز لتشغلها به؛ ولكني عندما أبحث عن السبب
الحقيقي فإني لا أرى التلفاز هو المتّهم الوحيد بل
ربما كلنا متهمون وفي نفس الوقت كلّنا ضحايا, وما خُفي
كان أعظم!
الوطن السعودية 26/11/2007 |