|
هي
مأساة بكل معنى الكلمة ليس للطفلين حالياً بل مستقبلا, ولكنها كذلك لكلّ من
عائلتيهما, ويكفي النظر إلى الصورتين اللتين عرضتهما "الوطن" يوم الجمعة الماضي:
صورة الأب التركي في ورشته وصورة الأب السعودي محتضناً الطفل التركي؛ وإذا كانت
ملامح الأب التركي قد جلّلها الحزن فإن ملامح الأب السعودي كانت هادئة وإن شابتها
نظرة الإحباط.
من وجهة نظري كطبيبة فإن ما حصل لا يمكن التجاوز عنه,
خاصة أن الأب التركي شعر بالمشكلة أولا بسبب انتباهه
أن سمات الطفل - الذي استلمه على أنه ابنه - لا تشبه
سمات العائلة, فشعر رأس الطفل كان أسود من البداية مما
جعله يشك بالأمر ويراجع المستشفى حيث أكد له المدير أن
هذا الشعر سوف يزول ويتغير إلى الأشقر؛ وللحقّ أقول أن
هذا قد يحصل أحياناً وهو ما يسمى بالعامية (شعر البطن)
إذ يكون كثيفاً وأسود لدى الولادة, وما هي إلا أيام
حتى يزول هذا الشعر تدريجياً وينمو بدلا منه شعر يقارب
لون شعر الأسرة.
لكن ذلك لا يبرّر لمدير المستشفى عدم اهتمامه بشكوى
الأب التركي, كما أوردت "الوطن" في أحد التقارير
المتتابعة عن الحكاية, لأن عبارة (الزبون دوماً على
حق) يجب أن تكون هي الشعار في حالة كهذه الحالة, إذ لا
يجب أن يغيب عنا كأطباء أن شكّ الوالد في نسب ابنه
إليه أمر مؤرق وقد يؤدي إلى فقدان الأسرة لتماسكها,
ولولا لطف الله بالعائلة التركية وثقة هذا الرجل
بزوجته لرماها بالفاحشة؛ وقد حدث ذلك في عيادتي وأمام
عينيّ أكثر من مرة, على سبيل المثال رجل سعودي كان
يتخذ طريقة لمنع الحمل مع زوجته ويعتبرها طريقة آمنة
مائة بالمائة, مع أنها ليست كذلك إلا بنسبة 30%,
وعندما راجعني مع زوجته الحامل وفهمت من حديثهما أين
الخلل الذي أدى إلى حدوث الحمل, لم يقبل مني المعلومة
الطبية التي ذكرتها له والتي تزيل سوء ظنه بزوجته,
وكانت نهاية هذا الشك طلاق زوجته البريئة.
إن الذي حصل في قضية الطفلين السعودي والتركي لا يعدو
نوعاً من الإهمال, ولا يمكن تسميته (خطأ) فقط بل هو
خطأ ناجم عن الإهمال, وإذا كانت الممرضات المتواجدات
وقت الولادة وكذلك وقت خروج الأم التركية والأم
السعودية من المستشفى مع طفليهما هنّ المسؤولات عن
ذلك, فإن ذلك لا يخفّف من خطأ المسؤول في المستشفى
الذي راجعه الأب التركي؛ فقد عاش هذا الرجل في قلق ظل
ينهشه لأربع سنوات؛ وكلنا يعلم أن عادات كل بلد لا
تختلف عن البلاد الأخرى في هذا الشأن, فأول ما يولد
طفل جديد في الأسرة فإن الأقارب والجيران يأتون
ويتفحّصون ملامحه ومدى شبهه بالأب أو الأم, بأخواله أو
بأعمامه, فأي عذاب عاش فيه هذا الرجل التركي؟!
الأب السعودي كان متطبّعاً بعادات الناس بالمملكة
والتي يغلب عليها الرضا بعطية الله, لذلك لم تثر في
دواخله تلك الأسئلة التي أقضّت مضجع الأب التركي,
والذي لم يستسلم بسهولة, بل مضى بالألم إلى أقصى درجة
حيث أجرى تحليل الحمض النووي للطفل وله وللأم في
تركيا, وقد فضّل وطنه لإجراء ذلك, إذ لا يمكن إجراؤه
إلا عن طريق وزارة الداخلية بالمملكة, عدا عن الكلفة
الباهظة لإجراء ذلك التحليل, خاصة أن المستغلين في
الطب والمشعوذين بالصحة في المملكة أكثر من أي بلد
آخر, ثم إن الثقة بأي مركز صحي هنا يصعب استعادتها مع
وجود الشك بأحدها.
يجب العمل كي لا تتكرر هذه المأساة, وقد كنت - وما زلت
- أستغرب فصل الأم عن وليدها, وهو الأمر المعمول به في
المستشفيات الحكومية, على عكس ما يجري في المستشفيات
الأهلية, حيث يتم توليد المرأة في غرفة خاصة, ويكون
معها أحد من أهلها, غالباً هو الزوج أو الأم أو الأخت,
ثم توضع أسورة حول معصم الطفل الذكر وبلون مختلف عن
أسورة الطفلة الأنثى, ويكتب على الأسورة اسم الأم ورقم
ملفها وتاريخ وساعة الولادة, والأفضل أن توضع نفس
الأسورة في يد الأم بمجرد قبولها في المستشفى للولادة.
لا ينبغي فصل الوليد عن أمه إلا لضرورة قصوى هي وضعه
في حضانة المواليد الخدّج, حيث يحتاج مواد لفتح
الحويصلات الرئوية في حال بّينت الاختبارات عدم نضج
رئة الجنين, وإلا فلا مبرر لبقاء الطفل في حضانة خاصة
بالمواليد العاديين, خاصة أن ذلك يساعد على انتقال
الأمراض من بعضهم إلى بعض, وكل مولود يُخلق بجهاز
مناعي غير كاف, وهذه المناعة الناقصة تختلف من طفل
لآخر, وتنمو مع رضاعته من لبن الأم الذي يحوي في
الأيام الأولى للولادة مادة اللبأ وهي مادة أقرب
للتكوين الصمغي تحوي كثيراً من الأضداد المناعية التي
تساهم بتقوية جهاز المناعة لدى المولود.
وضع الوليد في فراش خاص بجانب أمه يهيئها نفسياً
لممارسة دورها الطبيعي في الأمومة, ومص الطفل لثدي
الأم من الساعات الأولى - اللهم إلا إذا كانت مجهدة
جداً – يساهم في عمل الغدة النخامية لإفراز
الأوكسيتوسين وهو ما يوفّر تقلصات للرحم تساعد في
انطماره أي عودته لحجمه الطبيعي, ومن نفس الجزء الذي
يفرز هذا الهرمون الخاص بالتقلصات يفرز هرمون
البرولاكتين وهو الهرمون المسؤول عن عمل غدة الثدي
وإفرازها الحليب.
هذا الوضع قد لا يناسب كثيراً الأم التي تم توليدها
بعملية قيصرية, لأنها لا تستطيع تلبية حاجات الطفل
خاصة أنها كثيراً ما تعطى مخدراً للألم شديد الفعالية
للتخفيف من ألم ما بعد العملية, لكن ذلك ليس حجة لفصل
الطفل عن أمه, فيجب السماح بمرافِقة للأم في الغرفة
تعتني بالطفل أثناء نوم الأم أو راحتها, ويجب ألا يترك
أمر العناية بالطفل للممرضة التي تعمل غالباً كعقل
مبرمج وليس كإنسان, وأقصد تحديداً الممرضة غير العربية
التي يتم الاعتماد عليها بكثرة في المشافي, ورغم كفاءة
بعضهن فإن القسم الأكبر منهن يعملن كالكمبيوترات, أي
بدون تدخل من الجانب المعنوي أو العاطفي الإنساني,
وهذا أقوله عن خبرة نتيجة عملي الطويل في المراكز
الطبية المختلفة.
أما علاج المأساة الآن فهي ليست ببعض التبرعات من هنا
وهناك, مع شكر فاعليها الخيرين, بل في لَمّ شمل هاتين
العائلتين في مكان واحد بمنزلين قريبين والأفضل بمنزل
واحد من طابقين, لأن كلا من أبوي الطفلين هو أب للطفل
الآخر بالرضاعة, وإذا كان الأب التركي طلب من السفارة
التركية إعطاء طفله الحقيقي الجنسية التركية, فليس
أقلّ من أن يتمتع كل من الطفلين بجنسية والده الحقيقي,
ولا يجوز فصل أي من الطفلين عن عائلته حالياً, بل يجب
أن يشرح لكل طفل منهما أن له أبوين: هذا بابا فلان
وذلك بابا فلان الآخر, وكذلك أن له أمّين: ماما فلانة
وماما فلانة الأخرى, لأن الطفل بهذا العمر بحاجة
للشعور بانتمائه لأسرة, ولا مانع أن يشعر بانتمائه
لأسرتين, وذلك ريثما يتمّ فصله بشكل تدريجي عن أسرته
بالرضاعة ليبقى مع أسرته الحقيقية, وذلك أفضل بكثير من
أن يُفصل بشكل متعسف؛ وإذا كان أحدهما لم يرضع من أم
الآخر فيعامل بنفس الطريقة كما لو كان قد رضع منها,
ويترك الشرح والإيضاح لما بعد البلوغ أو على الأقل سن
العاشرة, وبتأنٍّ شديد على نفسية كل منهما.
قرأت أن الأب التركي لا يطلب مالا فلا شيء يعوضه عن
ألمه النفسي, لكن الأب السعودي يطالب بتعويضات مادية,
ومعه حق لأن النسل من الضروريات التي جاء الشرع
لحفظها, ولكن لا أدري إن كان حقاً يطالب بالملايين أم
أن ما قرأته خطأ مطبعي, وذلك كي لا يُفتح باب التجارة
بالأنساب كما هو الحال بالمتاجرة بالدية في الرقاب.
الوطن السعودية 12/11/2007 |