|
في
السابع عشر من الشهر الجاري مر يوم الفقر العالمي, ومن المؤسف أن عدد الفقراء في
العالم كله عموماً وفي العالم العربي خصوصاً في ارتفاع, وليست المملكة بمنأى عن هذا
التغير السيئ, بل إنه من المنطقي أن تزداد نسبة الفقراء مع اضمحلال الطبقة الوسطى,
وهي الطبقة التي تحمي المجتمع من الفجوة بين الفقراء والأغنياء, لكن لا يوجد لدينا
إحصائيات تنبئنا عن عدد الغارمين من الديون خاصة القروض البنكية, ولا شهود عيان
يتابعون أحوال من كانوا ضحية سوق الأسهم, ولا حديث عن مصير الأيتام وأولاد المطلقين
والمطلقات ناهيك عن الحديث عن اللقطاء ومجهولي النسب, عدا ديون الآباء المرهقين
بفواتير المستشفيات الخاصة نتيجة ولادة طفل خديج تكلف ليلة إقامته في الحضانة
الخاصة ما يزيد على ثلاثة آلاف ريال؛ ولولا إلقاء الضوء الإعلامي أحياناً على أحوال
بعض الساكنين في قعر المجتمع, لما علمنا بتلك الأرملة التي قضت انتحاراً بسبب
الفقر, فما بالنا إذا تحدثنا عن حال الوافدين الذين لا تتعدى رواتبهم الخمسمائة
ريال كما أوردت "الوطن" في تحقيقها يوم السبت الماضي؟
كل هذا يجعلنا نسأل بحسرة: أين الإسلام في مجتمعاتنا
الإسلامية؟ أين التكافل الاجتماعي الذي هو عمود خيمة
المجتمع؟ كيف يمكن لنا أن نباهي بإسلامنا العالم بينما
الجار لا يعرف شيئا عن جاره؟ وكيف نسينا حديث الرسول
عليه الصلاة والسلام:(ما آمن من بات شبعان وجاره إلى
جنبه جائع وهو يعلم)؟ وهل تكلفنا مشقة البحث عن
الأفواه الجائعة في تلك البيوت المستورة التي يفضل
الأب – أو الأم - أن يطويه الموت قبل أن يمد يده سائلا
الناس؟
سأحدث القراء الكرام عن تجربة لي, ولولا أن التجارب
الشخصية مهمة لتوضيح فداحة الوضع لما أتيت بها هنا,
فمنذ سنتين حدثني ابني الصغير, وكان وقتها في الرابعة
عشرة من العمر, أن الفتى الذي يعمل في محل لألعاب
الفيديو من جنسية عربية وهو أكبر إخوته وعمره 15
عاماً, ولكن والده توفي في السعودية, وأصبح مفروضاً
على الأم والأولاد أن يرحلوا إلى بلدهم الأصلي, ولكن
الكفيل لم يمنحهم أي شيء من حقوق والدهم, ولا حتى
تذكرة الطائرة, فجلست الأم في البيت ترعى الصغار وخرج
ابنها الأكبر من المدرسة يبحث عن مورد رزق, فوجد هذا
العمل ولكنه كان بحاجة إلى مال ريثما يحصل على مرتبه
الشهري الذي وعده به صاحب العمل والذي يتراوح بين 600
و800 ريال حسب اجتهاده في العمل, فما كان من ابني إلا
أن أعطاه ما يحمله من نقود لا تتجاوز الخمسين ريالا,
وعاد إلى البيت ليقص علي الحكاية التي لم أنسها.
إلى أن كان اليوم الذي رنّ فيه جرس الباب وكان السائل
عن ابني هو هذا الفتى, فأخبرته أنه سيعود حالا, وبما
أن هذا الفتى كان قد قدم من مكان بعيد بعد أن ترك عمله
القريب من بيتنا, فقد طلبت منه أن يدخل وينتظر ابني,
فدخل الفتى وكان أول ما فعله أن خلع حذاءه, فبدت أصابع
قدميه من ثقوب الجوربين, وهو في الحقيقة مشهد لم أره
منذ زمن بعيد وبشكل
مباشر, فأثر بي ذلك كثيرا, ثم قدمت
عشاء للفتى حيث أن الوقت متأخر, وغادرت الغرفة ليهنأ
بالطعام, وعندما انتهى قدمت له بعضاً من مال الله
فأخذها بعد إلحاح, ثم سألته إن كان يحب القراءة
فأجابني بنعم, فذهبت وعدت بحقيبة ملأى بالقصص التي كان
ولدي الكبير المحب للقراءة قد انتهى منها, فأخبرت
الفتى بأن هذه القصص كلها له واقترحت عليه أن يتسلى
بواحدة منها ريثما يأتي ابني, وما إن أدرت ظهري وأغلقت
باب الغرفة حتى سمعت صوته مهللا من الفرح, وهو ما لم
يصدر عنه عندما أحضرت له المال أو عندما قدمت له
الطعام, وقد حزّ في نفسي أن يحرم مثل هذا الفتى المحب
للقراءة من متابعة دراسته؛ ولكن الخبر الأشد ألماً في
قصته هو أن الكفيل لم يوافق على تجديد الإقامة وتم
تسليم العائلة بأكملها لإدارة الجوازات من أجل الخروج
النهائي.
هذا مثال قد لا يهتز له كثيرون الآن, فرب قائل يقول:
إن بلد هذا الرجل المتوفى أولى به وبعائلته, ولكن الله
سبحانه حرم الظلم, ومن الظلم أن لا تحصل عائلة المقيم
المتوفى على حقوقها, لأنه في الحقيقة كثيرون لا يعلمون
أن لهم حقوقاً, والظلم الذي يسكت عنه بعضنا الآن لأنه
يقع على رأس أجنبي, سوف يقع آجلا أو عاجلا على رأس
العامل السعودي, عدا أن صاحب المال عندما يستمرئ أكل
مال غير السعوديين, سواء بمنحهم رواتب أقل أو بمنعهم
من مستحقاتهم, لن يجد ما يجبره على توظيف السعوديين,
وهذا يعني زيادة البطالة والتي لا تعني شيئا سوى زيادة
الفقر.
لست ضد الغنى ولكن الغنى الفاحش الذي يجعل صاحبه يفكر
بمبدأ (أنا ومن بعدي الطوفان) يزيد من الهوة بين
الناس, وفي العالم الحر ينتبهون لمساوئ الرأسمالية
ويضعون قوانين للحد من مخاطرها, ولكن في بلادنا نرى
ازدياد عدد المراكز التجارية التابعة لمالك واحد أو
بعض المستثمرين الأقوياء بينما يبقى الجزار وبائع
الخضار والفاكهة والبقال يبحثون عن زبون, وعندما كان
عندي قريبي الأوربي ضيفاً, ووجد البقال يحضر لي حاجات
بمبلغ من المال ليس كبيرا, خاصة إذا تم تحويله إلى
اليورو مع هبوط الدولار ومعه الريال, أخبرني أنه لا
يوجد في مدينته مثل هذه الخدمة وأن أي بقال ليس على
استعداد ليقوم بذلك ما لم يشتري منه الزبون بمبلغ ضعف
هذا المبلغ بعشر
مرات, فعلقت على كلامه بسخرية: وأين سوف يجد البقال
الأوربي عاملا يقف الليل والنهار كله مقابل 100 يورو؟
هذه الهوة بين عالمين أشار إليها رئيس التحرير الأستاذ
جمال خاشقجي في مقالته حول إدماننا للأيدي الرخيصة,
وهي السبب نفسه الذي يجعل أسواقنا لا تغلق ليلا ولا
نهارا, ورغم صدور القرارات الموجبة للإغلاق ليلا,
فإننا نجد المطاعم ومحلات "السوبرماركت" لا تقفل أبدا,
وما ذاك إلا بسبب ركوب صاحب العمل على ظهر العامل وليس
إدماننا نحن فقط للأيدي الرخيصة, وهذه الهوة هي نفسها
التي تخلق الجريمة, عدا عن البعد الأخلاقي لغياب
عائلات هؤلاء العمال, فتجدهم يتسكعون في الشوارع إذا
لم يجدوا عملا, فإذا مرت امرأة من أمامهم رغم أنها
دخلت سن اليأس وحتى لو كان معها محرمها فإنهم يأكلونها
بعيونهم, هذا إذا تغاضينا عن فتح ملفات ساخنة أكثر
تؤدي إلى غياب الطمأنينة والأمن, والخلاصة أن التكافل
الاجتماعي هو السلاح ضد الآفات الناجمة عن الفقر.
في ملف "بور بوينت" وصلني عن مدينة دبي, بدأت الصور
الأولى بمناظر المنازل الفخمة والفنادق الفاخرة
والأسواق المزدانة, ثم انتقلت الصور إلى منحى آخر,
عمالة نائمة فوق بعضها بعضا, ففي الغرفة الواحدة ينام
خمسون شخصاً كورق اللعب, رؤوس بعضهم عند أقدام بعضهم
الآخر, ومن لم يجد مكاناً نام قرب المرحاض أو في
الحمام, وانتهت الرسالة بـ "ثيمة" أن دبي هي الجنة
لبعضنا لكنها جهنم لبعضنا الآخر؛ وأخشى ما يخشاه المرء
أن يستيقظ من أحلام انتظار المدن الاقتصادية على
كوابيس مماثلة, خاصة أنه لا يوجد سعودي يقبل براتب بضع
مئات من الريالات في الشهر, وهي التي لم تعد تكفي
لطعام شخص واحد..
الوطن السعودية
22/10/2007 |