|
أثناء استعراضي لما تقدّمه القنوات الفضائية في الأسبوع الماضي وقعت على برنامج "من
الإخبارية" بالصدفة, وأقول بالصدفة لسببين: سبب خاص وهو ضيق وقتي عن متابعة كل ما
يعرضه التلفاز, وسبب عام هو ضحالة المحتوى المقدم في الفضائيات العربية لولا برنامج
وثائقي مترجم - أو مدبلج - على هذه القناة وبرنامج حواري مميّز على تلك.
بداية أرجو ألا تُفهم مقالتي على أنها نقد لأشخاص
معينين في الإخبارية, بل إن مقصدي هو أن نجد في هذه
القناة ما أملناه بها عندما وُعدنا بأنها ستكون نقلة
مميزة في الإعلام المرئي السعودي؛ لكن "تميزها" لم
يحصل فيه أي تقدم ملحوظ؛ ومشكلة الإخبارية برأيي هي
مشكلة الفرد أو المؤسسة عند غياب النقد مما يؤدي إلى
الرضا عن النفس, وحالة الاسترخاء هذه ينجم عنها تكرار
المؤسسة لنفسها, حتى لو تم تغيير الثوب فإن المحتوى لا
يتغير, ولذا تبدو الإخبارية كمن يراوح في المكان.
بالطبع ليس كل مقدمي برامج الإخبارية على نفس المستوى,
لكن المشكلة أن الجهد الذي تضعه القناة على بعضهم يفوق
الحدّ, ونذكر جميعاً أن السيدة ريما الشامخ – عافاها
الله - كانت تقدم برنامجاً هاماً بشكل يومي مما أدى
بها إلى حالة من الإجهاد نتج عنها دخولها في غيبوبة
أمام الكاميرا؛ وهذا الجهد الفردي لا يسدّ منافذ الفشل
إن لم تتضافر الجهود من أجل الوصول إلى الهدف, ولا
ننسى أن الإخبارية استغنت عن مذيعات جيدات واحدة تلو
الأخرى, وربما كان التنافس غير الشريف وراء هذا
الاستغناء كما صرحت إحداهن لصحيفة الوطن في عدد سابق.
عوداً إلى حلقة برنامج "من الإخبارية" التي كانت تدور
حول الفرحة بالعيد واختلافها عن السابق, فقد استضافت
الحلقة الدكتور عبد الله اليوسف أستاذ علم الاجتماع في
جامعة الملك سعود والدكتورة فوزية أبو خالد والتي أشار
إليها البرنامج على أنها كاتبة في صحيفة الجزيرة, وهذه
الإشارة "اليتيمة" سقطة من الإخبارية برأيي, فالدكتورة
أبو خالد تحدثت أنها قريبة من الضيف الآخر بالاختصاص
وقد كنت قرأت لها بحثاً هاماً وافياً عن العادات
والتقاليد في المجتمع السعودي فيما يخص المرأة, عدا
أنها شاعرة وأستاذة جامعية؛ وبما أن الشيء بالشيء يذكر
فإن الإخبارية أشارت إلي في حوار سابق معي بـ
"الصحفية", والحقيقة أن الصحافة ليست مهنتي ولا
أتقنها, ولذلك شكرت الدكتور علي الخشيبان على مقالة
سابقة فرق بها بين كتاب الرأي والإعلاميين.
وأما الخطأ الثاني والذي يقع ضمن إطار الخلل بالتعريف
بالأشخاص فهو أن أحد المتصلين كان الدكتور عبد الرحيم
الميرابي, وهو طبيب نفسي وكاتب مستديم تقريباً في صفحة
نقاشات الوطن, ومع أنه قدّم نفسه أنه زميل للضيفين لكن
في الاتجاه النفسي, فإن طاقم العمل في البرنامج لم
يغير الاسم الذي ظهر على الشاشة بل اكتفى باسم "عبد
الرحيم", وأكمل المذيع الخطأ فشكر "عبد الرحيم" – بدون
ألقاب – وغالباً فإن الخطأ غير مقصود, لكن هذا التجاهل
يدل على أن بعض العاملين في الإعلام المرئي لا يهتمون
كثيراً بمتابعة فرع هام من الإعلام ألا وهو الإعلام
المقروء, عدا أنه يشير إلى نقص في إعداد الكادر
الإعلامي من ناحية الاتصال البشري الذي أصبح فرعاً
قائماً بذاته, ناهيك عن النقص في فهم مضمون حديث شريف
يأمرنا بأن ننزل الناس منازلهم؛ وكي لا يعترض أحد هنا
بأن الوطن لا تضع حرف الدال قبل مسمى بعض كتابها مثلا,
أذكّر بأنها تقوم بتكريم الضيوف الذين يكتبون في صفحة
نقاشات أكثر من أصحاب البيت, وهذا يُحسب للوطن لا يحسب
عليها.
هذا بعض ما ورد في شكل الحلقة لكن ماذا عن المضمون؟
أعتقد أن الضيفين كان لديهما الكثير مما يقال بحكم
خبرتهما واختصاصهما الاجتماعي, ولكن يبدو لي أن المذيع
لم يكن على أتم الاستعداد للدخول في محاور عدة يقتضيها
الحال, فبات يكرر نفس الأسئلة أو يعيدها بأسلوب مختلف
مما جعل الضيفين يكررون الإجابات نفسها, وعلى هذا فإن
المأخذ على البرنامج هو الطابع الارتجالي وهو مأخذي
على معظم برامج الإخبارية عندما كنت أتابعها أكثر بسبب
جِدّتها؛ أما الآن فتحتاج الإخبارية في ظل التنافس
المحموم مع القنوات الأخرى أن تضاعف جهودها لتخرج
ببرامج أكثر جذباً للمشاهد؛ وصحيح أن بعض المشاهدين
يعتريهم فضول المتابعة لبعض البرامج لكن هذا الفضول لا
يؤتي أكله المعرفي والثقافي إن لم يكن نابعاً عن
ارتباط حقيقي للمشاهد مع البرامج كلها أو بعضها.
من المحاور التي كان من الممكن التطرق إليها ثقافة
الاستهلاك التي أعلت من قيمة الأشياء على حساب خفض
مكانة الروابط الاجتماعية بشكل عام والعائلية بشكل
خاص, مع الإشارة إلى وجود حالة من الأنانية تُعنى
بالاستغراق في الاستمتاع الفردي - أو ربما العائلي -
دون إشراك أكبر قدر من الناس بالفرح الحقيقي وليس
المصطنع؛ وقياساً على كلام الجاحظ الذي أشار في إحدى
نوادره الهزلية إلى أن ضحك الفرد وحيداً ليس جميلا
كضحكه مع غيره, يمكن أن نقول إن الفرح يزداد كلما زاد
عدد الأشخاص المشتملين ببردته, ومن هنا كان حرص النبي
عليه الصلاة والسلام على خروج النساء إلى مصلى العيد
لإخراجهن من القواقع التي وضعتهن فيها تقاليد
الجاهلية, خاصة ذوات الخدور والعواتق وهن اللواتي لم
يكنّ ليخرجن إلا من بيوت آبائهن إلى بيوت أزواجهن إلى
القبر.
كان من الممكن التعمق أكثر بأسباب فقدان الحالة
الجماعية للفرح, ومنها فقدان الأمن والأمان في بعض
البلاد العربية كالعراق التي لم يشبع الانتحاريون من
التسابق لإراقة الدماء حتى في يوم العيد, إضافة إلى
غياب العدالة الاجتماعية بين الناس وارتفاع معدلات
الفقر في البلاد العربية بما فيها المملكة, ناهيك عن
الإشارة إلى أن التدين المعتدل هو الدرع الوحيد ضد
الصفات الخلقية المذمومة من قطع الرحم والإساءة إلى
الجار, مع إدانة التدين المغالى فيه والذي ينظر للفرح
على أنه كبيرة بسبب الفهم الخاطئ لمعنى العبارة
القرآنية:(إن الله لا يحب الفرحين) والتي جاءت في سياق
وصف الغنى الفاحش لقارون وغروره بأمواله وتباهيه على
غيره, وكذلك بسبب الاتكاء على بعض أحاديث تحرّم الضحك
لأنه يميت القلب متجاهلة أحاديث أخرى عن مزاح الرسول
عليه الصلاة والسلام مع أصحابه من الرجال والنساء,
وحضّه على إسعاد الفقراء بالعيد (أغنوهم في هذا اليوم)
بحيث يشعر الفقير أنه جزء من البيئة السعيدة بالعيد لا
غريباً عنها؛ وهذه المحاور الدينية كانت تقتضي استضافة
شيخ لإروائها والتشبع منها, ولكن – للأسف- فإن بعض
الشيوخ يظهرون في برامج حوارية مع مذيعات الإخبارية ثم
يحرّمون الاختلاط!
أرجو أن تتقبل الإخبارية هذا النقد وهو نقد المحب الذي
يريد أن يرى إعلاماً محلياً متطوراً وكل عام وأنتم
بخير.
الوطن السعودية 15/10/2007 |