|
انشغل كثيرون بالرسالة التي وجهها الشيخ سلمان العودة عبر برنامجه "حجر الزاوية"
إلى أسامة بن لادن؛ وإذا كان الشيخ العودة قد تأخر في تنديده بأحداث 11 سبتمبر فإن
صحيفة الوطن لم تتأخر في استقصاء الآراء حول موقفه, ومن أجمل وأشجع ما قرأت في
تحقيقها الذي أوردته بهذا الخصوص رأيها الذي اشتركت فيه مع الأستاذ عبد العزيز
القاسم من أن الرسالة كانت معدة سلفاً وليست ارتجالية؛ وعلى كل حال فإن من ميزات
الشيخ العودة تشذيبه لآرائه وتجديده لأفكاره دون أن يفسر سبب التغير, ولذلك تعلو
الأصوات المفسرة من كل صوب وحدب, ومن التفسيرات المقبولة كسبب لتطور موقف العودة
تجاه ابن لادن هو رفض سويسرا منحه تأشيرة لدخولها منذ عدة شهور, كذلك تأثره بمنهج
الشيخ يوسف القرضاوي – متعه الله بالعافية – والذي أدان الجريمة في وقتها, فلا ننس
أن العودة هو نائب القرضاوي في مؤتمر نصرة الرسول عليه الصلاة والسلام, وهل يمكن أن
يكون الداعية مناصراً لرسول الله دون أن يبرأ مثله من كل ما يخلّ بالإسلام كدين
سلام؟
هذه المقدمة لا بد منها قبل الثناء على ما يقدمه الشيخ
العودة في برنامجه, فهو – والحق يقال – يجتهد في
التيسير على العباد ويحاول ترسيخ المفاهيم الإيجابية
لدى المشاهد بطريقة تجمع بين الأصالة والمعاصرة,
والأهم من ذلك دعوته لإرساء ثقافة الحقوق؛ وبحسب ما
أتاح لي وقتي من متابعة للبرنامج فقد أعجبني تفسيره
للآيات التي تروي قصة النبيين موسى وشعيب عليهما
السلام, وكيف تم إجراء عقد شفهي بينهما يمكن اعتباره
شريعة لأي عقد بين العامل وصاحب العمل, كتحديد مدة
العمل والأجر؛ وقد نبه الشيخ العودة إلى قول النبي
شعيب (ستجدني إن شاء الله من الصالحين) وأن المقصود
بهذه العبارة ليس الصالحين دينياً - لأن هذا لا يهم
العامل - بل الصالحين بأداء الناس حقوقهم.
ما يمكنني أن أعلق به على رأي الشيخ العودة أن الصلاح
الديني إذا لم يؤت أكله من الصلاح مع البشر فلا قيمة
له في ميزان الله, وثمرة الصيام هي التقوى, والرسول
عليه الصلاة والسلام أخبر عن امرأة تقوم الليل وتصوم
النهار وتؤذي جيرانها أنها في النار؛ وها نحن نرى كل
يوم عمال البناء والعمال في الشوارع لا يكلون ولا
يتوقفون عن أعمالهم حتى في رمضان الذي يطالب بعض
الكتاب بتقليل فترة العمل لمدة 4 ساعات يومياً إن لم
يطالب بإلغائه كلياً, فإذا كان هذا المطلب ممكن
التحقيق بالنسبة للموظف الجالس في مكتب مكيف ويقوم
بأداء بعض الأعمال الروتينية الكتابية, فمن لهؤلاء
العمال الذي يعملون أعمالا تحتاج جهداً عضلياً وفي جو
من الحرارة يتجاوز الأربعين درجة مئوية؟ هي درجة إنهاك
للإنسان العامل لأنها تفوق حرارة الجسم البشري, ولذلك
أجاز بعض الفقهاء للمضطر لعمل شاق أن يفطر مع أداء
الفدية على أساس أنه يدخل ضمن قول الله تعالى:(وعلى
الذين يطيقونه فدية طعام مسكين), والسؤال: من أين يأتي
هؤلاء العمال بطعام مسكين وهم مساكين أصلا بسبب
رواتبهم الضئيلة التي لا تتجاوز 300 ريال شهرياً؟ إذا
كان طعام المسكين يجب أن يكون من أوسط ما يطعمه
الإنسان لأهل بيته, فلن يكون أقل من 10 ريالات فمعنى
ذلك أن المرتب كله سيذهب أداء للفدية فمن أين يعيش هذا
العامل؟
كتبت في مقالات عدة عن سوء التخطيط في بلادنا العربية,
وبما أن المملكة – حماها الله – بلد تقوم على الشريعة
الإسلامية فلا مانع أن تقل ساعات العمل تماشياً مع
حاجة الصائم للراحة, لكن من سوء التخطيط أن تبدأ
المشاريع دون وضع خطة لإنهائها, وها هي مشكلة الصرف
الصحي في جدة ما زالت قائمة, والعمال يحفرون الشوارع
يوماً ويردمونها يوما آخر, ولا يتوقف العمل مع رمضان
ولا نتيجة منه بعد انتهائه, ناهيك عن الأعمال المجهدة
التي تبدأ في شهر الصيام, من شق الطرق وتشييد مواقف
للسيارات وغير ذلك, فلماذا لا تكون هناك خطة لبدء
الأعمال المجهدة بعد رمضان على أن تنتهي قبل قدومه؟ هل
بالإمكان منح العمال هذا الشهر إجازة كل عام كي
يتمكنوا من أداء الفريضة؟ لا أشجع الناس على الكسل ولا
على الفطر لكن ليجرب أحدنا أن يمشي وقت الظهيرة تحت
أشعة شمس جدة وفي جوها الخانق مدة ساعة ويرى ما هي
النتيجة؟.
من المشايخ الذين يستحقون الثناء عليهم أيضاً الشيخ
عبد العزيز المقحم, ففي التحقيق الذي أجرته الوطن يوم
الجمعة الماضي حول عويل بعض الأئمة في القنوت, ذكر
الشيخ عبارة رائعة اختارتها الوطن عنواناً للموضوع
وهو: (لو أنهم دخلوا على رئيس مركز شرطة أو بلدية
لخفضوا أصواتهم), فقد ندّد الشيخ بهؤلاء الأئمة الذين
يبتدعون بدعاء القنوت ما هو مخالف لسنة النبي عليه
الصلاة والسلام, وأنقل هنا كلامه إذ يقول:
خلصونا وطهروا مساجدنا من
هذه المنكرات والحرج قال الله تعالى لإبراهيم وإسماعيل
عليهما السلام: (طهرا بيتي) وتطهيره بإزالة كل ما حرمه
الله وكرهه وإقامة ما شرعه وأحبه وبقية المساجد له تبع
والله الرحمن المستعان، فضلاً عن تطويلهم الشديد في
القنوت. فيأتون فيه بدعاء القنوت ودعاء الكرب ودعاء
المبتلى ودعاء الغائب ودعاء الزواج ودعاء السفر ودعاء
زيارة المقابر ودعاء الاضطجاع ولم يبق إلا أن يأخذ
أحدهم كتاب الأذكار فيقرأه كله في ليلة؛ كما ذكر الشيخ
بعد الناس عن الخشوع في الصلاة بسبب السماعات التي ضجت
منها الأرض والسماء والصراخ والعويل, إضافة إلى أنه
حذر من مرحلة قادمة سيهرع إليها قراء المزامير - كما
في الحديث - وهي التباكي فإنهم ينتظرون من يبدأ فتطير
به التسجيلات ويمتلئ مسجده من النساء والصبيان وقد
يغريه بذلك من يظن به الخير إذا فعله, وأكثر منافقي
أمتي قراؤها.
قدّر الله لي أداء العمرة في اليوم الثامن عشر من
رمضان, وأنهيتها قبل صلاة العشاء, ثم بدأ الصلاة إمام
كبير في السن أكمل عشر ركعات من التراويح باعتدال, ثم
قام إمام آخر يبدو من صوته أنه صغير السن, فكان يقرأ
الآية فيصل إلى وسطها ويقف, ومع أن الوقف في وسط الآية
جائز في مواضع معينة لكنه يقف في أماكن مختلفة ويعيد
القراءة من ربع الآية فكأنه يقرأ الصفحة مرة ونصف على
الأقل, ولذلك استغرقت عشر ركعات معه من الوقت ضعف ما
استغرقته مع الإمام الأكبر منه سناً, ولما وصل إلى
دعاء القنوت, استغرق القنوت وقتا أطول من الصلاة, حتى
بدأت أحدث نفسي بالجلوس دون أن أفعل لأني كنت أؤمل
انتهاءه عاجلا أو آجلا؛ فبعد دوام يوم كامل وأداء
للطواف والسعي في زحام رمضان, يجب أن يراعي الإمام
حالة المأمومين؛ ولهذا فقد أعجبني تعليق أحد القراء
على تحقيق الوطن إذ كتب: أبعدوا الشباب صغار السن عن
إمامة المساجد وأعيدوا لنا كبار السن فهم الخير
والبركة ويجب أن لا يقل سن الإمام عن 35 سنة.
المرأة التي كانت تصلي إلى جانبي كان كل همها أن يكون
الإمام هو ......... وكأنها قدمت من بلدها البعيد ليس
للعمرة ولكن لتصلي وراءه, وهذا فيه من الفتنة كما حذر
الشيخ المقحم تماماً؛ ونحن نذكر أن عمر بن الخطاب قد
أقال خالد بن الوليد كي لا يفتتن به المسلمون؛ أما
الفتنة بسبب المكبرات التي تنقل أصوات الإمام خارج
المسجد فكثير من الناس لديهم أعمال في الصباح الباكر
وتمنعهم أصوات المكبرات من النوم, فأين التقوى في
إزعاج الناس؟ ولماذا لا تمنع المكبرات الصوتية إلا في
الأذان والإقامة, كي لا تختلط أصوات القراء في المساجد
وهو ما نهى عنه الرسول عليه الصلاة والسلام؟
الإمام في المسجد يجب أن يكون إماماً للناس في خشوعه
وتقواه, وإذا كان أصحاب الأعمال المغموسون في حب
الدنيا والمال لا يراعون الله في العمال الضعفاء, فهل
يراعي الله هؤلاء الأئمة في الناس داخل المسجد وخارجه
ليبقى رمضان شهر الصوم والتقوى؟
الوطن السعودية 8/10/2007 |