الصفحة الرئيسية
  
في النهوض والتغيير (إبحار ضد التيار)  سوء التخطيط... كثرة العدد وضيق ذات اليد
 
 
 

رغم التزامي بما تعلّمته في أدبيات الطب حول عدم التدخل في حياة المريض أو خياراته الشخصية ما لم يكن لذلك علاقة بشكواه التي جعلته يقصد العيادة, فإني - بصراحة - لا أفعل ذلك عندما ألمس من بعضهم حرصاً على إنجاب المزيد من الأطفال, وقد بيّنت في مقالة سابقة أن حديث:(تناكحوا تناسلوا فإني مفاخر بكم الأمم) لا يجب أن يفهم منه الحضّ على زيادة الكمّ دون الاعتناء بالكيف, ولا أدري لماذا يتذكر بعضنا هذا الحديث في نفس الوقت الذي ينسون ذمّ الله سبحانه لمن افتخروا بعددهم حتى قاموا بعدّ قبور المتوفين منهم فأنزل تعالى:(ألهاكم التكاثر حتى زرتم المقابر).

 عندما يدخل إلى عيادتي رجل مع زوجته ويكون همّه الأوحد أن تكون زوجته حاملا رغم أن لديهما على الأقل نصف دزّينة من الأطفال, فإني غالباً ما أقوم بتنبيهه إلى خطر تكرار الحمل على صحة المرأة, فأخبره أن كل طفل يستهلك ربع صحة الأم تقريباً خلال حمله وإرضاعه, وأن الله سبحانه قرر الرضاعة عامين كاملين كي تستعيد المرأة صحتها خلالهما وكي يحظى الطفل بالرعاية اللازمة, ثم أحذّره من أن وجود أطفال رائعين في الأسرة لا يعني أنهم سيبقون رائعين طوال حياتهم, بل عليه أن يتوقع رؤية نجوم الظهر في عز النهار عندما يصبح الأولاد والبنات بسن المراهقة, كما أن عليه أن يتهيأ لزيادة المصاريف وغلاء المعيشة وارتفاع أسعار الطعام والسكن وتكاليف المدارس, إلى آخر ذلك, وأذكّره بالمثل القائل أن الأولاد يحتاجون أماً قوية البنية وأبا كثير الفلوس.

لكن - للأسف - من يستمعون إلى نصيحتي قلة, ولا أزال أذكر ذلك البدوي الذي دخل عيادتي طالباً مني أن أساعد زوجته كي تحمل وتنجب له طفلاً يلعب به, هكذا قال لي؛ فمع أن لديه دزينة من الذرية فقد سئم منهم لأنهم كبروا وأصبحوا ثقيلي الدم, لكن أخا العرب هذا جاءني منذ ربع قرن تقريباً عندما كانت الأحوال بخير, أما الآن فغالبية الأمة العربية من محيطها إلى خليجها تشكو العوز؛ وعلى موقع العربية نت نُشر مقال لكاتب كويتي يقص معاناة الكويتيين بسبب تزامن شهر رمضان الكريم مع موعد افتتاح أبواب المدارس, وما يرافق المناسبتين من مصروفات عدّة ترهق كاهل ربّ الأسرة, فإذا بتعليقات من السعودية تطالب باستبدال عبارة "مجلس الأمة" في المقال المذكور إلى "مجلس الشورى" لينطبق المقال على السعوديين, وإذا بتعليقات من إخوة عرب يبدون استغرابهم الشديد من أن تكون أزمة الفقر ضربت شواطئ الخليجيين.

لا أعتقد أن كاتباً ذا ضمير حر يستطيع أن يصمّ أذنيه عن نداءات الإنسان المطالبة بالكتابة عن معاناة فردية, لكن عندما تصبح المعاناة جماعية بحيث تخترق الأصوات جدران الصمت فإن الساكت عن الحق شيطان أخرس؛ وإذا كنت أطالب من يراجعني بإعادة حساباته في ما يخص إنجاب المزيد من الأطفال حيث أن تأمين حاجات الطفل الغذائية أصبحت مرهقة لبعض الأسر, فإن مما يجب الإلحاح عليه هو التخطيط لتأمين مستقبل هؤلاء الأطفال عن طريق التعليم, خاصة ونحن نرى التعليم الحكومي ما زال قاصراً عن استيعاب الأعداد المتزايدة من التلاميذ والطلاب ناهيك عن عدم قدرته على تصدير خريجين يلبّون احتياجات سوق العمل, مما روّج للمدارس والجامعات الأهلية ذات الكلفة العالية, لعلّ خريجها يضمن له وظيفة في المستقبل تكفيه شر العوز.

مع هذا الغلاء في السكن والغذاء والنفقات الضرورية الأخرى أصبح من واجب كل أسرة أن تتعلّم كيف تضع ميزانيتها وتضبط مصروفاتها كي تتمكّن من تأمين العيش الكريم لأفرادها في نفس الوقت الذي يكون فيه بند التوفير حاضراً, وللأسف فإن هذا البند الأخير أصبح غائباُ لدى كثيرين, إما بسبب سوء في التخطيط انطلاقاً من مبدأ (اصرف ما في الجيب يأتيك ما في الغيب) مع أنه في آخر الشهر لا يأتي سوى المرتّب المحدود, أو بسبب قلة الموارد أو كثرة عدد أفراد الأسرة أو نكبة الأسهم التي أتت على اليابس والأخضر من مدخرات الكثيرين أو بسبب قروض بنكية غير متناسبة مع الدخل, مما أدى إلى زيادة عدد الدائنين والغارمين من المواطنين والمقيمين.

يجب أن نشير إلى مكمن الخلل عند بعض الناس ألا وهي التبختر وحب المظاهر الفارغة, فتجد من لا يزيد دخله عن أربعة آلاف ريال شهرياً يريد أن يبزّ فلاناً من أصدقائه برفاهية منزله وماركة سيارته, وعندها تكون البنوك حاضرة بطريقتها الخاصة لسد هذه الخلل النفسي, ولماذا تلام البنوك التي همّها الوحيد زيادة الأرباح إذا لجأت إلى وضع الطعم في الصنارة ليلتهمها محبّ المظاهر؟ ولماذا لا يعمد كل منا فيمدّ رجليه على قدر بساطه كما يقول المثل؟

إذا ابتعدنا قليلا عن التخطيط الأسري المفقود غالباً, فلا نستطيع التغاضي عن سوء التخطيط على مستوى بعض الجهات الحكومية, وقد وصلتني بكثافة هذا الأسبوع رسائل من المعلمين الذين يشتكون تعيينهم بأجور يرونها أقل مما يستحقون, وزميلنا صالح الشيحي أشار إلى أن الرواتب ليست مسؤولية وزارة التربية والتعليم, لكنه لم يكتب إلى أي وزارة يلجأ هؤلاء فقاموا بإرسال رسائلهم إلينا نحن الكتاب الذين ينطبق على أكثرنا قول الله تعالى:(يحسبهم الجاهل أغنياء من التعفف).

استمرار فتح أبواب الاستقدام أمام بعض المهن التي يمكن أن يسدها السعوديون مثال على سوء التخطيط, ولقد قرأنا تصريحاً لمسؤول في وزارة الصحة أن حاجة المراكز الصحية لأطباء الأسرة اقتضت إرسال أربعة آلاف تأشيرة إلى بلد عربي معين, لكن (لا يستوي الذين يعلمون والذين لا يعلمون) وأنا أعلم أن طبيب الأسرة - مع احترامي لأصحاب هذا الاختصاص - لا يدرس زيادة عما يدرسه الطبيب الخريج, وإنما يقوم بتوسيع معلوماته عن طريق المراجع الطبية وذلك أثناء تدريبه في المراكز الصحية من مستشفيات ومستوصفات, فما المانع أن يتمّ تعيين خريجي الطب العام الذين ليس لديهم رغبة بإكمال اختصاصهم وذلك نتيجة التزامهم بعائلاتهم الكبيرة أو أسرهم الصغيرة؟ هم يقومون بالعمل لمدة عام كامل في المستشفيات أثناء سنة الامتياز, ويمكن إحصاء أكثر من أربعة آلاف طبيب من الخريجين الجدد بدل استقدام أناس من الخارج, حيث أن الاستقدام يجب أن يبقى مقتصراً على أصحاب المؤهلات العالية والنادرة وإلا فهل نحن مستعدون لبطالة الأطباء لا سمح الله؟

قرأنا عن المسؤول الذي طالب بشد الأحزمة على البطون والتقليل من التهام الرز كسياسة بديلة للاستيراد الكثيف, وهذا شيء طيب رغم أنه ريجيم إجباري, وقرأنا عمن يقول بضرورة فك ربط الريال بالدولار - مع دعائنا لأهالي الطلاب الذين يدرسون في أوربا على نفقتهم الخاصة - لكن إذا كان هذا مبرراً لارتفاع أسعار المواد المستوردة من أوربا, فما هو المبرر لزيادة أسعار المواد المنتجة محلياً؟ بل ما هو معنى أن ترتفع أسعار التمور في بلد لا يضاهيها بلد آخر في كمية تمورها وجودة أسعارها؟ هل التمر أصبح يستورد باليورو أيضا؟!

أكثر ما يحزنني في الحقيقة هو أن الوضع المادي السيئ يجعل الناس يحجمون عن فعل الخير, وأخشى ما أخشاه أن نبدأ نحن الكتاب الذين كان همّنا الإرهاب فقمنا بحملات فكرية للتأكيد على ضرورة الأمن, بالتحول إلى مواضيع كالأمن الغذائي والحلول البديلة في الغذاء والكساء, فننصح أسرة تتألف من أربعة أفراد فقط ذات دخل شهري كدخل أي معلم معين حديثاً أي أربعة آلاف ريال, وتقطن في سكن مستأجر, أن تتعلم الأم الخياطة لتقوم بتصغير ثوب الوالد حتى يصبح مناسباً للولد, وتعود لخطة جدتي بإعادة تدوير بقايا الصابون, وتستعيض الأسرة عن الفواكه والخضار بأرخص أنواع الفيتامينات, وأما اللحم فبديله الجبن ثم لتعمل بوصية أحد البخلاء في كتاب الجاحظ بالإشارة إلى الجبن من بعيد بقطعة الخبز مع تخيّل الطعم في الفم!

الوطن السعودية 3/9/2007

 

 

حقوق الطبع محفوظة لموقع د. ليلى الأحدب © 2005 تصميم وتطوير موقع الثريا |