|
وصلتني رسالة من شاب عربي مغترب في أمريكا الشمالية وجدتها لصدقها تستحق النشر إذ
يقول: يعلم الله كم أحب المملكة العربية السعودية, ولا تسعفني الكلمات في أن أختار
منها ما يعبر عما يعتلج في نفسي من مشاعر حيال الديار المقدسة, وكم أتلهف للوجبة
اليومية من تصفح الانترنت حيث لا أعتبر نفسي قد تصفحتها ما لم أقرأ وأتابع ببالغ
الاهتمام أحوال المملكة العربية السعودية. قد يَصلح أن أعبّر عن علاقة الوجدان التي
تربطني بالمملكة كعلاقة الطفل بأمه, يباهي بها الدنيا ويراها المثل ويصلي لله
طالباً أن تبقى في أجمل حلة وأحلى صورة, ولا أدّعي أني أحبها حبي لدياري الأصلية بل
أجزم أن حبّها في قلبي وحبّ موطني يكمّل بعضهما الآخر رغم أن إقامتي في المملكة لم
تكن أكثر من سنة.
يتابع الشاب في رسالته: سقت هذه المقدمة تأكيداً على
أن ما في قلبي, وأن ما سيرد من ملاحظة وجدتها في بلاد
الغرب, ليس من قبيل النقد أو الانتقاص من المملكة
والأهل والعشيرة, وإنما صرخة ألم على شباب في عمر
الزهور ونضارة الورد, حملوا من طيب الصفات وعمق
التربية الدينية ما يجعلني أعتصر ألما على بعض
التصرفات التي تصدر من بعض الشباب السعودي في الغربة,
فمما لفت نظري شرب الشباب للكحول بطريقة ملفتة للنظر
إن لم يكن من حيث كمية المشروب فهو من حيث عدد الذين
يشربون, حتى وإن لم يصلوا لمرحلة السكر, أقول أن هذا
ملفت للنظر لأن في كل مجتمع هناك من اعتاد على الشرب,
لكن أن يكون أغلب الشباب المغترب الذي التقيت بهم من
الإخوة السعوديين يشربون الكحول وأن تكون متوفّرة في
منازلهم وعدد العبوات الفارغة منها ملفت للنظر, فإن
هذا مما يجعل القلب يعتصر ألما وكمدا, حيث أن هؤلاء
الشباب لا يقدمون على الشراب رغبة فيه بقدر ما هو -
غالبا – تقليد للمجتمع الذي يعيشون فيه, وأستحضر
الخطر على نفسي عندما أرى هذا, كيف وهم الأهل
والعشيرة؟ كيف وهم من الأرض المباركة التي يمنع فيها
بيع الخمر وتعاطيه بسبب الحرمة الدينية؟ فبالتالي يصعب
الادعاء في هذه الحالة أن السبب يكمن في تعود الشباب
على شرب الكحول في السعودية, وإنما هي عادة مكتسبة من
الاغتراب, علماً بأن نسبة الشباب السعودي الذي يتعاطى
الكحول هي الأعلى بين الشباب العربي, لذا أتمنى من
الإخوة المسؤولين تربويا وعلميا أن يتدارسوا الأسباب
الكامنة وراء هذا الموضوع.
هذه صرخة صادقة من شاب أحب هذا البلد الكريم بعد أن
عمل فيه لسنة واحدة فقط, فكيف هو حال الأهل الذين
بذلوا الغالي والرخيص ليصل أولادهم إلى بلاد متقدمة
لينهلوا العلم من منابعه الأصلية؟ ألا تستحق هذه
الصرخة وقفة صادقة مع النفس الأسرية والذات الاجتماعية
للإشارة إلى موطن الخلل في تهيئة الشباب المسافر
للدراسة في الغرب؟ ما هي العوامل وراء تحوّل الاندماج
المحمود إلى ذوبان مذموم؟
كنت قد كتبت في مقالة سابقة عن ابن صديقتي الذي سافر
للدراسة في جامعة بماليزيا معترف بها من وزارة التعليم
العالي السعودية, وذكرت شيئاً عن خجله من تصرفات بعض
زملائه السعوديين الذين لم يتلقوا تربية جادة في
الأسرة تعوّض ما لم تزودهم به مناهج التعليم وأساليب
التربية المدرسية حول كيفية التعامل مع الثقافات
المختلفة بما فيها تعاملهم مع المرأة, وآخر ما وصل إلى
علمي أن معركة نشبت بين بعض الطلاب السعوديين وطلاب من
جنسية عربية أفريقية أدت إلى مقتل طالب ذبحاً وبقر
بطنه وخروج أحشائه, وقد وجدت الصحافة الماليزية في ذلك
الحدث فرصة للتشهير بتلك الجامعة فأوردت بالبند
العريض:(جامعة ..... تخرّج سفاحين) وصبّت جام غضبها
على الجامعة وعلى الطلاب السعوديين الذين اشتروها
بفلوسهم على حد تعبير الصحيفة, وكانت النتيجة أن سحبت
بعض الدول الخليجية اعترافها بتلك الجامعة, كما نشب
خلاف بين المسؤولين عن الجامعة والمسؤولين السعوديين
في القنصلية الذين هددوا بأن تقتفي السعودية أثر الدول
الخليجية في سحب الاعتراف بالجامعة, والنتيجة النهائية
هي أن بعض الطلاب يخطئون وأما من يدفع الثمن فهم أولئك
الطلاب الأبرياء الذين فرح أهاليهم بسفرهم محمّلين
بالأمل أن يعودوا حاصلين على شهادة عليا.
حقاً نحن بحاجة إلى دراسة الأسباب التي تجعل بعض
الطلاب السعوديين يسيئون إلى الشعب السعودي كله
بتصرفاتهم, ناهيك أنهم لدى وجودهم في دولة غير مسلمة
يشوهّون صورة الإسلام, وهذا الانقسام الصارخ – إذا لم
يكن الازدواجية الواضحة - أكثر ما يظهر عندما تغيب
رقابة الأهل والمجتمع, والحل الحقيقي يكمن في إعادة
النظر بكل ما له علاقة بالتربية والتعليم حتى يمكن
تسليح الشاب السعودي الذي يسافر لإتمام دراسته بصفات
تجعله أكثر تحضراً وإنسانية وشعوراً بالمسؤولية.
قد تكون بعض الدول الغربية سباقة في أخذ الاحتياطات
الأمنية خشية دخول بعض حملة الأفكار الإرهابية إلى
بلادها, ولكن بعض الدول الأخرى تحرص على أن يتحلى
الطالب بوعي كاف يؤهله لفهم ثقافة البلد الذي يريد أن
يدرس به, وأضرب المثل هنا بفرنسا وهي من الدول القليلة
التي أخذت الحداثة على عاتقها دون أن تتنازل عن كثير
من أصالتها وثقافتها وخصوصيتها الحضارية, وأنا إذ أوجه
شكراً خاصاً للزميلة البارعة "نيروز بكر" على إجرائها
حواراً مع القنصل الفرنسي في جدة نشرته "الوطن" في
يوليو الماضي, فأودّ أن أنوّه بأن من ضمن الشروط
المطلوبة لمنح أي شخص فيزا للدراسة هو اجتياز مقابلة
مع المسؤول عن قسم التأشيرات, وهو رجل صارم جاد يتحلّى
بالمزاج الفرنسي الحاد, وكنت لدى مراجعتي للحصول على
فيزا أرى تعامله مع بعض الشباب السعودي قاسياً لكنهم
في الواقع يستحقون ذلك, فأنا لم يسبق لي أن رأيت
مسؤولا قنصليا ينزل بنفسه ليقف على باب القنصلية
ويساعد الحرس في ضبط الأمن وتوفير الوقت على المراجعين
بتفحّص أوراقهم وما ينقصها, علماً بأن العمل في
القنصلية الفرنسية يستمر من الثامنة صباحاً حتى
الخامسة عصراً, وذات مرة وجدت بعض المراجعين قد
تمكّنوا من الجلوس على كراسي داخل الغرفة, ورغم ضيق
مساحتها على الجالسين والواقفين فإن شاباً سعودياً مدّ
رجليه على الآخر وأرخى رأسه للوراء كأنه نائم بينما
وضع نظارات سوداء على عينيه حيث لا داعي للنظارات
الشمسية لأنه لا يوجد شمس في الغرفة, وما علم أن هذا
يعتبر قلة أدب في العرف المتحضر, أما شعره فهو "سبايكي"
وأما ملابسه فكانت "كاجوال" آخر موديل, ولقد كان مثالا
حياً على أن بعضنا يقلّدون الآخر بالمظهر الشكلي دون
الجوهر الحضاري, وما إن انشغلت بمتابعة معاملتي حتى
سمعت مشاجرة كلامية فالتفت فإذا بأخينا النائم قد أفاق
من سباته وبدأ يرمي بالشتائم رجلا آسيويا ويقلّل من
قيمته ويعيّره بأصله, فتساءلت عن مغزى ذهاب مثل هذا
الشخص لبلد الحضارة والحرية والإخاء والمساواة.
إذا لم تقم الأسرة والمدرسة بتحسين مستوى الوعي لدى
الشباب والعمل على رفع نموّهم العقلي وتطوّرهم الفعلي
الذي يعزز من مكانة الدين ودلالاته الإنسانية في
التعامل مع الآخر, فسيبقى شبابنا في الخارج سفراء
سيئين لنا, وما لم نبدأ باعتماد الحوار كسياسة لبناء
النشء مع السماح لهم بمناقشتنا بكل الأوامر بما فيها
الأوامر الشرعية فإنهم لن يستطيعوا التمسك بها
وتبنيّها كقناعات يستطيعون الدفاع عنها عندما
يغادروننا, هذا إذا لم ينقلبوا عليها حين يجدون في
سفرهم فرصة هائلة لممارسة الأفعال المحرمة, لأننا لم
نشرح لهم سبب تحريمها, بل منحناهم فقط شعوراً بأن لهم
خصوصية يستطيعون اختراقها متى ما غفلت أعيننا عنهم.
الوطن
السعودية 20/8/2007 |