الصفحة الرئيسية
  
في النهوض والتغيير (إبحار ضد التيار)  في الصيف.. إلى متى ضياع الوقت والصحة؟
 
 
 

كَوني الطبيبة الوحيدة بين زملاء رجال لا يمنع أن تكون لي مناوبات ليلية مماثلة لهم, ولا تستدعي المناوبات لزوم الطبيب لمكان العمل بل يمكن أن يبقى في بيته القريب, وتتم مناداته وقت الحاجة من قِبل الممرض الموجود, وهكذا فإن الليل قد يمضي بطوله دون أي إزعاج للطبيب؛ لكن اللافت في الأمر أن المناوبات الصيفية لها طعم آخر إذ تكاد نوعية الاستدعاء تكون متشابهة في كل مرة, وقد تكوّن لدي حدس بأنه ما إن يرن هاتفي في ليلة صيفية إلا ويكون السبب جرحاً قاطعاً في قدم طفل بسبب زجاج مكسور نتيجة لعبه حافياً بالشارع, وهذا بالضرورة يعني حضوري لإجراء خياطة عاجلة في مكان الجرح.

ما إن أديت صلاة الفجر يوم الجمعة الماضي حتى رنّ الهاتف حاملا صوت الممرض يخبرني بوجود طفل مع جرح قاطع في القدم, فأجبته بطلبي أن يرسل السيارة حالا, وبالطبع فإن الشوارع الرئيسية في ذلك الوقت تكاد تكون فارغة من السيارات أما الشوارع الفرعية فتكاد لا تخلو من المراهقين المتسكعين, وككلّ مرة أسائل نفسي: أين آباء وأمهات هؤلاء الفتيان الذين يسهرون الليل خارج المنازل ولا يأوون إلى أسرّتهم إلا بعد أن تعلو شمس الضحى؟

وصلت إلى مكان العمل فإذا بعدّة فتيان لهم نفس أعمار الأولاد الذين يسرحون ويمرحون في الشوارع؛ قال أحدهم: جاءت الدكتورة. لم أُلقِ إليه بالا ولم أُلقِ إليهم بالتحية لأني أريد أن أعبر لهم عن غضبي الممزوج بالأسى, وسبب هذا الشعور ليس استدعائي من بيتي, لأن هذا واجبي, بل عدم شعورهم – وعدم شعور أهاليهم بالتأكيد - بالمسؤولية تجاه الوقت وإهمالهم ليس فقط للقواعد الصحية في النوم ليلا بل عدم مبالاتهم بسنة الحي القيوم الذي جعل الليل لباساً والنوم سباتاً, وهو الحكيم الخبير الذي خلق الجسد البشري متأقلماً مع هذه السنة الكونية, فهرمون النمو لا يعمل إلا ليلا حين يكون المرء نائماً, ونحن بسهولة نستطيع أن نرى هذا الجيل يكاد يكون أقرب إلى القزامة, فكل المراهقين الذين رأيتهم يقتربون من الثامنة عشرة, وهو سن توقف العظام عن نموها الطولي, ومع ذلك فأطوالهم لا تزيد عن 165سم, بينما تختلف أجسامهم من البدانة المفرطة إلى النحافة الزائدة, وغالباً ما يكون الخلل الهرموني الناجم عن اضطرابات النوم سبباً للسمنة أو للهزال.

تُرى ما سبب انقلاب سنة النوم في صيف المملكة لدى الناس عموماً وهؤلاء الفتية خصوصاً؟ قد يجيب بعضهم إن السبب الذي يدعوه للخروج ليلا هو ارتفاع درجات الحرارة نهاراً فيكون النوم هو المهرب الوحيد منها, ولكن هذا الجواب يذكر بحالة الضبّ الذي لا يخرج إلا ليلا حين يميل الجو للاعتدال, ثم ما فائدة التقدم التكنولوجي إذا كان لا يجهزنا بأساليب دفاعية مقاومة ضد الطقس؟

قبل كتابتي لهذه المقالة قرأت الخبر في صحيفة الوطن عن مركز حي الصفا بجدة والذي قام بتأمين 700 وظيفة لشباب كانت هذه حالتهم, إذ يزعجون سكان الحي ليلا ويضايقون المارين وقد يتعاطون المخدرات, وهذا الخير يدل على أن إشغال الشباب والمراهقين بأمور نافعة هو الحل الوحيد للمشكلة, لكنه يشير إلى أن الحالة الاجتماعية وصلت مرحلة طلب العلاج, وكان من الأفضل القيام بالوقاية, خاصة أنه لا توجد أعمال كافية لكل هذه الأعداد التي تملأ الشوارع, ولا هم مهيئين فعلياً لثقافة العمل, فأين الناضجون القادرون على اكتشاف مواهب الأطفال وتفعيل قدرات المراهقين وتحفيز إمكانيات الشباب بدل كل هذا الضياع في الوقت والصحة؟ ثم لماذا لا تصدر قوانين تمنع تجوّل القاصرين بعد الساعة الثانية عشرة ليلا مع وضع العقوبات المناسبة للمخالفين وأهاليهم؟

بدل أن يكون أولادنا مصدر إزعاج لنا يجب أن توضع الخطط لتفادي هذه الظاهرة في الإجازات المقبلة, فما كل الناس قادرين مادياً على صرف مبالغ مهولة على السياحة الداخلية والخارجية, وبعد وضع الخطط يجب أن تتكاتف كل الجهود لإنجاز الأهداف, ولا مانع من الاستفادة من أي تجربة ناجحة في المملكة أو أي مكان آخر في العالم العربي أو الغربي.

من مصر أذكر بعض التجارب الناجحة, فلدى سفري إلى هناك وجدت أن صديقاتي المصريات - وكلهن نساء عاملات - لا يتركن أولادهن وبناتهن للفراغ, بل ينظمّن أوقات أطفالهن بحيث يكون الولد منشغلا في فترة غياب والدته بما يفيده ويمتعّه حسب عمره, فالولد في المرحلة الابتدائية الأولى ينعم بالمرح من خلال الانتساب إلى مركز خاص يعنى بتنمية المواهب المختلفة من رياضة ورسم وموسيقى مع رحلة أسبوعية لزيارة الأماكن المتنوعة من متاحف ومراكز أثرية وحدائق عامة وحدائق حيوان ومصانع, مع اتفاق مسبق بين هذه الأماكن والمركز على تهيئة هدايا بعدد الأطفال ليحتفظ كل منهم بذكرى محببة عن هذه الزيارة؛ وأما الأطفال الأكبر سناً فكل واحد منهم يقضي ست ساعات بين الثامنة صباحاً والثانية ظهراً مقسمة بين النادي الخاص بتعليم رياضة السباحة أو الكاراتيه أو غيرهما وبين مركز لإنماء هواياته الفنية أو العلمية أو الأدبية وبين المسجد لحفظ القرآن, أما فتيان المرحلة الإعدادية والثانوية فهناك مركز خاص لهم يقوم بتعليم الفتى الحرف المختلفة من خلال ورشات جماعية, مع رحلات أسبوعية تدوم نهاية الأسبوع أو شهرية تدوم ثلاثة أيام في التخييم, وكل ذلك يساعد على إنماء روح الفريق وحب الجماعة.

هذا ما تقوم به الأسر بمواردها الخاصة بعيدا عن المدارس أو بمشاركتها, وبعد العصر يقضي الأولاد أوقات لطيفة مع الوالدين في النوادي العائلية الموجودة في كل حي في القاهرة, أو في النوادي التابعة للنقابات العمالية المنتشرة على طول الكورنيش في الإسكندرية, وكل ذلك بأسعار رمزية تمكن أفراد كل أسرة من تمضية وقت ممتع معاً, وقد لفت نظري أن الفتيات – بما فيهن اللواتي غطين رؤوسهن - يمارسن الألعاب دون حرج, وبدون أن يتجرأ شاب على إزعاج فتاة, فالناس قد تعارفوا على قواعد وأصول تضمن استمرار النشاطات دون مضايقات من أي نوع.

أما التجارب الغربية فالمدارس لها دور كبير في رعاية أوقات الأطفال والمراهقين وتنمية مواهبهم وتحفيز شخصياتهم, ليس فقط في الإجازات الطويلة بل حتى خلال عطلة نهاية الأسبوع, وهنا يجب الإشارة إلى أهمية المعسكرات الشبابية التي تعلّم الشاب والفتاة الاعتماد على النفس, وقد عرضت قناة MBC4 تجربة أمريكية لبرنامج (براد كامب) يتم من خلاله إعادة تأهيل بعض المراهقين المشاكسين إلى الحالة الطبيعية, وفي الحقيقة لا يحتاجه فقط المشاكسين بل إن كثيراً من برامج تدريب الكشاف الصغير – كما عرفتها سابقاً – تقوم على أعمال متماثلة ونتيجتها مشابهة في إعانة المراهق على اكتشاف نفسه وقدراته مما يمنحه تقييماً ذاتياً إيجابياً ويملؤه ثقة بالنفس لا حدود لها.

والتجربة الجميلة الأخرى التي تعرضها MBC4 أيضاً هي العمل الهائل الذي يقوم به فريق المشجعات في ثانوية دنبار بولاية كنتاكي, وقد يوجد من يعترض على الزي الذي تلبسه الفتيات لأنه يظهر الكثير من أجسادهن, ولكن هذا ليس عائقاً إذ ليس ضرورياً استنساخ التجربة بتفاصيلها, فمن حق الفتاة أن تمارس الرياضة وتساهم بتكوين فريق تسوده روح الجماعة, وإشغال الفتاة بممارسة الهوايات النافعة الفردية والجماعية لا يقل أهمية عن إشغال الفتى, هذا إذا كنا ندرك قيمة الوقت وأهمية الصحة, وإذا أردنا تكوين جيل بروح رياضية قوية تعرف معنى التصميم والإنجاز.

الوطن السعودية 13/8/2007

 

 

حقوق الطبع محفوظة لموقع د. ليلى الأحدب © 2005 تصميم وتطوير موقع الثريا |