|
لم
أنقل ولديّ إلى المدرسة العالمية قبل تأكيد المديرة لي أن الأولاد سيدرسون الدين
واللغة العربية, وإذا تحدثنا عن هذه المناهج بادئ ذي بدء, فقد كانت المناهج
المفروضة في الدين مناهج معدّة للطلاب غير العرب, لذلك كانت باللغة الانكليزية,
فكان عليّ أن أعلّم ابني الذي أصبح في السنة الثالثة معنى سبحان الله بالانكليزية,
وهو معنى طويل ولا يقوم بما تقوم به اللغة العربية, فلم هذا العناء؟ في السنة التي
بعدها تم استبدال مناهج الدين باللغة الإنكليزية إلى اللغة العربية, أما مناهج
اللغة العربية فهي مناهج أقوى من تلك التي تدرّس في التعليم العام, إضافة إلى أنها
أجمل إذ تعتمد على النصوص ذات المحتوى الأدبي مع بعض الصور.
مناهج التعليم الدينية ومناهج اللغة العربية المختلفة
عن مناهج التعليم العام إضافة إلى مناهج المواد
الاجتماعية التي كانت تدرَّس باللغة الانكليزية بما
فيها تاريخ وجغرافية العالم إضافة إلى تاريخ وجغرافية
المملكة العربية السعودية, لم تسبب أي مشكلة لولديّ
نحو شعورهما بحب هذا البلد الكريم, فهذا يعود للتربية
في الأسرة على ما أعتقد, على سبيل المثال في بطولة كرة
القدم العالمية الأخيرة كانت بعض مطاعم الوجبات
السريعة توزّع علم المملكة مع الوجبة, وعندما عاد ابني
الصغير إلى البيت حاملا العلم بدأ أخوه يساومه ليأخذه
منه كي يزين به غرفته دون جدوى, فما كان منه إلا أن
اشترى وجبة من نفس المطعم ليعود حاملا علمين وضع
أحدهما على مكتبه وألصق الآخر على باب غرفته, فحبّ
السعودية تشربّاه منذ نعومة أظفارهما, وتظهر إحدى صور
طفولتهما ذلك إذ يقفان أمام صور العائلة المالكة,
وأحدهما يقوم بدور المايسترو بينما الآخر يردد السلام
الملكي الذي تعلماه جيداً في مدرستهما الأهلية واستمرت
مدرستهما العالمية على نفس المنوال؛ وكمثال آخر على
هذا الولاء للمملكة افتخار ابني الكبير عندما كان
بالصف العاشر إذ وجد في كتاب الاجتماعيات الأمريكي
خريطة تشير إلى البلاد المتقدمة اقتصادياً حيث وضعت
المملكة ضمنها, أما ابني الصغير فإنه ما زال يعتبر
المملكة أفضل دول العالم على الإطلاق, وما ذاك إلا
بسبب الحب الذي جعله يغضّ الطرف عن كثير من المشكلات
التي يعيها رغم سنه الصغير, فعين الهوى عن كل شيء
كليلة..
أما مناهج المواد الأخرى كالعلوم والرياضيات فيمكنني
القول أن مناهج العلوم للصفوف الابتدائية تعتبر من
أفضل الكتب تدرجاً بالطالب من السهل إلى الأصعب مع
محتوى علمي شمولي لكل من البيئة والصحة وعلم النبات
والحيوان والفلك وغيرها, وصحيح أن نظرية دارون تدرس في
الصف السابع لكن الدروس التي تليها تتضمن نظرية ماندل
وعلوم الوراثة والكروموزومات التي تبين أن الإنسان
فريد في نوعه ولم يأت من سلالة الأسماك أو القرود أو
غيرها, وبهذا يمكن للطالب أن يتعلم النظرية ونقيضها,
وهذا ما يقوّي لديه ملكة الجدل والحوار وتقبل الرأي
والرأي الآخر؛ ومناهج الرياضيات لا تقل إبداعاً
وتدرجاً عن مناهج العلوم, إلا أن الأمر الذي لم أفهمه
إلى الآن هو قيام غالبية المدارس العالمية بتدريس
الرياضيات صفاً متقدماً, بمعنى أن الطالب في الصف
الخامس يدرس كتاب الصف السادس, وهكذا, ولقد كان هذا
مثار اعتراض من الأهل حيث يدرس التلميذ العربي سنة
زيادة في الرياضيات على الطالب الأمريكي نفسه؛ وكم
سألنا الإدارة دون فائدة, مما دفعني وبعض الأهالي إلى
البحث عن مدرسة عالمية أخرى تدرس الرياضيات بنفس مستوى
الطالب الأمريكي, وبعد شهرين من انتقال ولديّ إلى
مدرسة أخرى, كان مديرها قد وعدني– وغيري من الآباء
والأمهات - أن يحوّل البحر طحيناً -كما يقال – لم أجد
في كفيّ سوى الماء, فأعدتهما إلى مدرستهما القديمة بعد
أن خسرت مالا ووقتاً في تدريسهما ما فاتهما.
هذا يجعلني أشير بإصبع الاتهام إلى الصفة التجارية
الغالبة على تلك المدارس دون أن يوجد مراقب فعلي لها,
واختلاف المناهج هذا بين مدرسة وأخرى وضع أمامي عقبة
أخرى, فبعد أن مرت ثلاث سنوات على ابني الكبير في
المدرسة العالمية, بدأت المشكلات بين صاحبة المدرسة
والمديرة, ويبدو أن الخلاف كان مادياً بحتاً, كما هو
الحال في أغلب المدارس, وأخذ الأهل يشعرون بتصارع
القوى على المستوى الإداري, وانعكس هذا الصراع بنقص
مستوى الجودة في أداء المعلمين والمعلمات, مما دفعني
أخيرا إلى نقل ابني الكبير إلى مدرسة ذات مستوى أعلى
من ناحية القسط المدرسي وأفضل من الناحية الإدارية لكن
ليس الأمر كذلك من ناحية المعلمين, وبهذا الانتقال من
عام لآخر فات على ابني منهج رياضيات كامل وهو الجبر 1,
مما أثر على مستواه الدراسي, والسؤال: من الذي يقرّر
للمدارس العالمية المناهج التي تدرّسها في كل الصفوف؟
ولماذا لا تتدخل إدارة التعليم الأجنبي بحيث تفرض
توحيد المناهج في كل المدارس العالمية سواء كانت تعتمد
المنهج البريطاني أو الأمريكي؟
أما المشكلة الأصعب فهو أن المناهج تزداد تعقيداً مع
تقدم التلميذ في المرحلة الإعدادية حتى تصبح أشبه
بالمراجع الضخمة في المرحلة الثانوية, ومن ثم فإن مهمة
الأساتذة والمعلمات تصبح شبه مستحيلة في إنهاء الكتاب
الواحد بشكل يستوعبه غالبية الطلاب, وهو الأمر الذي
يجعلني أشعر بالأسى لمصير أولئك الذين سيسجّلون
أولادهم مستقبلا بهذه المدارس العالمية أو المدارس
المشابهة وفق قرار وزارة التربية والتعليم, إذ لن يضطر
الوالدان لدفع أقساط المدارس التي تكوي الجيوب فحسب,
بل سيكون عليهما الاستعانة بأساتذة خصوصيين, فكم عدد
الأسر التي تستطيع تأمين كل هذه المتطلبات المادية؟
ومن أين ستؤمّن هذه المدارس الأساتذة – أو المعلمات -
القادرين على فهم المناهج الأجنبية؟!
بما أن المدارس العالمية أنشئت أساساً للراغبين في
إكمال تعليمهم الجامعي في الدول الغربية وكذلك في
الدول العربية التي تحسم من المعدل النهائي بالنسبة
للمتخرجين من التعليم العام نسبة 10% بسبب كثرة المواد
الدينية, في الوقت الذي تمنع وزارة التربية والتعليم
فيه السفارات العربية – عكس غير العربية - من أن يكون
لها مدارسها التي تدرس المنهاج في البلد الأصلي الذي
قدم منه الطالب, فالحل هو بإزالة هذا المنع خاصة وأن
أبناء المقيمين يُمنعون من الالتحاق بالجامعات
الحكومية, ولا أدري مدى صحة ما أرسله أحد القراء لي
وكتبه آخر كتعليق على إحدى مقالات الرأي من أن الوزارة
لا تصدّق على شهادة الطالب المقيم الذي يتخرج من
المدارس العالمية إلا إذا وُضعت له تأشيرة خروج نهائي,
والقارئان من الرياض, والأكثر واقعية وإنسانية هو ما
تفعله إدارة تعليم جدة التي تصدّق الشهادات ما دامت
المدرسة معتمدة من إدارة التعليم الأجنبي.
حديث التعليم حديث ذو شجون, ولا بد قبل أن يصدر أي
قرار للتعليم بلغة غير العربية أن يدرك الجميع مدى
أهمية تعلم اللغات في زمننا, خاصة لغة العولمة وهي
الانكليزية, ولو وجدتُ بديلا أفضل لما خضت هذه التجربة
التي عرضت جزءاً منها, لكن إلى الآن لا يوجد غير مناهج
التعليم العام, التي أترك للقارئ حرية وصفها بعد أن
يطلع على هذه الرسالة التي وصلتني من أحد الآباء إذ
يقول:
قدّمت ابنتي امتحان الفقه للأول المتوسط وكان 80% من
الأسئلة هي: ما حكم تجهيز الميت والصلاة عليه؟ ما هي
محظورات الجنائز؟ تكلمي عن حمل الميت وتكفينه ودفنه؟
كيف يشيع الشهيد والمحرم؟ ما هو دعاء زيارة القبور؟
وسؤالي - سؤال الأب - هو: هل ستتخرج ابنتي حفارة قبور؟
ألا يكفي الشرح العملي الذي أخذ من المعلمة أسبوعاً
كاملاً في عملية التغسيل والتكفين؟؟؟؟؟؟
الوطن السعودية 25/6/2007 |