|
أعلنت وزارة التربية والتعليم عن قرارها بالسماح للمدارس الأهلية بتدريس مناهج
العلوم والرياضيات بأي لغة عالمية, ومنذ ذلك الوقت لم تهدأ الحرب الكلامية بين
مشجّعي القرار وبين المحذّرين منه؛ لذا أرجو أن يكون مقالي هذا حيادياً ووسطياً بين
الطرفين, مع أنه قد لا يهمّ سوى السعوديين الذين كان أولادهم ممنوعين من الالتحاق
بمدارس التعليم العالمي إلا بعد الحصول على استثناء بالموافقة من وزارة التربية
والتعليم, ولكنهم يرغبون أن يتحصّل أولادهم على أفضل المناهج التعليمية والمعلومات
العلمية لتكون الشهادة سلاحاً لهم ضد البطالة التي باتت تهدّد الخريجين في السعودية
بنسبة لا تقلّ عن نسبتها في أي بلد عربي آخر, رغم الاقتصاد القوي للمملكة مقارنة
بموارد البلاد العربية الأخرى.
بداية أتوجه بالشكر لصحيفة الوطن التي تتيح لي أن أعرض
بعض تجاربي كأم ومربية, خاصة وأن بعض القراء يطلبون
مني هذا أحياناً, وأنا هنا لست مدافعة عن القرار أو
معارضة له, لكن يجب أن أذّكر معارضيه أن دافع الوزارة
في السماح للسعوديين بدخول المدارس العالمية ربما كان
استجابة لمقالات الكتاب الذين لم يتوقفوا يوماً عن
المطالبة بتطوير المناهج, وللمفارقة فإن بعض هؤلاء
المعارضين الآن كانوا سابقاً على رأس قائمة المطالبين
بالتطوير؛ وكأنه قد فاتهم بأن وزارة التربية والتعليم
تنظر باتجاهين: الاتجاه الأول الذي يلبي تطلعات
المثقفين ويرضي طموحات المطالبين بالتطوير, والاتجاه
الثاني الذي يراعي شعور نسبة كبيرة من الناس الذين
يرفضون أي تغيير خوفاً من أن يؤدي ذلك إلى زعزعة مكانة
الدين في المنهج؛ وعلى هذا فإن معاناة الوزارة في
إحداث توازن بين أطراف المجتمع لا تخفى على متبصّر.
بعد هذا التقديم فإني أجرؤ أن أقول بصراحة: إن أحد
أسباب معاناتي ومعاناة كثيرين من الآباء والأمهات هو
طموحنا التعليمي لأولادنا, فرغم أن المدارس العالمية
تلتهم ما نسبته 50% أحياناً من دخل الأسرة, فإن المضطر
يركب الصعب, ومن يطلّع على مناهج التعليم العام
الضعيفة من الناحية العلمية المدنية, والتي لا تؤهّل
الخريج إلا لأن يسند جداراً في بيت أهله, لا يركب
الصعب فقط بل يقوم بمغامرة مثل التي قمت بها عندما
نقلت ولديّ من مدرستهما الأهلية إلى المدرسة العالمية
التي لها الكثير من الحسنات كما أن لها أيضا كثيراً من
السيئات.
وقبل أن أمضي في سرد الحسنات والسيئات, أحبّذ أن ألقي
الضوء بسرعة على مناهج التعليم العام والأهلي والعالمي
كي يستطيع القارئ – خاصة ذلك الذي سوف يتعرض لمشكلة
كمشكلتي مستقبلا – من الإلمام بالخيارات أمامه في
تعليم أولاده, وهو أمر من الأهمية بمكان لكل أب وأم؛
وقد سبق لي وذكرت أن من أكبر سيئات منهج التعليم العام
هو عدم التوازن بين المادة الدينية والمدنية في
المنهج, وكذلك عدم اتساقهما مع عمر الطفل, فالمواد
الدينية واللغوية لا تعرض بشكل جاذب للطفل إلا إذا بذل
المعلم جهداً خاصاً, مع العلم بأنه ليس كل الأساتذة
على درجة واحدة من الاجتهاد والإخلاص ليشتغلوا على
تخفيف جرعة الصعوبة والجفاف في المنهج, فيقوموا بوضع
كتب موازية فيها بعض القصص التي ترغّب الطفل بمتابعة
الحصة, ومن المعلوم أن الطفل يتعلم في المرحلة
الابتدائية – خاصة السنة الأولى حتى الرابعة - بالقصص
ولا يفهم المجردات بشكل مباشر, فإذا أعطيت الطفل بالصف
الثالث حديثاً شريفاً عن الصدق ليحفظه, لن يكون له نفس
التأثير إذا ما ذكرت له قصة عن الصدق وعاقبته, وقس على
ذلك كثيراً من دروس التوحيد والفقه, فالطفل عالمه
ذاتي, وهذه الذاتية تحف تدريجياً لصالح المفاهيم
الموضوعية والتجريدية.
هذا من الناحية الدينية والأدبية أما من الناحية
المدنية فالمناهج ضعيفة في العلوم والرياضيات, ويكفي
كدلالة على هذا الضعف أنها حازت عالمياً على المركز
الثالث من الآخر, أما من الناحية الاجتماعية فلا بد من
الإشارة إلى مطالبة بعض المثقفين بأن تحوي هذه المناهج
مواداً عن حقوق الإنسان والتربية الجنسية وما شابه مما
يأتي كأصداء لما يحدث في العالم الغربي أو كردود أفعال
للأخطاء الحادثة في عالمنا العربي, فهذه المطالبة لا
تعدو أن تكون دعوى مثالية لا يمكن تنزيلها على أرض
الواقع, لأن الأهم من كل ذلك أن يكون المنهج متكاملا
ويحقق سياسة تربوية وتعليمية واحدة دون إثقال كاهل
الطالب بمزيد من المعلومات المتخصصة, ويكمن الحل – في
رأيي - بإدخال هذه المواد ضمن المنهج نفسه, سواء في
كتب القراءة أو التربية الوطنية أو العلوم وغيرها.
المنهج العام تقوم بتدريسه المدارس الحكومية والأهلية,
وهذه الأخيرة تهتم بتدريس اللغة الانكليزية من السنة
الأولى لكن بشكل طفيف جداً, وأشد هذه المدارس الأهلية
عبئاً هي تلك التي تضيف إلى مناهج وزارة التربية
والتعليم مناهج عالمية في العلوم والرياضيات, بحيث لا
يخرج التلميذ من المدرسة إلا بعد ثماني أو تسع حصص
يومياً وقد أنهكت روحه بما يحمله عقله الصغير بين
مادتي رياضيات وعلوم باللغة العربية ومادتي الرياضيات
والعلوم باللغة الانكليزية, وبالطبع ليس لي تجربة مع
هذه المدارس كي يحقّ لي تقييم مردود تلاميذها الفعلي.
لذلك أكتفي بذكر تجربتي مع ولدي في المدارس العالمية
حيث كنت أمام خيارين: المدارس التي تنتهج الأسلوب
الأمريكي, وكتبها أكثر جاذبية وأسهل نسبياً من المنهج
الانكليزي الذي يُدرّس في بعض المدارس العالمية الأخرى
والتي غالباً ما يكون تلاميذها من الإخوة المصريين
الذين يرغبون بأن ينتهي أولادهم من التعليم بعد 11 سنة
دراسة فقط, وهكذا فإن ميزات المنهج الانكليزي اختصاره
لسنة من عمر الطالب, لكن بالمقابل هناك حمل ثقيل من
الدراسة أكثر من المدارس ذات المنهج الأمريكي.
انتقل ابني الكبير إلى المدرسة ذات المنهج الأمريكي
بعد إنهائه السنة الابتدائية الرابعة بالتعليم العام
الأهلي, بينما كان أخوه الأصغر قد أنهى السنة الثانية,
وهكذا فقد كان أمامي عمل كبير يومياً لتأهيلهما
للالتحاق بتلك المدارس والتمكن من مسايرة زملائهما
فيها, والحقيقة أني عندما بدأت فكرة نقلهما تستقر في
رأسي, اتصلت بالسيدة التي كانت تدرّس تلاميذ وتلميذات
من مدارس المنهاج العام كبداية لمشروع افتتاح مدرسة
عالمية, فوجدت فيها شخصية حنونة ومخلصة وساعدتني
بإعطائي كتب جميلة جدا للسنوات السابقة التي لم يدرسها
ولدي, على أمل أن يلتحقا بمدرستها في العام المقبل,
فما كان مني إلا أن أحضرت لهما مدرس لغة انكليزية
خصوصي ليساعدهما, ولكن بعد درسين أو ثلاثة لاحظت أن
الأستاذ تقليدي جداً إذ لم يستطع أن يستوعب روح المنهج
الأمريكي الذي يحتاج مهارات خاصة في التدريس, فهو منهج
إبداعي بكل ما في هذه الكلمة من معنى - رغم أن أصحابه
يتذمرون منه لحاجته للتطوير! - ويتناسب مع عمر الطالب
في كل المواد, وإعجابي الشديد بالمنهج هو الذي جعلني
أتفرّغ للقيام بمهمة تدريس ولدي بعد انتهاء عملي في
المستشفى, فقد اتفقت معهما على أن يقوما بحلّ
واجباتهما للمدرسة الأهلية وحدهما دون الاعتماد علي
وقبل مجيئي من دوامي أي أمامهما ساعتين أو ثلاثة من
المذاكرة باللغة العربية لمدرستهما الأهلية, أما معي
فيكفي أن أتعاهد كل واحد منهما ساعة نستغرق فيها معاً
بتلك القصص والكتب اللذيذة, وهكذا فقد ركبت المركب
الصعب لتسليح ولديّ بالعلم النافع من خلال مناهج
عصرية, ولم أكن أعلم ماذا ينتظرني في قادم الأيام,
لكنها مغامرة بسيئاتها وحسناتها ولست نادمة عليها رغم
كل ما أقطفه من ثمارها الفجة أحياناً والتي سأتعرض لها
بالتفصيل في المقال القادم بإذن الله.
الوطن السعودية 18/6/2007 |