|
ما
كتبه الزميل (تركي الدخيل) في الأسبوع الماضي عن القضية الفلسطينية وضرورة تقليل
أهميتها لحساب القضايا المحلية في كل بلد عربي, يدخل ضمن ما يمكن تسميته بالواقعية
المؤلمة, فهو كسعودي يتمنى أن تكون الأولوية لقضية مثل حمى الوادي المتصدع أو ما
شابهها من القضايا التي حصدت أرواح الأبرياء في المملكة العربية السعودية,
وبالتأكيد ينضم إليه بعض الكتاب - ومنهم كاتبة هذه السطور – بالدعوة إلى أن تكون
الأولوية لكل ما يخلّ بأمن المواطن والمقيم وكذلك أن تحظى قضايا داخلية أخرى بنفس
الأهمية, مثل قضايا العدالة وتكافؤ الفرص وتأمين حياة حرة كريمة لكل من يشكّلون
لحمة المجتمع السعودي, سواء كانوا مواطنين أو مقيمين, بحيث ينتفي هذا التفاوت
الطبقي المخيف الذي يشكّل حجر عثرة أمام الأمن الاجتماعي.
كثيرة هي أولويات كل دولة, ولكن ليعذرني الأستاذ (تركي
الدخيل) إذا قلت أن أسلوبه كان قاسياً بعض الشيء فيما
كتبه حول قضية فلسطين, إذ لا يبرّر لأي منا, ومهما
كانت انشغالاته الفردية والاجتماعية كبيرة, أن ينسى
مأساة إخوانه, و(من لم يهتمّ بأمر المسلمين فليس منهم)
كما قال الصادق المصدوق عليه الصلاة والسلام, وأنا إذ
أوافق الأخ تركي على المبدأ فقد لا أتفق معه في
التفاصيل, فمن ناحية المبدأ لا يمكن لأحد أن ينكر أن
قضية فلسطين أخذت حيّزاً كبيراً من اهتمام المملكة,
وإن كانت نتائج هذا الاهتمام لم تظهر على الصعيد
الفلسطيني كما يجب, وأكبر دليل هو مسارعة السعودية
لمساندة الأشقاء الفلسطينيين مادياً ومعنوياً, وليست
ببعيدة مبادرة خادم الحرمين الشريفين لتولّي زمام
الإصلاح بين فتح وحماس عبر إبرام اتفاق مكة, لكن مشكلة
بعض هؤلاء هي في النظر إلى المصالح الشخصية بدل اعتبار
المصالح العامة للشعب الفلسطيني, ولا أريد أن أدخل في
تحليل سياسي لا أهواه وبالتالي لا أجيده, لكن هدفي من
هذه المقالة لفت النظر إلى معاناة هذا الشعب التي
تفاقمت مع تعاقب الأعوام الستين التي فصلتنا عن نكبة
عام 1948.
من ناحية التفاصيل فإن الكتابة عن معاناة الفلسطينيين
في الداخل لم يعد لها كبير جدوى بعد أن أصبح الإعلام
المرئي ينقل لنا كل يوم أخبار المجازر والاغتيالات
والاعتقالات, فالصورة تقوم مقام ألف كلمة, أما ما يمكن
الكتابة عنه فهو الحلّ الوحيد لمشكلة فلسطين وأنه يكمن
فيما اتفقت عليه الأطراف الدولية من القبول بدولتين:
دولة إسرائيل ودولة فلسطين, فليس من الواقعية إطلاق
الشعارات الداعية إلى محو إسرائيل من الوجود, كشعار
(لا صوت يعلو فوق صوت المعركة) وما شابه ذلك من شعارات
رسخّها بعض زعماء دول الطوق مؤدية إلى كتم أصوات
الحرية وإهمال التنمية في تلك الدول بحجة ارتفاع
ميزانية وزارة الدفاع التي كانت تلتهم 80% من أموال
الخزينة العامة, وماذا كانت النتيجة؟ خسرنا المعركة
وما زالت ذكرى هزيمة يونيو ماثلة في الأذهان لم تستطع
أن تمحوها أية انتصارات حقيقية أو مزعومة؛ ولا يختلف
ذلك الشعار عن كل كلام داعٍ لمحو إسرائيل من الخريطة,
مستشهداً بالعين التي تواجه المخرز, لأن العين - مع
الأسف- أصبحت تضرب العين الأخرى في أية فرصة سانحة؛
والتغاضي عن كل تلك الحقائق لن يزيد الأمر إلا ضباباً
ولن يبثّ في العقول إلا غياباً.
ما يجب الكلام عنه برأيي هو معاناة الفلسطينيين في
الشتات, فهذا ما لا يهتمّ به كثيرون, بحجة أن اللاجئ
الفلسطيني له حقوق المواطن في غالبية الدول العربية,
لكنها ليست الحقيقة, ولذا فإنه بدل إضاعة المزيد من
الوقت في المطالبة بعودة جميع اللاجئين الفلسطينيين,
وهو ما ترفضه إسرائيل خشية تحمل عبء فلسطيني الخارج
الذين يزيد عددهم على خمسة ملايين لاجئ, يجب أن تتم
المطالبة بحل أكثر واقعية كمنح الفلسطينيين جنسية
البلدان التي لجؤوا إليها أو استقروا فيها, والأفضل
إجراء استفتاء بين فلسطيني الشتات لمعرفة من يقبل
بالجنسية ومن يرضى بالتعويض المالي ومن يصرّ على
العودة, ومن خلال معرفتي بفلسطينيين كثر في البلاد
العربية فإن الأغلبية تفضّل الحصول على نفس حقوق
المواطن في البلاد التي يقيمون فيها, من ناحية الصحة
والتعليم والراتب المعطى حسب الكفاءة والإنتاج وليس
حسب الجنسية.
قد يظن بعض القراء أن هذا الرأي يحمل استخفافاً بمعنى
الوطن والانتساب إليه, أو أنه يعني التخلي عن المقدسات
في القدس, وهذا ليس مقصوداً البتة, لكن الوطن هو
المكان الذي تشعر فيه بالأمان والكرامة وتنال فيها
حقوقك كإنسان, وبالنسبة للفلسطينيين الذين هاجروا من
فلسطين والذين ما زالوا يحلمون بالعودة فإن النسبة
الموجودة على قيد الحياة أصبحت قلة قليلة, بحكم وفاة
أغلبهم في الشتات, وأما الجيل التالي الذي ولد بعد
نكبة 48 بعشرين سنة مثلا فإنه ورغم تشربّه حب فلسطين
من آبائه فإن ذلك لم يكن حائلا دونه والاندماج في
البلدان العربية التي وُلد ونشأ وشبّ فيها, على سبيل
المثال الفلسطيني الذي ولد في دمشق وعاش بعيداً عن
المخيمات يتكلم اللهجة السورية, والذي وُلد في الرياض
أو جدة تراه يتكلم باللهجة المناطقية المناسبة, وأما
الجيل الأصغر سناً فمن المستحيل أيضا أن ينسى فلسطين
ككل عربي ومسلم تُروى له منذ طفولته قصص المعجزات التي
حدثت في تلك الأرض المباركة مثل معجزة ولادة السيد
المسيح ومعجزة إسراء ومعراج محمد عليهما الصلاة
والسلام, لكن هذا الجيل يستحق أن يعيش أفضل مما تقرّره
الذكريات, إذ من حقه أن ينال كل عناية تعوّضه عما
فقده, ولا يكون ذلك إلا بمنحه الثقة بنفسه عبر إشعاره
بأنه لا يختلف عن المواطن الأصلي في شيء.
طالبت في مقالة سابقة بحقوق من لا يعرف غير هذا البلد
المعطاء وطناً له عبر منحه أوراقا ثبوتية تمكنه من
العيش الكريم, ومن الواضح أن كل فلسطيني وُلد في
المملكة أو قضى فيها الفترة الأكبر من طفولته وشبابه
وأثبت صدق محبته لها وحسن سلوكه فيها يستحق أن يكون في
بؤرة الاهتمام, على سبيل المثال ما طرحته الزميلة نوال
إبراهيم في عمودها يوم الجمعة الماضي (سعوديون مع وقف
التنفيذ) ينطبق بشكل أساسي على كثير من الفلسطينيين,
وإذا كانت قد أتت بمثال عن حرمان غير السعودي من
التعليم الجامعي فكلنا يعلم أن غير الفلسطيني المقيم
في السعودية يحقّ له إكمال تعليمه في بلده الأصلي وفي
كثير من البلاد العربية, أما الفلسطيني فهو بدون وطن
أساساً, ووثيقة اللجوء التي يحملها بدل جواز السفر لا
تخوّله من دخول الدول العربية كلها, بل كثيراً ما ينظر
إليه بعين الشك عندما تكون وثيقة سفره صادرة من بلد
معين, وربما يحتاج إلى تأشيرة دخول لبعض البلاد
العربية حتى لو كان طفلا, وقد عرضت فضائية عربية قصة
أسرة فلسطينية كان عائلها يعمل في السعودية ثم ذهب مع
عائلته لقضاء إجازته لدى أخيه في بلد عربي, وعندما
أراد العودة إلى المملكة تفاجأ بأن كفيله أنهى له
إقامته, وعَلِق الرجل وعائلته المكونة من تسعة أشخاص
بين البلاد العربية التي قد يسمح له بعضها بالدخول
كسائح فقط, بينما يمنعه بعضها الآخر من الدخول كلياً.
بالطبع هذه المأساة تلقي الضوء على مأساة أكبر, ومما
يحسب لجمعية حقوق الإنسان الوطنية في بيانها التي
أصدرته مؤخرا إشارتها إلى نظام الكفيل على أنه سبب
لكثير من المآسي ومن ثم دعوتها لإلغائه, وبما أن
التغيير لا بأتي إلا تدريجياً فما المانع أن تقتصر
التجربة على الإخوة الفلسطينيين أولا, ثم إذا نجحت
يتمّ تعميمها على الجنسيات العربية الأخرى ومن ثم
الجنسيات الباقية؟
الوطن
السعودية
11/6/2007 |