الصفحة الرئيسية
  
في النهوض والتغيير (إبحار ضد التيار)  التلوث في كل شيء: في الهواء والماء والغذاء والدواء  
 
 
 

يظنّ بعض القراء أن ذكر الكاتب لتجربة ذاتية مرّ بها ماضياً أو يمرّ بها حاضراً, هو دليل على نضوب فكره إذ لا يجد أمامه سوى حياته الشخصية ليدلي بمعلومات حولها للقارئ, ولكن هذا الرأي ليس صحيحاً على إطلاقه, ولا ينطبق بحالٍ على الكتاب الذين أثبتوا عبر أعمالهم الكتابية و/أو الإعلامية تجرّدهم عن الذاتي الشخصي وانطلاقهم للتعبير بلسان حال المجتمع, ثم هم يكشفون أدقّ أسرارهم الشخصية ليستفيد منها الآخرون؛ وقد كان من بين هؤلاء الأستاذ حسين شبكشي الذي أحزنتني مقالته في صحيفة الشرق الأوسط لعدد الخميس الماضي, إذ نقل إلى القراء خبر إصابة ابنته الصغيرة ذات العامين بمرض السرطان, ولا يلمس المرء من خلال سطوره حزن الأب وفجيعته فحسب, بل يستشفّ غضبه على من كانوا السبب في إصابتها بهذا المرض الخبيث, دون أن يسمّيهم بأسمائهم لأنه غالباً لا يعلم من هم.

لكننا جميعاً نعلم أن التلوّث في مدينة جدة قد وصل إلى حدود غير مقبولة عالمياً, خاصة أن جدة ليست بتلك المدينة الصناعية, لأنها - ببساطة - مدينة تجارية, إذ غالباً لا يتجاوز عدد المعامل الكبرى فيها العدد عشرة, بينما في كل عشرة أيام يُفتتح سوق تجاري جديد ينافس الأسواق السابقة, فقد أصبحت جدة مدينة الأسواق بدل أن تكون المدينة العروس ذات الحدائق العامة والمتنزهات البديعة, والأدلة على ذلك أكثر من أن تعدّ وتحصى, وآخرها ما حمله خبر صحيفة الوطن عن حي السلامة الذي اعترض أهله على تحويل الحديقة العامة الوحيدة في ذلك الحي إلى سوق تجاري؛ وهنا يمكن الإشارة إلى خلل بيئي ذي علاقة – ربما – بزيادة الإصابة بمرض السرطان في المملكة كلها وليس جدة وحدها, حتى بلغت الزيادة في الأعوام الحالية عشرة أضعاف ما كانت عليه في الأعوام السابقة, والسؤال الذي يجب طرحه هنا: إلى متى يأخذ المال وتراكمه في أيدي عدد محدود من الناس أولوية على حساب الصحة والنظام والجمال في تلك المدينة أو غيرها؟

كلنا يعلم أن الشجرة هي الرئة التي تتنفس من خلالها المدن, ولا يكفي أن نزرع نخلة هنا وشجيرة هناك لنقول إننا نكافح التلوث, فيا لها من أيام خلت تلك التي كنت أفتح فيها نافذتي وأنا في الإعدادية لأشم رائحة ذلك الغاز الذي سمعت عنه للمرة الأولى في حياتي, ألا وهو الأوزون, بينما كنت في الحقيقة أشمّ رائحة الحياة الخالية من التلوث. كان ذلك قبل أن ينشغل العالم كله بثقب الأوزون بزمن طويل, أما الآن فمن يحاول أن يخرج إلى شوارع جدة للتمشية على قدميه في نهاية الليل أو بداية النهار, يستطيع أن يدرك كيف أن جدة تحوّلت إلى مكانٍ خالٍ من مقوّمات العيش الصحي, فمن المدخنين في الشوارع والأماكن العامة إلى نافثي النارجيلة على الكورنيش, وهذا يهون أمام خطر صهاريج الصرف الصحي التي تنضح المخلّفات البشرية بطريقة مشوّهة لما يجب أن تتصف به المدن الحضارية, ولا يعلم أحد مدى تأثيراتها السيئة على الصحة خصوصاً مع تلك الرائحة الرهيبة التي تنبعث منها؛ ناهيك عن بحيرة المسك التي هي – بالطبع- اسم على غير مسمى, ولا ننسى حاويات القمامة والتي يتناوب على نبشها النساء الأفريقيات صباحاً والقطط الهائمة مساءً, حتى بات المرء لا يستطيع الخروج إلا بالسيارة ذات النوافذ المغلقة ليزيد بدوره من العوادم الناجمة عن الاحتراق والتي تنضم إلى غيرها من الملوثات, كي يُكمل بذلك احتفال الجراثيم والمكروبات الداخلة مع ذرات الهواء إلى بيوتنا, هذا إذا استطعنا أن نبتعد عنها في شوارعنا.

ماذا عن تلوث الماء وهو أشد خطراً من تلوث الهواء, حيث أن الجهاز الهضمي ليس مجهّزاً بمناعة الجهاز التنفسي؟ ها هو الخبر من صحيفة الوطن يوم السبت الماضي عن إغلاق 60 مصنعاً لتعبئة المياه بعد أن تبيّن أنها تقوم بالتعبئة بطريقة يدوية, وفي ثنايا الخبر ما يستحق أن ينتبه له إذ إنّ عدد مصانع تعبئة مياه الشرب في جدة هو 250 مصنعاً, فبحساب النسبة نجد أن ما يقارب من ربع المصانع تنتج ماءً ملوَّثاً, يحوي نسبة عالية من الميكروبات والكلور؛ وأما المياه المخصصة لغير الشرب فليست أزمة هائلة فقط, بل يجب أن نعلم أن بعض السكان لا يدركون ضرر الشرب منها, هذا إذا تجاوزنا عن إمكانية التسرب للخزانات الأرضية من مياه المجاري مما يزيد الطين بلة, ويكفي أن أذكر أن نسبة لا تقل عن 50% من مريضاتي اللواتي أجري لهن فحصاً للبول – خارج الدورة الطمثية - تكون نسبة الدم فيه مرتفعة جداً, وبالطبع قد يكون تشخيص التهاب الكلية هو الأنسب والأسهل, لكني اعتدت أن  أنصح المريضة بأن تكثر من شرب المياه الصحية المعقمة وألا تستخدم ماء الصنبور في الطبخ, ومن ثم فإن إعادة تحليل البول بعد شهر تأتي بنتائج أفضل.

أما تلوّث الغذاء فلطالما قرأنا عن إغلاق مطاعم غير مرخصة, لكن الخبر الذي أوردته صحيفة الشرق الأوسط منذ فترة يُنذر بكارثة صحية, وكان عنوان الخبر أن السعودية تفتح تحقيقاً حول استخدام شركات أميركية حيوانات نافقة في مواد غذائية ومستحضرات تجميل تصدّرها للدول العربية, وفي فحوى الخبر أنه بعد انكشاف خبر هذه الشركات في أمريكا نتيجة نشر بعض التقارير عن عمليات إذابة لحوم الحيوانات النافقة ومنها الفئران والخنازير والقطط والأحصنة والكلاب ومشيمات الإجهاض البشري وغيرها, لاستخلاص مادة البروتين من أجل استخدامها في تصنيع المواد الغذائية وبعض المنتجات الأخرى, وبعد صدور بعض الكتب أيضاً في أمريكا منها كتاب (الطعام الذي تموت فيه الحيوانات الأليفة) لمارتن ومايكل فوكس ذُكر فيه أن منتجات تلك الشركات التي تقوم بعملية الإذابة للحيوانات النافقة تباع تحت مسمى محسّنات للغذاء, وتقدَّم لمزارع الدواجن والأبقار وأعلاف الأسماك التي يأكلها الإنسان بدوره, وأورد الخبر رأي الدكتور محمد حبيب بخاري المستشار الزراعي السعودي الذي صرّح باكتشاف استخدام بقايا لحوم الخنزير لتغذية بعض المواشي في أستراليا والتي يتم تصديرها للسعودية, والسؤال المطروح بعد قراءة خبر كهذا الخبر: لا يمكن الاستمرار في تناول اللحوم دون أن نعلم مصدرها, ولكن كيف يمكن أن نعرف مصدر علفها, وهل نمتنع عن تناول اللحم لنتحول إلى كائنات نباتية؟!

من الضروري الكشف عن أسماء الدجالين, خاصة في مهنة الطب, وعلى رأسهم أدعياء الطب البديل, وأحدث موضة له حالياً هي العلاج بأبوال الإبل دون بحث علمي مثبت؛ وقد نقلت صحيفة عكاظ خبر كشف المختبر المركزي بوزارة الصحة بعد تحليل الأدوية التي يعالج بها مدعي الطب محمد الهاشمي مرضاه عن احتوائها على عناصر سامة وفضلات فئران وهذا مثال بسيط عن تلوث الدواء.

حملت نشرات الأخبار العالمية خبراً حول موت النحل في أمريكا, وهو الذي هدّد تجار العسل بالإفلاس, وكأن الجميع تجاهل أن تلويث البيئة ومخالفة النواميس الطبيعية والسنن الكونية, كلّ ذلك يحمل مخاطرة لكل الكائنات لأن دورة الحياة الهرمية تبدأ من الكائنات الصغيرة وحيدات الخلية وتنتهي بالإنسان مروراً بالنباتات والحيوانات على اختلاف أنواعها, بحيث تُقسم إلى منتج ومستهلك, وبدوره يدخل هذا المستهلك – حيواناً كان أو إنساناً – دورة الحياة من جديد بعد أن يموت ويتفتت بواسطة البكتريا والكائنات الصغيرة, لذا فإن أي تلوّث يهدد دورة الحياة الهرمية في مكان ما سيتحوّل إلى تهديد للكائنات كلها وأولها الإنسان.

الوطن السعودية 4/6/2007

 

 

حقوق الطبع محفوظة لموقع د. ليلى الأحدب © 2005 تصميم وتطوير موقع الثريا |