الصفحة الرئيسية
  
في النهوض والتغيير (إبحار ضد التيار)  الإعلام المرئي ومعالجة الإرهاب.. خلية الخالدية أنموذجاً
 
 
 

في مقالتي السابقة والتي كانت بعنوان (القاعدة تشن حرباً على الجميع فهل من مستنكر؟) أبديت رأيي في ضرورة قيام الفقهاء والدعاة بشنّ حرب معاكسة على أيديولوجيات القاعدة التي حرقت سفن المسلمين في العالم الغربي, ولولا أن الله سبحانه قد تكفّل بحفظ هذا الدين على يد ثلة من الشجعان المجدّدين لأصبح ديننا نسياً منسياً؛ وقد أشرت كذلك إلى دور الإعلام المرئي في تفنيد الأيديولوجيات الإرهابية لما له من جمهور واسع, وهو ما تقوم به بعض القنوات العربية عموماً ومنها القنوات السعودية, وفي هذا الخصوص فقد جذبني الإعلان المتضمّن كشف القناة الأولى عن خلية الخالدية في مكة المكرمة مما جعلني أحرص على متابعة البرنامج مع أن كثيرين منا يزهدون في متابعة هذه القناة لعدم قدرتها على منافسة القنوات الأخرى, غالباً بسبب الشكل التقليدي لبرامجها, وهو ما كان عليه منوال البرنامج المشار إليه, مما جعلني لا أستطيع متابعة أكثر من نصف الساعة الأولى.

بدأ البرنامج بعرض تحقيق عن الخلية الإرهابية وكيف تم استئجار بعض أفرادها لشقة في عمارة بمنطقة الخالدية, وتوالت الصور المترافقة مع اعترافات بعض أفراد الخلية, ثم عُرضت شهادات صاحب العمارة وابنه وبعض الجيران, ولكن كلّ ذلك لم يساهم في إيصال الْمُُشاهد إلى غاية واضحة, فالْمَشاهد غير مترابطة والعبارات مشوّشة, وانطلاقاً من الحكمة التي تقول:(من ينتقدني يؤلف معي) أرجو ألا يغضب مني معدّو البرنامج إذا قلت أن هذا الأسلوب لمعالجة الأمر زرع في دواخلنا كمشاهدين بعض التعاطف مع الإرهابيين, وقد ظهر ذلك واضحاً لدى سؤال المحاور لأحد الضيوف المشايخ عن رأيه فيهم, فاستعمل عبارة "غُرِّر بهم" وهي العبارة المشهورة التي تجعل كل من يسمعها يشعر بأن ذنب هؤلاء الإرهابيين مخفَّف جداً – هذا إذا لم يكونوا غير مذنبين أساساً - وقد يشكّل هذا جزءاً صغيراً من الواقع, لكن البحث عن الحقيقة يحتاج جهوداً مضاعفة ومثابرة استثنائية.

السبب الذي يجعل المرء يشعر ببعض التعاطف مع هؤلاء الأشخاص الذين عرضهم البرنامج هو صغر سن بعضهم, والعطالة والبطالة التي تعشّش في أجوائهم, ولكن هذا التعاطف إن كان بسبب طريقة العرض غير المتكاملة لمشروعهم الإرهابي, فإن رسالة البرنامج كان من الممكن أن تصل لهدفها عبر محاورة أكثر تركيزاً مع الشيوخ الأفاضل الذين استضافهم البرنامج؛ فالشيخ الأول عمل على اللعب بأوتار الانفعالات, وقد يُبرّر له أن المدينة هي مكة المكرمة التي حرمها الله, لكن ماذا عن المدن الأخرى؟ هل تصبح مستباحة لأن الله لم يحرمها؟ قد تكون عبارة الشيخ التي استعملها بأن من يحلّ المكان الحرام يحلّ الدم الحرام كافية لاقتلاع صخب هذا السؤال, لولا أنه تمادى في وجهة نظره العاطفية إذ ذكّر هؤلاء الشباب بالمؤمنين المستضعفين على عهد النبي عليه الصلاة والسلام في مكة, وكأن الشيخ لا يعلم الفرق الكبير بين الحالتين, خاصة أن هذه المقاربة الخطيرة تذكّرنا بما اجترحه سيد قطب ومحمد قطب في كتابيهما "معالم على الطريق" و"جاهلية القرن العشرين", وتأثير هذين الكتابين على الشباب المتحمس لا ينكرها عاقل, ولذلك فإن من المفيد جداً تفنيد أيديولوجيتهما بدل تثبيتها في عقول الشباب, وهذا المثال يذكّرني بما كتبه أحد المثقفين السعوديين الذي اتبعوا طريق الإرهاب ثم عادوا عنه فقد ذكر أن شيوخه كانوا يمنعونه وزملاءه من الاطلاع على كتب سيد قطب مما جعلها ذات قيمة مميزة, فكل ممنوع مرغوب, مما ساهم تالياً بالتأثير عليه على عكس ما سيكون الحال لو لُقّح بالمناعة ضد تلك الأفكار؛ ولذا فإنه من الأفضل أن نعلّم أولادنا تدريجياً أن يمحّصوا كل ما يقرؤون بعين ناقدة, وأن نزوّدهم بأساليب المقارنة المنطقية ومتى تصحّ المقاربة ومتى لا يجوز القياس, على سبيل المثال فإن التجربة القطبية في مصر لم يكن لها ما يبرر تكرارها في السعودية؛ ومنعاً للاستطراد أؤكد على ضرورة أن يرسّخ المنهج التعليمي آلية التساؤل في نفوس التلاميذ وعدم القبول بالمسلّمات عدا الحقائق الإيمانية والأوامر الأخلاقية الواردة بنصوص مقدسة ذات دلالات قطعية, وإذا خلا المنهج التعليمي من آليات النقد والتساؤل فإنه لن يثمر سوى علقماً مراً.

من هنا آتي إلى الشيخ الثاني في البرنامج الذي طلب منه المحاور رأيه في أحد أفراد الخلية الذي أخطأ لدى ذكره لآية قرآنية, فوافقه الشيخ مؤكداً على ما يرمي إليه المحاور من ضحالة العلم الشرعي لدى هؤلاء الإرهابيين, ولكن السؤال الذي لم يفطن إليه أحد في البرنامج هو: كيف يكون من درس العلم الشرعي لمدة 12 سنة في المدرسة بهذه الضحالة الدينية؟ ما معنى أن يستغرق الطالب نصف ساعاته الدراسية في المدرسة والبيت بمنهاج ديني يجعل علومه الدنيوية متهالكة في نفس الوقت الذي لا تمكّنه علومه الدينية من الدفاع عن معتقداته غير الإرهابية؟ ولماذا لا ننظر إلى المسألة من زاوية أخرى ألا وهي: لماذا لا نهتمّ بالكيف بدل الاستغراق بالكمّ؟ هذا ما يعنيه كل مثقف مخلص لوطنه ودينه عندما يطالب بتعديل المنهج الديني والدنيوي ليوازي متطلبات الحياتين الدنيا والآخرة.

لن أتكلم عن الشيخ الثالث في البرنامج لأني لم أتابعه كله بسبب جو البرود الذي خيّم على البرنامج بينما القلوب تشتعل ناراً من الإثم الإرهابي, لذا يجدر القول بأن الإرهاب بأشكاله الحالية هو أمر جديد مستحدث, وإذا عُرف بشكل ما لدى فئة الخوارج سابقاً, فلم يكن بهذه الفظاعة التي نشهدها اليوم, فأسلحة الإرهاب هي أسلحة غير تقليدية لذلك تحتاج معالجة إبداعية, والإبداع لا يكون إلا في جوّ من الحرية بحيث يستطيع كل منا أن يبدي رأيه في الخطأ الذي قد يكون سبباً لتشكل الشخصية المجرمة أو المجموعات الإرهابية, وهو ما سأقوم به حسبما تسمح المساحة المتبقية.

إذا عدنا للتحقيق نفسه الذي أورده البرنامج على ما فيه من وهن وضعف, فإننا نستطيع تقصّي بعض الأسباب, بدءاً من استطاعة الإرهابيين استئجار الشقة بدون أن يطلب صاحب العمارة منهم تعريفاً من الشرطة بأن المستأجر ليس له أي سوابق إجرامية, وبأنه متزوج فعلا وأن من ستقيم معه هي زوجته, وبما أن كشف الوجه ما زال معضلة حيث تُشكل رؤية وجه المرأة خروجاً عن تقاليد المجتمع – لا عن الشرع كما بيّنت في مقالات عديدة – فإن المحافظة على هذه التقاليد وعلى الأمن الاجتماعي في نفس الوقت يقضي أن تصحب الزوجة زوجها ومعها ما يثبت شخصيتها المتفردة عنه كهوية شخصية أو جواز سفر, ويجب أن تكون هناك امرأة شرطية تتكفّل بالتأكد من أنها أمام الزوجة المسجلة بدفتر العائلة.

ظهرت بعض الوجوه التشادية, وبدا صغر سن أصحابها واضحاً, ولو أن المشاهد اكتفى برؤية وجوههم وسماع لهجتهم دون أن يشار إلى جنسياتهم لظنّهم سعوديين أباً عن جد, والحقيقة التي قد تكون مُرّة هي أن كثيراً من أمثال هؤلاء لا يعرفون بلداً آخر يؤويهم كوطن سوى المملكة العربية السعودية, فقد وُلدوا على أرضها ودرسوا في مدارسها, ولو أنهم عادوا إلى بلدهم الأصلي لما وجدوا أي قريب أو نسيب, لذا فمن الإنصاف أن تتمّ تسوية أوضاع هؤلاء الوافدين عبر إدماجهم بالمجتمع, وعلى هذا الأساس أيضاً يجب التصرف مع كل عائلة غير سعودية لا تعترف إلا بهذا البلد الغالي وطناً لها, على الأقل بمنح أفرادها أوراقاً ثبوتية تشير إلى أحقيتهم بالعمل والعيش الكريم, فالشجرة التي يستظلّ بفيئها الجميع يجب أن لا تفرق بين إنسان وآخر, وفي ذلك تحقيق للعدالة الاجتماعية التي يحضّ عليها الإسلام ويقرها العقل والضمير.

الوطن السعودية 28/5/2007

 

 

حقوق الطبع محفوظة لموقع د. ليلى الأحدب © 2005 تصميم وتطوير موقع الثريا |