الصفحة الرئيسية
  
في النهوض والتغيير (إبحار ضد التيار)  القاعدة تشن حرباً على الجميع .. فهل من مستنكر؟
 
 
 

إحدى عاداتي اليومية هي الاستيقاظ المبكّر, لا يختلف ذلك بين يوم العمل ويوم العطلة؛ وفي إزاحة الستائر باكراً ما أمكن مجالٌ رحبٌ لشهود عظمة فالق الإصباح سبحانه وتعالى, وللاستماع إلى زقزقة العصافير وهديل الحمام التي تسبّح بحمده؛ وبما أن عطلتي الأسبوعية هي يوم الجمعة فإنه اليوم الذي أستمع بملء حواسي لأناشيد تلك الكائنات وتقديسها لخالقها؛ لكنّ يوم الجمعة 17/4/1428 تميّز بارتفاع أصواتها وتناغمها إلى درجةٍ جعلتني أتساءل إن كان ذلك اليوم يوافق مناسبة دينية هامة, وسرعان ما تذكّرت أن شهر ربيع الثاني خالٍ من المناسبات؛ وبينما أنا غارقة في الاستماع لتلك البهجة إذا بأصوات سيارات الشرطة تتناهى إلى سمعي من بعيد؛ وبعد الظهر أدركت السرّ عندما نقلت محطات الأخبار وقوع 172 إرهابياً في أيدي رجال الأمن مع الكشف عن حقدهم المبيّت بدفن مختلف الأسلحة في أعماق الحفر بالصحراء وفي أنابيب المجاري بالمنازل, وعندها استنتجت أن جيراني من الطيور كانت تشكر الله على نعمة الأمن في بلد الأمان.

شكّلت الصور المعروضة لدى استخراج الأسلحة صدمة للجميع, خاصة مع العدد الكبير للمشاركين وانكشاف خططهم المختلفة التي لا يعلم غير الله سبحانه ما هو مداها لو أنها حقّقت أهدافها؛ وإذ يشهد المرء لرجال الأمن بالبسالة والقدرة على فضح المخططات الإرهابية فإنه لا بد أن يمضي متسائلا في كل مرة عن دور المكوّنات الأخرى للمجتمع في الإحاطة بجذور المشكلة, إذ إن الجهود ما تزال متفرقة, وبعضها يبطل مفعول بعضها الآخر, ومن المعلوم أنه ليس بإمكان أي دولة في العالم القضاء على ظاهرة ما دون اتحاد جميع مؤسسات الدولة والمجتمع, ولا يستطيع عاقل أن ينكر أن الإرهاب قد تحوّل إلى ظاهرة عالمية في كل مكان, وأن أدبيات القاعدة قد أصبحت تصول وتجول عبر مواقع الانترنت وفي كثير من خطب المشايخ الحماسية التي تزيد نار الإرهاب اضطراماً, وخاصة منهم أولئك الذين لا يجدون غضاضة أن ينشروا أفكارهم عبر الفضائيات تحت ستار الإسلام, والأنكى من ذلك أن بعضهم محسوب على الإسلام المعتدل, لذلك لا يتعجّب المرء من إصرار بعض المؤسسات الأمريكية - ومنها معهد راند- على تشكيل إسلام ملائم للسياسات الأمريكية تحت مسمّى "بناء شبكات إسلامية معتدلة", فما دام علماء الدين قد امتنعوا عن تبيان حقيقة الإسلام المعتدل, فمعنى ذلك أنهم قد تركوا البيت خالياً ليملأه كلٌّ بما يريد.

ما زال بعض مشايخنا ومفكرينا الإسلاميين بمنأى عن التنديد بأيديولوجيات القاعدة, وفي برنامج (زيارة خاصة) على قناة الجزيرة الذي استضاف المفكر الإسلامي اللبناني فتحي يكن وبعده الشيخ اليمني الزنداني, لم يتوانَ كل منهما عن تأييد القاعدة في جريمة 11/9/2001 التي غيّرت وجه العالم وألقت ظلالا سوداء من الشك حول كل ما يمتّ للإسلام بِصلة, وفي الوقت الذي يأمرنا ديننا بالإنصاف والعدل فإن الداعية عمر عبد الكافي - وقد كنت أظن أنه معتدل عادل - في برنامجه على قناة الشارقة يصف المفكر "ويل ديورانت" بأنه يهودي فاجر في معرض الاستشهاد برأيه الجميل في النبي عليه الصلاة والسلام, مع أن كل من قرأ قصة الحضارة يجد أنها من أروع الموسوعات في العصر الحديث,  ويستقرئ مدى حيادية ديورانت وعدالته وشهادته للإسلام والمسلمين.

هذه بعض نماذج من الأيديولوجيات المدمِّرة في كره الآخر, والتي تنصبّ في أذهان الشباب والفتيان الصغار صباً, فما بالنا بالأناشيد الجهادية والكاسيتات التي تنشر ثقافة الموت وكره الحياة؟ كمثال عمليّ أستحضر صورة تلك المريضة التي مدّت يدها لي بكاسيت فما إن رأيت عنوانه "الزهد في الدنيا" حتى اعتذرت لها عن قبوله, ولم أشأ أن أحرجها بقولي لها أنها متناقضة, فعمرها فوق الأربعين عاماً ولديها عدد كبير من الأولاد وما تزال تبحث عن إمكانية الحمل, فكيف يكون زاهداً من يطلب المزيد في المال والعيال؟ هذا المثال البسيط أتيت به هنا لأستدلّ على كثير من التناقضات الأخرى التي تصدر عن شيوخ الزهد الذين يتلبّسون ثوب الموعظة ويبغِّضون الناس في الحياة بينما هم يعبّون منها عباً, وما ذاك إلا لغايات مادية وسياسية كي تكون لهم الغلبة والصدارة, فلا نجد لديهم ما يميّز المسلم الحق كصفات الرحمة والعدل مع المختلف, بل إن حواراتهم وردودهم على من خالفهم كثيراً ما تنبعث منها رائحة الفجور في الخصومة, وهذه بالتأكيد ليست صفات المؤمنين.

مع التقدير للجهود التي تقوم بها لجنة المناصحة مع الإرهابيين المقبوض عليهم, فإني أعتقد أن هؤلاء بحاجة إلى كلمة أنسب من كلمة (المناصحة), فأدمغتهم محشوة بالأيديولوجيات الإرهابية التي تحتاج إلى عمليات غسيل دماغ مطهرة متكرّرة, ولا ريب أن ثمة سؤال يطرح هنا: لماذا لا يتمّ تفنيد هذه الأيديولوجيات علناً ليكون بمثابة لقاح وقائي دائم بدل أن يُؤخذ كمسكّن علاجي مؤقت؟ الذي يحصل في الواقع هو العكس, فكلّنا يعلم أن للإعلام المرئي جمهوراً أوسع مما للصحافة, كما أن القنوات الفضائية على أنواع, ومنها ما يدمّر الأخلاق ويشتّت الأُسر, وأمام تخوّف الأهل على أخلاق أبنائهم وبناتهم مما تعرضه تلك القنوات فإنهم لا يجدون حلا سوى بالامتناع عن إحضار الصحن اللاقط, ولهذا لا يكون أمام الأولاد والبنات سوى قنوات محدودة يُبثّ عبر بعضها أفكار تمجّد ثقافة الموت وتشدّد على تحريم الاختلاط ومنع الموسيقى دون الإشارة إلى الآراء المعتدلة التي تحلّل ذلك ضمن إطار الضوابط الشرعية؛ وهنا أتذكر مريضة أخرى أتتني تطلب مني عمل فحوصات لابنتها المراهقة التي تنام كثيراً, فسألتها عن هوايات ابنتها وإمكانيات التسلية المتاحة أمامها, فأخبرتني عن نوعية القنوات الفضائية المسموح بها في البيت, فطلبت منها ألا تتعجّب من استسلام ابنتها للنوم لأن الحياة لمن كان في عمرها مملّة إذا لم يكن لديها بعض الوقت للترفيه عن النفس, ووجهّتها إلى ضرورة غرس ثقافة المناعة لا المنع لأننا لا نستطيع أن نحمي أولادنا وبناتنا إلى الأبد.

في الحقيقة إن ذكري لتوجّهات بعض المريضات لديّ هو بقصد الإشارة إلى مدى تغلغل الأيديولوجيات الكارهة للحياة والمبغضة للآخر في فسيفساء المجتمع, ولا بد لاستئصال شأفة هذه الأيديولوجيات من نشر فكر إسلامي معتدل, بدل الفكر المهادن للقاعدة على مبدأ:(لم آمر بها ولم تسؤني), وقد غاب عن المناصرين لهذا المبدأ أن تيار القاعدة الإقصائي سيطال الجميع, وعلينا أن نتذكّر كلمات الظواهري في إحدى خطبه الاستعراضية عندما قرأ الفاتحة على روح حماس بسبب دخولها المعترك السياسي, وها هي القاعدة تقذف حمم اللهب في فلسطين فتخطف هذا وتقتل ذاك, ناهيك عن إثارتها لنار الفتنة بين فتح وحماس التي لم يكن ينقصها إلا عود كبريت للاشتعال, وما يحدث في لبنان ممن يسمّون أنفسهم "جند الشام" لا يختلف بقليل أو كثير عن ذلك, وما تقوم به القاعدة في فلسطين فعلته قبل الآن في العراق, فقد شنّت حرباً لا هوادة فيها على الحزب الإسلامي المشارك في الحكومة الانتقالية, كما هدّدت الجيش الإسلامي مع أنه يشاركها في حمل السلاح بوجه الاحتلال الأمريكي, ووصلت حجارها المناوئة إلى هيئة علماء المسلمين رغم أن الأخيرة لم تندّد بجرائمها كما يجب, بل كانت تظن أن أسلوب القاعدة يشكِّل مقاومة أفضل ضد المحتل.

لقد بات من الضروري أن ينقضّ المشايخ والدعاة الشجعان على دعاوى الجهاد في العراق وفلسطين وغيرهما فيفنّدوها واحدة تلو الأخرى, لأنها لا تصلح لحال المسلمين في العصر الحالي, وقد بدا واضحاً لكل ذي بصر وبصيرة أن من يشجّع على الجهاد في تلك البلاد لم يعد همّه الحقيقة بقدر ما هو هدفه الاستئثار بالمزيد من الأتباع, دون أن يبالي بأنه يلتقي مع القاعدة في نهاية المطاف؛ ولا يسعني إلا أن أختم بمثالٍ عن داعية شجاع هو الداعية السويدي حسان موسى الذي أجرت معه صحيفة الوطن حواراً يوم السبت الفائت, وقد أظهر العنوان تعرّضه لمحاولة اغتيال بسبب موقفه الرافض للتكفير والتفجير, وسُجِّل بالبند العريض رأيه الفذّ:(الخطاب الديني الملتبس يوقع الشباب في فخ التطرف).

الوطن السعودية 21/5/2007

 

 

حقوق الطبع محفوظة لموقع د. ليلى الأحدب © 2005 تصميم وتطوير موقع الثريا |