|
وصلني عبر البريد الالكتروني ملف باللغة الانكليزية يضم العرب الخمسين الأكثر ثراءً
في العالم خلال العام 2006 بعد نشره في بعض المواقع المختصة بالمال والاقتصاد,
وبدافع اجتماعي خالص قمت بحساب مجموع المبالغ المكوّنة لثروات أولئك الخمسين
فوجدتها تقارب 250 مليار دولار أي ما يفوق 900 مليار ريال, وعلى اعتبار أن زكاة
المال هي ربع العشر على أيّ مال بلغ النصاب ومضى عليه عام كامل, فإن زكاة ذلك
المبلغ المجموع تزيد على 6 مليار دولار, ومن الطبع أن يرد سؤال إلى الذهن: ماذا
يفعل هؤلاء الأثرياء بزكاة أموالهم؟
قرأت الملخص المرفق عن كل واحد منهم, فوجدت أن الكثير
منهم قد حصل على شهادة في إدارة الأعمال من الولايات
المتحدة الأمريكية, وبحسب العقلية البراغماتية
الأمريكية فإن هذا يدفع للاستثمار بكل المجالات التي
ترتفع فيها الأرباح وتقلّ فيها المخاطر مثل الاتصالات
ومراكز التسوق والمدن السياحية والإعلان والفضائيات,
إضافة إلى عدد قليل جداً من هؤلاء يستثمر في التعليم
حيث أن أرباحه ليست بالخيالية كالمجالات الأخرى, وفي
نفس الوقت خطر لي أن أحسب أرباح إحدى المدارس العالمية
في مدينة جدة فبلغت خمسة إلى عشرة ملايين ريال سنوياً,
وهو في الحقيقة مبلغ ليس صغيراً لكنه ليس كذلك بالنسبة
لمن اعتاد على "الضربات" الكبيرة في مجال المال.
القليل من هؤلاء الأثرياء يستحق اسم العصامي, إذ إن
أغلبهم وُلد لآباء من طبقة غنية, وإن لم يكونوا على
نفس مستوى الثراء الفاحش الذي رفع أبناءهم إلى رأس
القائمة, وقد تعمّدت وصف ذلك الثراء بالفاحش ليس لمعنى
الكلمة السيئ بل لمدلولها العميق في مدى الهوّة التي
تفصل الفقراء عن الأغنياء في المجتمعات العالمثالثية
عموما والعربية خصوصا, وإذا علمنا أن إحصاء عدد
الأثرياء أسهل بكثير من إحصاء الفقراء, وذلك لقلة عدد
الفئة الأولى عكس الفئة الثانية, أدركنا أن دورة المال
في المجتمع مفقودة, مع أن الله سبحانه هو الذي حدّدها
في سورة الحشر بقوله:(كي لا يكون دولة بين الأغنياء
منكم) وذلك في معرض تفسير منح المجاهدين للخُمس من
أموالهم إلى الدولة بقيادة الرسول الكريم عليه الصلاة
والسلام, أي كي لا يكون المال حصراً على الأغنياء, بل
ليمسّ الفقراءَ شيءٌ من نعيمه, ومن المعلوم أن طائفة
معينة من المسلمين تطالب بالخمس أما عموم المسلمين
فيطالبون بالزكاة فقط؛ لكن كيف إذا تذكّرنا قول الرسول
عليه الصلاة والسلام:(في المال حق سوى الزكاة)؟ وهو
الذي يفسره حديث آخر عن ضرورة أن يخرج الأغنياء من
أموالهم ما يكفي الفقراء, فإذا تجاهل الأغنياء جوع
الفقراء وعريهم, فإن الله معذبهم عذاباً شديداً, وكيف
لا يفعل سبحانه وهو القائل:(وآتوهم من مال الله الذي
آتاكم)؟ فهو مال الله أولا وأخيراً, وهو المعطي
والمانع.
خمسة عشر شخصاً من هؤلاء الأثرياء سعوديون, بينهم
اثنان حصلا منذ زمن على الجنسية السعودية, وهم – أي
السعوديون – الأكثرية في التقرير إذ يأتي الإماراتيون
في المرتبة الثانية بحصول 12 منهم على الصدارة بين
الأثرياء الخمسين, ثم الكويتيون في المرتبة الثالثة
بسبعة أثرياء, أما الباقون فهم موزعون على الدول
العربية الأخرى ففي لبنان أربعة, وفي فلسطين والعراق 3
لكل منهما, واثنان مصريان وواحد فقط لكل من البحرين
والأردن وسوريا واليمن.
الخمسة السعوديون الأوائل في الثراء يأتي ترتيبهم في
التقرير بين العشرة الأشد ثراء, وعلى هذا فإن مجموع
ثروة هؤلاء الخمسة تعادل ثلث مجموع ثروة الخمسين, أي
إن زكاة أموالهم تقارب من ملياري دولار, وقد خضت في
تفاصيل التقرير بحثاً عن أعمال هؤلاء الخمسين الخيرية
ومنهم الخمسة السعوديين الأوائل, فلم أجد إلا ذِكراً
لأحدهم وهو مسيحي – عدد المسيحيين الأثرياء المذكورين
لا يتجاوز عدد أصابع اليد الواحدة – وبعض الكنائس تفرض
على تابعيها إتاوات كبيرة تصل إلى 10% أحياناً,
تستخدمها الكنيسة في تحسين أحوال الفقراء المعاشية
والتعليمية ومنها ما يستخدم لأغراض تبشيرية, والسعودي
الوحيد الذي ذكر التقرير قيامه ببعض الأعمال الخيرية
هو محمد عبد اللطيف جميل, والذي يأتي في المرتبة
الثالثة والعشرين بين الأثرياء الخمسين.
كلنا يعلم أنه لا معنى لإخراج الزكاة سراً, إذ هي مما
يُفرض إخراجه علانية لأنها فريضة مثلها في ذلك مثل
صلاة الفرض, فلا يجزي إخفاؤها بغية الإخلاص لله, إنما
هي من المال الواجب دفعه للدولة المسلمة لترى أين
تضعه, وفي حال تقاعست الدولة عن هذا الدور, فليس في
ذلك إعفاء للثري من إخراج زكاة ماله بنفسه, فماذا لو
قام هؤلاء الأثرياء بإخراج زكاة مالهم لتحسين مستوى
معيشة الفقراء من أبناء بلدانهم أولا؟ الأقربون أولى
بالمعروف طبعاً دون نسيان بلاد المسلمين الأكثر فقراً.
مصارف الزكاة معروفة وإذا كان الشيخ ابن باز أفتى بأن
تتم مساعدة الزواج على الشباب من مال الزكاة على أساس
أنها تدخل ضمن بند "في سبيل الله" المذكور في الآية
الكريمة الدالة على مصارف الزكاة, فعلى هذا يمكن
اعتبار "في سبيل الله" شاملة للكثير من البنود الأخرى
سوى إطعام الفقراء والمساكين, وإذا كانت الأموال
المخصصة من الدولة للخدمات والمرافق لا تكفي لتحسين
جودتها بما يفي بحاجة الناس جميعاً, فلماذا لا تقام من
أموال الزكاة المستشفيات الخيرية والمدارس الجيدة
والجامعات المتخصصة؟ ولم لا نرى جمعيات تهتم برعاية
الأم الوحيدة سواء كانت أرملة أو مطلقة؟ ولم لا يوجد
أوقاف خاصة خيرية لسكن المعلمات العازبات في القرى
والتي يقوم على حراستها بعض المؤسسات الأمنية الخاصة
الموثوقة بدل أن تُهدر حياة المعلمات الأمهات على
الطرق كل يوم؟ والسؤال الأخير في هذا الصدد: هؤلاء
الأثرياء الذين يديرون أعمالهم في جميع أنحاء الأعمال
بدقة متناهية وجدارة ملفتة, والدليل أرباحهم المتضاعفة
من عام لعام, أتراهم يعجزون عن إدارة أموال زكاتهم
الخاصة بالإشراف على إنفاقها كي لا تطالها يد الفساد
التي تعبث أحيانا بأموال الدولة؟
بيننا معدمون رغم أنهم سعوديون, ومنهم من يقتّر على
أولاده كي يستطيع أن يوفر لأمه الكبيرة المريضة ثمن
دوائها, وهناك بعض الطلاب الذين لم يحالفهم الحظ
للدراسة في جامعة حكومية ولم يجدوا مورداً يتيح لهم
ذلك في جامعة خاصة, وقد ضمّ ملف الأثرياء المذكور
عائلة الحريري التي لم يشر التقرير إلى أعمالها
الخيرية مع أن رفيق الحريري – رحمه الله – أنشأ جمعية
خيرية في لبنان كانت تعول كثيرا من العائلات الفقيرة,
ولا ينسى المرء صور الطلاب الذين كانوا يدرسون داخل
لبنان وخارجها على نفقته وبكاءهم عليه كمن يبكي أخاه
أو قريبه الحبيب, فهي الأعمال التي تتكلم, وصنائع
المعروف تقي مصارع السوء كما قال الحبيب المصطفى عليه
الصلاة والسلام.
أتذكر مقالة سابقة لرئيس التحرير الأستاذ جمال خاشقجي
قارن فيها بين سهولة الحصول على بيت في بريطانيا
وصعوبة ذلك في المملكة, رغم أن أعمال البناء في
العمارات عندنا دائمة ليلا نهارا, وبينما ينعم بعضنا
ببيوت الرفاهية وبمعدل غرفتين للشخص الواحد على الأقل,
فإن بعضنا الآخر يفتقد أبسط مقوّمات السكن؛ وفي كل يوم
يفتتح مركز تجاري جديد حتى باتت المدن الكبرى في
المملكة مدنا للتسوق فقط, فهل من الصعب على أحد هؤلاء
الأثرياء أن يبني مكتبة تحمل اسمه مثلا؟ هل فكّر بعضهم
ببناء إسكان خيري بمواصفات مقبولة لمساعدة الشاب على
اقتناء بيت هو أهم مقومات الزواج؟
وصلني منذ فترة ملف بوربوينتس عن الفندق الوحيد في
العالم المصنّف "سبعة نجوم" واستغرق بناؤه في دولة
الإمارات 18 شهرا فقط, وكلفة قضاء ليلة واحدة فيه
تتراوح بين 7500 ألف دولار وبين 15000دولار, بينما
يعيش ثلث السكان في البلاد العربية – غير الخليجية –
بأقل من دولار باليوم, وبعملية حسابية بسيطة نستنتج أن
متوسط تكاليف الإقامة لليلة واحدة في فندق الخيال تكفي
عشرة آلاف شخص في مكان موبوء بالفقر.
الوطن السعودية 7/5/2007 |