الصفحة الرئيسية
  
في النهوض والتغيير (إبحار ضد التيار)  مثلث الرعب ودرهم الوقاية
 
 
 

لم تكن حادثة جامعة "فرجينيا تك" صادمة لذوي الضحايا فحسب بل لكثير من الآباء والأمهات الأمريكيين وغيرهم من الذين يدرس أولادهم وبناتهم في أمريكا إضافة إلى آخرين من الذين كانوا يأملون أن يكمل فلذات أكبادهم مستقبلهم الدراسي في تلك الدولة المتقدمة علمياً, ولقد ألقت هذه الكارثة ظلالا من الضوء على ما بات يسمى بظاهرة الانتحار والنحر الجماعي رغم اختلاف الدوافع والأسباب, فالدافع الأول لهذه الجريمة هو المرض النفسي لدى المجرم, الذي كان قد خضع للعلاج في مصحة عقلية عام 2005 إثر شكوى تقدمت بها طالبتان في نفس الجامعة تعرضتا لتهديد منه, ناهيك عن تصرفاته الملحوظة العدائية تجاه بعض الأساتذة والطلاب, وتكفي شهادة زميله في الغرفة الذي ذكر أن القاتل كان ينفرد بنفسه خلال ساعات الليل ليكتب قصصاً عنيفة بينما يستمع إلى أغنية واحدة يعيد تكرارها لساعات.

مع ذلك فإن التصريح اللافت للنظر هو ما نقلته وكالة الأنباء الفرنسية عن جوزيف جاسبر أستاذ الاجتماع بجامعة جونز هوبكنز الأمريكية الذي طالب المجتمع بعدم إلصاق التهمة بالأمراض العقلية، بل يجب التركيز على الأمراض الاجتماعية الموجودة بشكل واسع داخل الولايات المتحدة والتي تلعب دوراً قويّاً في مثل هذه النوعية من الجرائم, ولقد أجمل جاسبر عدداً من العوامل مثل (العنف الإعلامي، والتهميش الاجتماعي، وسهولة الحصول على الأسلحة), واصفًا إياها بـ"مثلث الرعب" داخل الولايات المتحدة الذي قد يدفع أي شخص للقيام بأعمال إجرامية, وحذر جاسبر أن إلصاق التهم بالأمراض العقلية لن يمنع من تكرار مثل هذه الأعمال مستقبلا, وقد كان تحذيره صائباً لأنه إلى يوم الجمعة السابق أغلقت مدرستان بولاية كاليفورنيا أبوابهما بعد تلقيهما تهديدين بتكرار ما حدث في جامعة فرجينيا تك.

لا يقتصر مثلث الرعب على الولايات المتحدة وإن كانت تشكّل المنبع والمصدّر الأول له, وما يهمنا في هذه المقالة هو المستوردون له الذين هم نحن؛ فإذا بدأنا بالعنف الإعلامي نرى أن ألعاب البلاي ستيشن العنيفة وأفلام الأكشن وخاصة منها أفلام الجريمة والاغتصاب تكاد تكون المتصدرة لما يتابعه المراهقون, وللأسف فإن أباطرة الإعلام لا يتورّعون عن إنتاج وعرض المزيد من هذه الأفلام ما دامت تحمل لهم زيادة في الثراء, وحجّتهم في ذلك أن "الجمهور عايز كده" مع أن هذا الجمهور لا يستطيع أن يقرر ما يريد ولا يريد بسبب سنه الصغير, ولذلك نسمع عن ازدياد العنف في المدارس يوماً بعد يوم؛ وقد تعدى هذا العنف الشكل التقليدي فأصبح يقع على الأستاذ من طالب أو من مجموعة من الطلاب ويتم توثيقه وعرض الصور لتعميق إهانة هؤلاء الأساتذة أمام من يعرفهم, وقد كشفت صحيفة الوطن في عددها ليوم الاثنين الماضي النقاب عن الإحباط الذي يشعر به عدد من الأساتذة رغم أنه لا علاقة لهم بما حصل, لأن إهانة أستاذ واحد تعني إهانة السلك التعليمي كله, وفي هذا السياق تبزغ عدة أسئلة تشير بإصبع الاتهام إلى دور الأسرة في تكوين الشخصية العنيفة لدى الناشئ عبر أساليب تربوية خاطئة, وكذلك دور المدرسة في تصحيح التشوهات النفسية التي تشكّلت لدى التلميذ قبل التحاقه بالمدرسة أو تكوين تشوهات جديدة.

في مجال الأسرة فإن الطفل لا يستطيع تفسير مغزى العنف الواقع عليه أو الواقع على شخص آخر خاصة إذا كان مفضّلا لديه كأن يضرب الأب الأم أمام أعين الأطفال, ناهيك عن العنف الذي يأخذ شكلا جنسياً والذي يجعل الطفل مستقبلا يتكيّف بأحد اتجاهين أثناء فترة المراهقة: إما الاتجاه الانسحابي أو الاتجاه العدواني, وكلاهما ذو محذور وخيم, حيث تعاني الشخصية الانسحابية من ميل للاكتئاب واليأس قد يؤدي إلى الانتحار, بينما تفضّل الشخصية العدوانية الهجوم على الأشخاص الآخرين الذي قد يصل إلى حد القتل, أو تكرّر الجريمة الاغتصابية على طفل آخر, ولا أدري إن اطلع القراء الكرام على حكاية رمضان التوربيني الذي كان طفلا تم اغتصابه من قبل أحد المجرمين فوق سقف قطار في مصر, فتحوّل بعد ذلك إلى مجرم يعيد تكرار ما حصل معه على أطفال آخرين.

وأما الإجابة عن سؤال دور المدرسة فإنه غير ممكن دون أن نتوقّف عند العنف الذي يتعلّمه التلميذ في المدرسة, ولا يستطيع الآباء والأمهات الذين عملوا على منع تشكل أي تشوّه في شخصية الطفل قبل المدرسة أن يخفوا انزعاجهم من الآثار التي تلحق بالطفل نتيجة العنف المدرسي, ومن البديهي أن الطفل الذي وقع عليه عنف سيتبنّى الأسلوب العنيف إذا لم يجد مناصرة ممن حوله, وثمة مشاهدات واقعية عن عمليات غسيل مخ يقوم بها الأهل على أطفالهم ليمسحوا من ذاكرتهم السلوكيات السيئة التي تعرّضوا لها في المدرسة, وذلك عندما ينعدم السبيل للاحتجاج لدى إدارة المدرسة التي قد تحوّل التلميذ من ضحية إلى متهم.

بمناسبة الحديث عن المدارس فقد صُدمت بلقطة فيديو أُرسلت لي من بلد عربي لطفلين في الصف الأول الابتدائي يصفعان بعضهما بعضاً بناء على أوامر الأستاذ الذي يسمع صوته فقط دون أن يرى وجهه, مكرراً كلمة "أقوى" أي إنه يطلب من التلميذ أن يصفع زميله بشكل أقوى لدرجة أن أحدهما يقع أرضاً نتيجة لصفعة قوية بيد زميله, وعندما يقف التلميذ الذي سقط فإنه يهجم على الذي صفعه لينتقم منه ويمسك بخناقه فيردّد الأستاذ أوامره بالابتعاد عن بعضهما ويفك اشتباكهما.. لكن بماذا؟ يفك اشتباكهما بقدمه بعد أن يمدّ رجله لتصل إلى أعناقهما مما يؤكد على أنه هو الذي يقوم بتصوير هذه الجريمة ليفاخر بها, فأين وزارة التربية والتعليم في ذلك البلد؟ بل أين أهالي الطلاب الذين لا يعرفون ما الذي يدور في فصول تلك المدرسة؟

يمكننا وضع هذه العوامل الأسرية والمدرسية في إطار واحد يشار إليه بانعدام التقييم الذاتي الإيجابي, وهو يدخل ضمن العامل الثاني أي التهميش الاجتماعي فأكثر الجرائم التي تحصل في الطفولة تصدر عن أطفال الشوارع المهملين, ناهيك عن جرائم التراكمات الاجتماعية الناجمة بسبب التمييز الطبقي أو الديني في المجتمع الواحد أو في المجتمع الذي يتألف من تركيبات سكانية مختلفة كالمهاجرين في البلاد الأوروبية, وليست ببعيدة ثورة الضواحي التي قام بها الفرنسيون من أصول مهاجرة, لذا فإنه من الضروري الاستفادة من تجارب المجتمعات المتقدمة التي أغلقت الباب دون انهيار جسر التواصل في المجتمع الواحد عبر إنشاء وزارة خاصة بشؤون المهاجرين, وإذا قارنا ذلك بما يحدث بالمملكة من مشكلات ناجمة عن نظام الكفيل إَضافة إلى المقيمين غير الشرعيين فإن العبء الملقى على عاتق وزارة الداخلية ووزارة العمل كبير جدا, وإذا كانت الجالية المسلمة في فرنسا والتي لا تتجاوز خمسة ملايين تعتبر جالية ذات ثقل نسبي لذلك يحرص المرشحون الحاليون للرئاسة الفرنسية على استمالتها, فإن عدد المقيمين في المملكة يتجاوز ثلث عدد السكان, ناهيك عن الامتيازات التي يتمتع بها المواطن الذي يعمل في جهة حكومية, على سبيل المثال زيادة 15% في الرواتب والتي لم تصل إلى جميع العاملين المواطنين والمقيمين في القطاع الخاص, مع ارتفاع الأسعار وزيادة المتطلبات الحياتية والضائقة الاقتصادية الناجمة عن انهيار الأسهم مما يقوّي الشعور الداخلي بالغبن والتمييز في بلد يجب أن يحكمه العدل كما أكّد على ذلك خادم الحرمين الشريفين في خطابه الأخير, لأن العدل أساس الملك.

الضلع الثالث في مثلث الرعب هو سهولة الحصول على الأسلحة ولا يخفى على أحد المداهمات الأمنية في المملكة وما تلاها من اكتشاف أوكار للإرهابيين ومخازن الأسلحة, وإذا كان الإرهاب يتبع أيديولوجيات دينية خاطئة, فإن علاجها لا يكون بالمسكنات ولا بترضية خواطر الإرهابيين الذين أعلنوا توبتهم لأن ذلك ينتج في الأذهان أسئلة طرحها بعض الكتّاب حول مصير الشباب الذين لم يسلكوا سبل الإرهاب ومع ذلك حُرموا من أبجديات الحياة الكريمة؛ وكي لا نعود في كل مرة إلى المربع الأول -كما يقال - فإنه من الأفضل اتباع الوسائل الحكيمة والتي أساسها أن درهم وقاية خير من قنطار علاج, وذلك لمنع العوامل الثلاثة المذكورة من التوسع والامتداد.

الوطن السعودية 23/4/2007

 

 

حقوق الطبع محفوظة لموقع د. ليلى الأحدب © 2005 تصميم وتطوير موقع الثريا |