|
إذا ذُكرت كلمة التطوع فإن أول ما يخطر في أذهاننا هي العبادات التطوعية كصيام
الأيام البيض وصلاة النافلة وتكرر العمرة إثر العمرة وما شابهها, ومع استغراق بعضنا
في الشعائر المظهرية على حساب الفضائل والأخلاق والمعاملة الحسنة فإن ثمة أسئلة
تدور في العقل اليقظ بحثاً عن إجابات شافية.
ما الرابط بين عبادة الله وبين خدمة الناس؟ وهل
اعتنينا – نحن المسلمين - بأحد الجانبين على حساب
الآخر؟ ألا نعاني – ضمن ما نعاني من أمراض اجتماعية –
فصاماً بين تعاملنا مع الله وتعاملنا مع عباده؟ وإذا
كان ديننا هو الدين الخاتم والذي أكمله الله علينا
بمنّه وفضله, فلماذا تأخرنا وتقدّم الآخرون؟ كيف
فضلَّنا الله على كثير من عباده إذ جعلَنا حملة هذا
الدين العظيم عندما أنزل كتابه الحكيم بلسان عربي مبين
فإذا نحن - ومنذ زمن طويل- في قاع الأمم؟ كثيرة هي
الأسئلة ويكمن الجواب برأيي في عبارة واحدة هي الرجوع
إلى فهم هذا الدين حق الفهم, والبحث عن المفاهيم
الخالدة في أصوله, ويأتي على رأس هرم المفاهيم التي
أضعناها مفهوم التطوّع, فما هو هذا التطوّع؟
إن العمل الصالح لا يقتصر على الصلاة أو أي عبادة أخرى
بين العبد وربه, بل يتعدّاه إلى فعل الخير مع الناس,
والحقيقة التي لا تخفى على متبصّر بالدين أن ارتباط
الإيمان والعمل الصالح منتشر في تضاعيف الآيات
القرآنية, ولكن للأسف فإن بعضنا – أو أغلبنا لا أدري –
اقتصر بعمله الصالح على العبادة, مع أن العبادة بحدّ
ذاتها هي وسيلة لتهذيب النفس والشعور بالعبودية لله,
فالغاية من العبادة تكمن في إحساس المؤمن بأن كل
مخلوقات الله يشتركون معه في العبودية لله؛ وفي الآية
الكريمة التالية دلالة على ذلك:(ثم استوى إلى السماء
وهي دخان فقال لها وللأرض: ائتيا طوعاً أو كرهاً
قالتا: أتينا طائعين), لذلك فإن كل ما في الكون هو
خاضع طوعاً لله, ويسير حسب نواميسه تعالى, إلا الإنسان
الذي ترك الله له حرية الاختيار بين الطاعة والمعصية
ليكون خليفة لله في الأرض عندما يعمل على إقامة العدل
وإحقاق الحق.
لنتأمل في الآية التي تخبرنا بإرادة الله في خلق آدم
وكيف تساءلت الملائكة حول الفائدة من هذا المخلوق:(وإذ
قال ربك للملائكة: إني جاعل في الأرض خليفة, قالوا:
أتجعل فيها من يفسد فيها ويسفك الدماء ونحن نسبّح
بحمدك ونقدّس لك؟ قال: إني أعلم ما لا تعلمون), ثم
لنتأمل في حال بني آدم منذ وُجدوا على سطح البسيطة,
فأول جريمة ارتكبها أحد ابني آدم إذ قتل أخاه, وأصبح
الإفساد في الأرض وسفك الدماء سنة بشرية سيئة, وهكذا
فإن العلم الذي وهبه الله للملائكة - حول فساد هذا
الكائن - كان في محلّه, لكن بالمقابل فإن الله عزّ
وجلّ كان يرسل من يأمر بالعدل ويقيم موازين القسط بين
البشر, وتمثّل ذلك بالأنبياء والمصلحين الذين عبّرت
الجملة القرآنية:(قل لا أسألكم عليه أجراً) عن لسان
حالهم مع أقوامهم؛ فهذا النبي أو المصلح أو الرجل
الصالح لم يكن في الحقيقة إلا متطوّعاً للقيام
بالمهمّة التي خلق الله سبحانه من أجلها آدم وذريته,
ألا وهي خلافة الله في الأرض, فهو لا يريد أجراً
دنيوياً بل (إنْ أجريَ إلا على الله) لأنه وضع نُصب
عينيه السعي لنيل رضوان الله بردّ الناس إلى سواء
الصراط ليكونوا عباد الله إخواناً.
هذه كانت مهمة الأنبياء والمصلحين منذ الأزل, وفي
وقتنا الحاضر ظهر الفساد في البر والبحر, وساد الهرج
والمرج, ففي كل بقعة من الأرض هناك حروب وقتل بيد
البشر, أو خراب ودمار بواسطة الطبيعة, ولو نظرنا لما
يحدث في بلادنا العربية سواءً فلسطين أو العراق أو
غيرهما لرأينا أن الموت الجماعي أصبح هو السائد كل
يوم, إلى الحدّ الذي أصبحت فيه مناظر الجثث ولون الدم
وخراب المنازل منظراً شبه يومي, ولا حول ولا قوة إلا
بالله, وأما في البلاد الأخرى الشرقية والغربية, فإن
الزلازل والأعاصير المسبّبة للفيضانات المدمّرة وغيرها
من مظاهر الطبيعة الهائجة هي ليست في الحقيقة إلا
نتيجة ارتكاب الآثام من قِبل البشر أنفسهم, وليس القصد
بكلمة "الآثام" ارتكاب الخطايا الفردية أو الجماعية
التي يدينها كل دين سماوي, ولو أنها قد تكون سبباً
أيضاً, ولكن المقصد منها تلك الشرور الناجمة عن طمع
البشر وحبّهم للمال أيّاً كان مصدره, فالإنفاق على
التسلّح يدرّ ذهباً على بعض البلاد دون مبالاة بما
تنفثه المصانع من دخان وبما تسبّبه من تلوّث للبيئة,
مثله في ذلك مثل غزو الفضاء الذي سوف يشكّل موارد
مالية كبيرة مستقبلية لبعض البلاد التي بدأت بإنشاء
وكالات السفر والسياحة للتعهّد بطيب الإقامة على
المريخ وغيره, فماذا كانت النتيجة لهذه الأطماع التي
كلما خَفَتَ أحدها بَزَغَ آخر؟ ارتدّ السحر على
الساحر, فارتفاع حرارة الأرض واتساع ثقب الأوزون في
الغلاف الجوي نجم عن الإمعان – بل والتفاخر- في شنّ
الحروب الاستباقية بما فيها الحرب على الطبيعة, فأخذت
الطبيعة الخاضعة لسنن الله تنتقم من ظالمها ألا وهو
الإنسان الذي أخلّ بنواميس الكون وقوانينه, وبدأ ذوبان
الثلوج في القطب نفسه, ذلك المكان الذي بقي إلى فترة
قريبة في مأمن عن أذى البشر, وبعدها كان زلزال تسونامي
وإعصار كاترينا وهلّم جرا.. فمن يقف في وجه الدمار في
بلادنا أو بلادهم؟ من يقول لذلك الإنسان الظلّوم
الجهول: كفى؟
إن الإنسان الذي يعي ماذا تعني كلمة الأمانة الواردة
في القرآن, تلك الأمانة التي عُرضت على السماوات
والأرض والجبال فأبين أن يحملنها وأشفقن منها, والذي
يقوم بما تقتضيه هذه الأمانة حقّ القيام هو وحده
القادر على أن يقف في وجه طوفان الفساد المنتشر في
أركان الكرة الأرضية, خاصة بعد تحوّلها إلى قرية
كونية, ليس على المستوى المعلوماتي فحسب بل على
المستوى البشري الاجتماعي والعمراني, فمن يفسد بلادنا
بإشعالها بالحروب هو نفسه - أو يلتقي مع - من يخلّ
بالتوازن البيئي في الشرق أو الغرب, لذلك ليس ثمة مجال
للتفكير الأناني, فسفينة البشرية أصبحت واحدة بامتياز,
وكي لا تكون نهايتها الغرق لا بدّ أن يُمحى
شعارها:(نفسي ومن بعدي الطوفان) وأن يُستبدل بالقول
الخالد:(إن الله يأمر بالعدل والإحسان).
بالعدل قامت السماوات والأرض, وللنظام الإلهي خضعت
الأجرام والأكوان, وينبغي أن يعود هذا الإنسان لربّه
فيدرك أن العقل وحده ليس قادراً على حلّ مشكلات
العالم, وإنما لا مناص من الاستكانة والخضوع للوحي
الذي هو بمثابة النور الكلي الذي يستمدّ منه العقل
نوره الجزئي, كما يقول أبو حامد الغزالي في كتابه
"الاقتصاد في الاعتقاد":(مثال العقل: البصر السليم عن
الآفات والآذاء, ومثال القرآن: الشمس المنتشرة الضياء.
فأخْلِقْ بأن يكون طالب الاهتداء, المستغني بأحدهما عن
الآخر في غمار الأغبياء, فالمعرض عن العقل مكتفياً
بنور القرآن, مثاله: المتعرّض لنور الشمس مغمضاً
للأجفان, فلا فرق بينه وبين العميان. فالعقل مع الشرع
نور على نور)
من ذا الذي يستطيع أن يعيد للوحي قيمته وللعقل رشده؟
بل من ذاك الشجاع الذي يسعى لإعطاء كلٍّ منهما مكانته
دون خلطٍ للأمور أو متاجرةٍ بالدين أو استبدادٍ
بالرأي؟ من الذي يمتلئ بالحكمة فيقول في الوقت المناسب
ما يعتقده حقاً دون أن يأبه لشتيمة أو يبالي بتسفيه؟
لن ينفع يوم العرض الأكبر أن نلقى الله قائلين:(شغلتنا
أموالنا وأولادنا) لأن نعم الله ستكون وبالا علينا يوم
القيامة إذا لم نستعملها في وجهها الأمثل, وأكبر نعمة
منحنا الله إياها هي القرآن الذي لا تنقضي عجائبه,
وإذا تلوناه بوعي وجدنا أنه لا تكاد تخلو صفحة واحدة
من الدعوة للتطوّع سواء كان ذلك إكراماً مادياً أو
خلقاً معنوياً مع الناس من برّ والدين, وصلة رحم, ورفق
بزوج, وإحسان لصاحب وجار, وعناية بابن سبيل وخادم,
وكفالة يتيم ومسكين, وإطعام طعام وإفشاء سلام وغير ذلك
كثير, أو كان أمراً بمعروف أو نهياً عن منكر بأي وسيلة
ممكنة وبموعظة حسنة, ويتبع القرآن سنة الرسول عليه
الصلاة والسلام الذي كان خُلقه القرآن كما وصفته أم
المؤمنين عائشة رضي الله عنها, والذي قال:(إنكم لن
تَسَعوا الناس بأموالكم فَسَعوهم بأخلاقكم), والذي حضّ
في كثير من أحاديثه على العمل التطوعي بما فيه الرفق
بالحيوان وبركة ذلك الرفق على الإنسان, فالعمل الصالح
يبدأ بالفرائض المحدّدة ولكن النوافل التطوعية ليس لها
نهاية ولا حدود, ومن أراد أن يعيش حياة طيبة في الدنيا
والآخرة فليعمل بشرطيها: الإيمان والعمل الصالح كما هو
مبيّن في الآية الكريمة:(من عمل صالحاً من ذكر وأنثى
وهو مؤمنٌ فلنحيّينه حياة طيبة ولنجزينهم أجرهم بأحسن
ما كانوا يعملون) صدق الله العظيم.
الوطن
السعودية
9/4/2007 |